
ليوناردو سينيري لومبروزو
حين تصبح الكاميرا جسراً بين الإنسان والذاكرة والمنفى
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: كاميرا لا تكتفي بأن ترى
في السينما الوثائقية، لا تكون الكاميرا مجرد آلة لتسجيل الواقع، ولا يصبح المخرج مجرد شاهد يقف خلف العدسة. هناك لحظة أكثر عمقاً تبدأ فيها الصورة بطرح أسئلة تتجاوز ما يظهر على الشاشة: من هو الإنسان الذي نراه؟ ماذا يحمل معه حين يغادر وطنه؟ ماذا يبقى من المكان في الذاكرة؟ وهل يستطيع الإنسان أن يبدأ حياته من جديد دون أن يفقد جذوره؟
من هذه المنطقة الإنسانية والفنية يتحرك المخرج والمنتج الإيطالي ليوناردو سينيري لومبروزو (Leonardo Cinieri Lombroso)، الذي بنى جانباً مهماً من تجربته السينمائية على الفيلم الوثائقي، وعلى الاقتراب من الإنسان في سياقات الهجرة والهوية والثقافة والعدالة الاجتماعية. ويصف لومبروزو نفسه بأنه مخرج سينمائي يمتلك خبرة واسعة في صناعة الأفلام الوثائقية، مع اهتمام خاص بالعدالة الاجتماعية والهجرة والهوية الثقافية، وبالحكايات الإنسانية التي تصل إلى جمهور عالمي.
إنها تجربة تضع الفيلم الوثائقي في منطقة تتقاطع فيها الصورة مع الذاكرة، والسينما مع الأنثروبولوجيا، والهجرة مع سؤال الهوية، والشخصي مع الكوني.
من روما إلى العالم
ينتمي لومبروزو إلى روما، المدينة التي تجمع في تكوينها التاريخي والفني بين طبقات متراكمة من الحضارات واللغات والصور. ومن روما انطلقت تجربته إلى مساحات سينمائية وثقافية متعددة، من كوريا الجنوبية إلى جنوب شرق آسيا، ومن الصين إلى العالم العربي، وصولاً إلى القصص المرتبطة بالهجرة واللجوء واللاجئين.
ووفق سيرته المهنية المنشورة، حصل عام 2010 على جائزة أفضل فيلم قصير في Roma Fiction Fest عن فيلمه La città di Asterix. وفي العام نفسه أخرج الفيلم الوثائقي Through Korean Cinema، الذي أنتجته Blue Film ووزعته WIDE House، وشارك في مهرجانات آسيوية مهمة، من بينها بوسان وفوكوكا وطوكيو.
وهنا تظهر سمة أساسية في تجربته: السفر ليس مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال بصري وثقافي.
فالمخرج الذي يعبر الحدود بحثاً عن السينما، يجد نفسه أمام مجتمعات لها لغاتها وذاكراتها وتقاليدها وأشكالها الخاصة في التعبير.
«Through Korean Cinema»: السينما تبحث في السينما
في فيلم Through Korean Cinema لا يكتفي لومبروزو بتصوير السينما الكورية من الخارج، بل يدخل إلى عالمها عبر أصوات عدد من أبرز مخرجيها.
الفيلم يتناول تطور السينما الكورية من خلال لقاءات مع مخرجين من بينهم إيم كوون-تايك، بارك كوانغ-سو، لي تشانغ-دونغ، لي ميونغ-سي، وبارك تشان-ووك، مستعيناً بالحوارات والمواد الأرشيفية لفهم العلاقة بين السينما والمجتمع والثقافة.
وهنا يتحول الفيلم الوثائقي إلى ما يشبه مرآة داخل مرآة:
سينمائي يصور سينمائيين يتحدثون عن السينما.
إنها ليست مجرد مقابلات، بل محاولة لفهم كيف تنشأ الصورة من داخل المجتمع، وكيف يمكن للفيلم أن يتحول إلى وثيقة ثقافية تكشف شيئاً من روح المكان.
جنوب شرق آسيا: حين تصبح السينما صوتاً للمهمشين
استمر هذا الخط في فيلمه Southeast Asian Cinema – When the Rooster Crows، الذي صدر عام 2014، وتناول سينما جنوب شرق آسيا من خلال عدد من أبرز صناعها، ومن بينهم برليانتي ميندوزا، إريك كو، غارين نوغروهو، وبِن-إك راتاناروانغ.
الفيلم، بحسب مادته التعريفية، يتناول قضايا مثل الرقابة، والهوية، والتقاليد، والتحولات الاجتماعية، وحرية التعبير، ويبحث في الطريقة التي يمكن للسينما المستقلة من خلالها أن تصبح صوتاً للتنوع الثقافي والاجتماعي. وقد شارك العمل في بوسان وسنغافورة، كما اقتنته قناة Sundance.
وهنا تتضح فلسفة بصرية مهمة في تجربة لومبروزو:
السينما ليست فقط فناً عن الإنسان؛ إنها أيضاً وسيلة تمنح الإنسان حق الكلام.
فالمخرج لا يضع نفسه بالضرورة في مركز الحكاية، بل يترك للآخرين مساحة كي يتحدثوا عن أنفسهم.
«أُبيدة»: الوجه الإنساني للتجربة السورية
لكن المحطة الأكثر ارتباطاً بالعالم العربي وبالتجربة السورية في مشروع لومبروزو هي فيلمه الوثائقي القصير OBAIDA – أُبيدة، الذي أنجزه عام 2017.
الفيلم، ومدته نحو تسع دقائق، يتناول قصة شاب سوري في سياق الحرب والهجرة القسرية، ويحاول، بحسب وصف المخرج، أن يجد طريقة مختلفة لسرد الحرب، من خلال التركيز على الإنسان السوري وتجربته في مواجهة الاقتلاع والحدود والهجرة.
وقد عُرض الفيلم على قناة MBC خلال رمضان 2017 ضمن برنامج «قُمرة»، وهو ما منح القصة السورية مساحة واسعة للوصول إلى الجمهور العربي.
لكن أهمية «أُبيدة» لا تكمن فقط في موضوعه، بل في زاوية النظر.
فبدلاً من اختزال السوري في صورة الحرب والدمار والنزوح، يحاول الفيلم الاقتراب من الفرد: من أحلامه، ومواهبه، ومخاوفه، وقدرته على الاستمرار.
وهذه نقطة جوهرية في السينما الوثائقية الإنسانية:
أن تعيد للإنسان اسمه بعدما تحوله الأخبار إلى رقم.
«عندما لا تستطيع العودة»: الوطن الذي يسافر مع الإنسان
تتوسع قصة أُبيدة لاحقاً في الفيلم الوثائقي Quando non puoi tornare indietro – When You Can’t Go Back، الذي صدر عام 2019.
الفيلم، بنسختيه القصيرة والطويلة، يتابع أُبيدة، الطالب السوري في الهندسة الذي يصل إلى روما بمنحة دراسية، بينما بقيت عائلته في سورية. كان يحلم بأن يصبح مغنياً، لكن الحرب غيّرت أولوياته ومسار حياته.
وهنا لا تعود الهجرة مجرد انتقال من بلد إلى بلد.
إنها تصبح سؤالاً وجودياً:
ماذا يعني أن تصل إلى مكان جديد بينما لا يزال جزء منك يعيش في المكان القديم؟
العنوان نفسه – عندما لا تستطيع العودة – يحمل طبقة فلسفية عميقة.
فالعودة قد تكون مستحيلة جغرافياً، لكنها تستمر داخل الذاكرة.
البيت قد يختفي، لكن صورته تبقى.
الشارع قد يصبح بعيداً، لكن رائحته وأصواته ووجوهه تستمر في الذاكرة.
واللغة قد تتغير، لكن الهوية لا تختفي بسهولة.
من «أُبيدة» إلى «When You Can’t Go Back»
يمثل الفيلم انتقالاً من القصة القصيرة إلى السرد الوثائقي الممتد.
فأُبيدة ليس مجرد شخصية في فيلم؛ إنه بوابة إلى عالم كامل من الأسئلة حول الشباب السوري، والهجرة، والتعليم، والموهبة، والاغتراب، والاندماج.
وتذكر المادة الرسمية للفيلم أن أُبيدة، رغم فقدانه الكثير بسبب الحرب، يستمر في بناء حياته الجديدة؛ يغني في برنامج «The Voice»، ويتخرج بتفوق، وتتشابك حكايته مع حيوات وتجارب أخرى.
وبذلك يحاول الفيلم تقديم صورة مختلفة عن سورية، تتجاوز الصور النمطية المرتبطة بالحرب وحدها، لتمنح مساحة للثقافة والإنسان والطموح.
وقد شارك الفيلم في الدورة السابعة والثلاثين لمهرجان Bellaria Film Festival عام 2019، كما عرض في فعاليات ومهرجانات أخرى، ومن بينها MedFilm Festival وVisioni dal Mondo.
وفي عام 2026 استمر الفيلم في الوصول إلى جمهور أكاديمي في فرنسا، حيث عُرض في Claude Bernard University Lyon 1 ضمن مبادرة تناولت احتياجات الأقليات، مع نقاش حول الهجرة والهوية وسورية بعيداً عن القوالب الإعلامية الجاهزة.
«Refugee Girls»: المرأة واللجوء والجامعة
في عام 2023 اتخذ اهتمام لومبروزو بالهجرة شكلاً آخر من خلال الوثائقي Refugee Girls.
يدخل الفيلم إلى حياة ثلاث طالبات جامعيات لاجئات: روبينا، بوجينا، وصوفيا، محاولاً استكشاف معنى أن يكون الإنسان لاجئاً، وما تحمله الذاكرة من آثار الماضي، وكيف تتقاطع الثقافات مع الفرص الجديدة التي يمكن أن توفرها أوروبا.
واللافت هنا أن الفيلم لا يضع اللاجئة في إطار الضحية فقط، وإنما يقترب من كونها طالبة، وشابة، وصاحبة مستقبل، وإنسانة تحمل ماضياً وتبحث عن مكان في الحاضر.
وقد جاء الفيلم ضمن تعاون أكاديمي ومؤسساتي شاركت فيه جامعة سابينزا في روما، واتحاد الجامعات المتوسطية UNIMED، وجامعة برشلونة، والرابطة الأوروبية للجامعات، وبشراكة مع المنظمة الدولية للهجرة، في إطار مشروع UNI(di)VERSITY المدعوم من Erasmus+.
إنها خطوة مهمة في مسار لومبروزو؛ إذ تنتقل عدسة الفيلم من الهجرة بوصفها حدثاً سياسياً واجتماعياً إلى الهجرة بوصفها تجربة يومية تعاش داخل الجامعة والمدينة والعلاقات الإنسانية.
بين الوثيقة والبورتريه الإنساني
يمكن قراءة تجربة لومبروزو من خلال مفهوم البورتريه الوثائقي.
فالشخصية عنده ليست مجرد عنصر داخل الحدث، بل هي الحدث نفسه.
الكاميرا تقترب من الوجه، من الصوت، من الصمت، من تفاصيل الحياة اليومية.
وهذا النوع من السينما يقترب في بعض جوانبه من التصوير الفوتوغرافي؛ فالمصور حين يلتقط بورتريهاً إنسانياً لا يصور الوجه فقط، وإنما يحاول أن يلتقط الأثر النفسي والاجتماعي والثقافي الذي يسكن خلف الوجه.
والسينما الوثائقية تفعل الشيء ذاته، ولكن عبر الزمن.
الصورة الفوتوغرافية تقول:
انظر إلى هذه اللحظة.
أما الوثائقي فيقول:
ابقَ مع هذه الشخصية، وشاهد كيف تتغير حياتها.
ومن هنا يمكن النظر إلى أعمال لومبروزو باعتبارها نوعاً من البورتريه المتحرك.
الصورة بين الحقيقة والتأويل
الفيلم الوثائقي يعيش دائماً في منطقة دقيقة بين الحقيقة والتأويل.
فالكاميرا تسجل الواقع، لكنها لا تسجل الواقع كله.
هناك ما تختاره العدسة، وما تستبعده.
هناك زاوية التصوير، وحركة الكاميرا، والمونتاج، والموسيقى، والصمت، وترتيب المشاهد.
وهذا يجعل الوثائقي فناً لا يكتفي بالتوثيق، بل يصنع معنى للوثيقة.
في أعمال لومبروزو، يبدو هذا واضحاً في الطريقة التي تتحول بها قضية الهجرة من موضوع إخباري واسع إلى حكاية فردية.
بدلاً من الحديث عن «اللاجئين» بوصفهم كتلة بشرية مجردة، نلتقي أُبيدة.
وبدلاً من الحديث عن «اللاجئات»، نلتقي روبينا وبوجينا وصوفيا.
وهكذا تنتقل الصورة من الجماعة إلى الفرد، ومن الإحصائية إلى الوجه، ومن الخبر إلى الحكاية.
السينما بوصفها جسراً ثقافياً
ثمة خيط مشترك يمكن تتبعه عبر أجزاء من تجربة لومبروزو:
كوريا الجنوبية.
جنوب شرق آسيا.
الصين.
سورية.
أوروبا.
هذه الأماكن ليست مجرد مواقع تصوير.
إنها خرائط ثقافية.
ومن خلالها يبدو المخرج مهتماً بالسؤال نفسه في صيغ مختلفة:
كيف يعيش الإنسان داخل ثقافته؟
كيف تتغير هويته عندما يعبر الحدود؟
كيف تصطدم الذاكرة بالمكان الجديد؟
وكيف تستطيع السينما أن تجعل ثقافة بعيدة مفهومة وقريبة من المشاهد؟
في مشروع Recording China، مثلاً، يتابع لومبروزو جيلاً من صناع السينما المستقلة في الصين، ويحاول الاقتراب منهم ومن ظروف عملهم ومن بحثهم عن طرق جديدة للكتابة والتصوير والتعبير. ويصف المشروع بأنه استمرار لمساره السابق في دراسة السينما الآسيوية المستقلة.
وهذا يكشف أن اهتمامه بالهجرة والهوية لم يظهر منفصلاً عن مساره السابق؛ بل يمكن النظر إليه كامتداد لرحلة أطول في اكتشاف الآخر من خلال السينما.
المخرج الذي يصغي قبل أن يصور
ربما تكمن إحدى أهم سمات الفيلم الوثائقي الإنساني في فعل الإصغاء.
فالكاميرا الجيدة لا تقتحم الإنسان دائماً؛ أحياناً تنتظر.
تترك الشخصية تتحدث.
تترك الصمت يأخذ وقته.
تترك العين تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله.
وفي تجربة لومبروزو تبدو المقابلة والحوار والشهادة الشخصية أدوات مركزية في بناء العالم الوثائقي، كما يظهر بوضوح في أعماله حول السينما الآسيوية، حيث اعتمد على لقاءات مع مخرجين وشخصيات سينمائية لفهم تجاربهم وثقافاتهم.
وهنا يقترب المخرج من دور الباحث والمصور والأنثروبولوجي في آن واحد.
فهو لا يسأل فقط:
ماذا حدث؟
بل يسأل أيضاً:
كيف عاش الإنسان ما حدث؟
من الفيلم الوثائقي إلى الذاكرة البصرية
إذا نظرنا إلى تجربة لومبروزو من منظور تاريخ الصورة، يمكن وضعها ضمن التحول الكبير الذي شهدته الصورة المعاصرة:
من الصورة التي توثق الحدث إلى الصورة التي تبحث عن الإنسان داخل الحدث.
وهذا التحول مهم جداً.
فالصحافة قد تقول إن هناك حرباً وهجرة ولجوءاً.
لكن الفيلم الوثائقي يستطيع أن يقول:
كان هناك شاب اسمه أُبيدة.
كان لديه حلم.
كان يحب الغناء.
كانت له عائلة.
اضطر إلى المغادرة.
وصل إلى مدينة جديدة.
وحاول أن يعيد بناء حياته.
هنا تصبح الصورة ذاكرة شخصية.
وحين تتراكم الذاكرة الشخصية تتحول إلى ذاكرة جماعية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة أعمال لومبروزو بوصفها مساهمة في أرشفة جزء من الذاكرة الإنسانية المعاصرة، لا من خلال الوثيقة السياسية المجردة، وإنما من خلال الوجه والصوت والتجربة الشخصية.
السينما والفوتوغرافيا: زمن الصورة المتحركة
بالنسبة إلى عالم التصوير الفوتوغرافي، تقدم تجربة لومبروزو مثالاً مهماً على العلاقة بين الصورة الثابتة والصورة المتحركة.
الفوتوغرافيا توقف الزمن.
السينما تمنحه الاستمرار.
لكن كليهما يبحث عن الشيء نفسه تقريباً:
اللحظة التي تكشف الإنسان.
في صورة واحدة يمكن أن نجد حياة كاملة.
وفي فيلم وثائقي يمكن أن نرى كيف تتشكل تلك الحياة أمام أعيننا.
لذلك فإن لغة لومبروزو تهم المصور الفوتوغرافي بقدر ما تهم السينمائي؛ لأنها تعلمنا أن قوة الصورة ليست دائماً في جمالها التقني، وإنما في قدرتها على بناء علاقة بين المشاهد والشخص المصوَّر.
بعيداً عن القالب النمطي
في فيلم When You Can’t Go Back يصرح لومبروزو بأن هدفه هو النظر إلى سورية والحرب والهجرة من منظور مختلف، بعيداً عن الصور النمطية المعتادة، مع الحفاظ على ارتباط الفيلم بالواقع.
وهذه الفكرة تفتح سؤالاً جمالياً وأخلاقياً مهماً في التصوير الوثائقي:
كيف نصور الألم من دون أن نحوله إلى فرجة؟
كيف نصور اللاجئ من دون أن نسلبه إنسانيته؟
كيف نروي الحرب دون أن تصبح المأساة مجرد خلفية درامية؟
وكيف نمنح الشخصية حقها في أن تكون أكثر من ضحية؟
إنها أسئلة لا تخص السينما وحدها؛ بل تخص أيضاً التصوير الصحفي والفوتوغرافي، خصوصاً في زمن أصبحت فيه الصور الإنسانية تنتشر بسرعة هائلة عبر وسائل الإعلام والشبكات الرقمية.
«المخرج – الشاهد»
يمكن وصف جزء من مشروع لومبروزو بأنه قائم على ثنائية:
المخرج – الشاهد.
هو ليس صحفياً بالمعنى التقليدي، ولا مؤرخاً، ولا مصوراً أرشيفياً فقط.
إنه فنان يحاول أن يصنع وثيقة.
والوثيقة هنا ليست محايدة بالمعنى المطلق؛ لأنها تمر عبر اختيارات فنية: اختيار الشخصية، واللقطة، والإيقاع، والمونتاج، والصوت.
لكن قيمتها الإنسانية تنبع من منح الشخصيات فرصة الظهور والتحدث، ومن محاولة مقاومة الاختزال.
وهذا ما يجعل السينما الوثائقية مساحة خصبة للتفكير في العلاقة بين الحقيقة والصورة.
أعمال تتنقل بين الثقافات
لا تقتصر أعمال لومبروزو على قضايا الهجرة.
فإلى جانب أفلامه حول سورية واللاجئين، تشمل مسيرته أعمالاً وثائقية وسينمائية تتصل بالسينما الآسيوية، والصين، والطعام والثقافة، ومشروعات تلفزيونية وأفلام قصيرة.
ومن أعماله أيضاً سلسلة Italian Chefs، التي قدمت في سياق Expo 2020 Dubai، قبل توزيعها لاحقاً عبر منصات وقنوات مختلفة، إضافة إلى فيلم Be Happy الذي دخل منافسة Sorriso Rai Cinema Channel عام 2022.
كما تتضمن فيلموغرافيته أعمالاً مثل Doris & Hong وMatteo Ricci – 朋友 un amico وغيرها. وتعرض بيانات FilmFreeway قائمة واسعة من أعماله كمخرج وكاتب ومنتج.
وهذا التنوع يكشف أن تجربته لا تقوم على موضوع واحد، بل على اهتمام أوسع بـ الإنسان داخل الثقافة.
الصورة كوسيلة للتقارب
في عالم تزداد فيه الحدود السياسية والجغرافية والنفسية، تستطيع الصورة أن تقوم بدور معاكس.
إنها تقرّب.
تعرّفنا على شخص لم نلتقِ به.
تجعل مدينة بعيدة مألوفة.
وتمنحنا فرصة لسماع صوت إنسان قد لا تصل حكايته إلينا عبر الأخبار.
وهنا تصبح السينما الوثائقية، كما تظهر في جانب من تجربة لومبروزو، لغة للعبور.
عبور الحدود.
عبور الصور النمطية.
عبور الخوف من الآخر.
والأهم: عبور المسافة بين المشاهد والشخص الذي يظهر أمامه على الشاشة.
خاتمة: حين يصبح الوجه أرشيفاً
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية الفيلم الوثائقي في أنه يخبرنا فقط بما حدث، بل في أنه يساعدنا على تذكر من عاش ما حدث.
وهذا هو أحد أجمل وجوه السينما الوثائقية.
إنها تحفظ أصواتاً ربما كانت ستضيع.
وجوهاً ربما كانت ستتحول إلى أرقام.
وأحلاماً ربما كانت ستختفي خلف عناوين الأخبار.
ومن خلال تجربته الممتدة بين الثقافات والسينما والهجرة والهوية، يقدم ليوناردو سينيري لومبروزو نموذجاً للمخرج الذي يستخدم الكاميرا لا لكي يملأ الشاشة بالصور، بل لكي يفتح مساحة للإنسان.
من كوريا الجنوبية إلى جنوب شرق آسيا، ومن الصين إلى سورية، ومن قصة أُبيدة إلى قصص الفتيات اللاجئات، تتكرر فكرة واحدة بصور متعددة:
وراء كل حدود إنسان، ووراء كل هجرة ذاكرة، ووراء كل صورة حكاية.
وربما لهذا السبب تظل السينما الوثائقية قادرة على مقاومة النسيان؛ لأنها لا تحفظ الحدث وحده، بل تحفظ أثر الإنسان في الحدث.
وهنا تحديداً تتحول الكاميرا من أداة تسجيل إلى جسر بين الذاكرة والحاضر، وبين الوطن والمنفى، وبين «نحن» و«الآخر».
وفي هذا الجسر، يصبح الوجه وثيقة، والصوت أرشيفاً، والحكاية صورةً لا تنتهي بانتهاء الفيلم.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

