المخرج والكاتب السينمائي: يحيى بركات Yahya Barakat ..كتب عن ( السؤال الذي خرج ولم يعد ينتظر..والباقي…يترك للقارئ..).

السؤال الذي خرج ولم يعد ينتظر
والباقي…يترك للقارئ،
لأنه فعلًا هو صاحب الإيقاع الأخير.

في الغالب لا يدخلون معًا.
يصل كلٌّ منهم في وقت مختلف،
لكنهم يجلسون في المكان نفسه،
بالطريقة نفسها،
وبالمسافة نفسها من الحقيقة.
تسمعهم يتكلمون،
فتشعر أنهم يعرفون.
ليست معرفة سطحية،
ولا انطباعات عابرة،
بل معرفة مَن عاش التجربة من الداخل،
وشاهد التحوّل خطوة خطوة،
من السياسة إلى الإدارة،
ومن الفكرة إلى الموقع.
كلامهم متقن.
لا فراغ فيه،
ولا جهل،
ولا تهوّر.
الجملة موزونة،
والتوصيف حذر،
والاستنتاج يتوقف قبل أن يتحوّل إلى اتهام.
يتحدثون عن الانهيار،
كأنه مشهد نهائي في فيلم طويل،
لكنهم لا يعودون إلى اللقطة الأولى،
ولا يسألون متى بدأ هذا المسار،
ولا من قرر أن تُدار السياسة
بدل أن تُعاش.
في العلن،
تبدو كلماتهم مسؤولة.
يشرحون،
يحللون،
يهدّئون.
يحذرون من الانفعال،
ومن القفز في المجهول،
ومن “اللغة الحادة”.
لكن في الجلسات الضيّقة،
حين تُغلق الأبواب،
وحين لا كاميرات ولا جمهور،
تتغيّر اللغة.
تصبح أكثر قسوة،
أكثر صدقًا،
أقرب إلى الجلد الذاتي.
هناك،
يسمّون الأشياء بأسمائها.
يعترفون بأن ما وصلنا إليه
لم يكن صدفة،
ولا مؤامرة مفاجئة،
بل نتيجة طبيعية لمسار طويل
جرت فيه مقايضة المعنى بالمكان،
والفكرة بالوظيفة.
يقولون هذا كله…
ثم يصمتون.
ليس لأنهم يخافون من الحقيقة،
بل لأنهم يعرفون ثمنها.
يعرفون أن الجملة الأخيرة
لا تُغضب فقط،
بل تُسقط،
وتُقصي،
وتُخرج من الدائرة.
ولهذا،
حين يعودون إلى الضوء،
يعلّقون الباب.
لا يغلقونه تمامًا،
ولا يفتحونه.
يتركونه مواربًا،
خشية ريح
قد لا تأتي،
لكن احتمالها يكفي.
يتشابهون أكثر مما يظنون.
كاتب المقال،
محلل البرنامج،
الأستاذ المحاضر،
مقدّم الندوة.
تختلف الأدوار،
لكن الإيقاع واحد.
الاقتراب محسوب،
والتراجع أنيق،
والنهاية دائمًا مفتوحة…
لكنها لا تفتح على السؤال،
بل على تأجيله.
هكذا تتسع الحالة.
لا بقرار،
ولا بتوجيه،
بل بالعدوى.
عدوى الحذر،
وعدوى “العقلانية”،
وعدوى الخوف من أن تتحوّل الجرأة
إلى عبء شخصي.
ومع الوقت،
لا يعود الصمت استثناء،
بل يصبح قاعدة.
ولا يعود الخوف عيبًا،
بل حكمة.
ولا يعود السؤال الجذري ضرورة،
بل مغامرة غير محسوبة.
في الخارج،
المشهد يتغيّر.

الفراغ الذي تركوه
لا يبقى فارغًا.
تمتلئ المساحة بترتيبات،
وبإدارات،
وبوصايات ناعمة
لا تحتاج إلى تبرير طويل.
وحين ينظرون إلى ما حدث،
يقولون بهدوء:
لم يكن هذا ما أردناه.
لكنهم يعرفون،
كما نعرف،
أن ما لم يُقَل في الوقت المناسب
لا يعود صالحًا للقول
بعد فوات المشهد.

وفي الخارج،
لم يعد السؤال حبيس الغرف.
لم يعد همسًا يُقال بين جدران سميكة،
ولا جملة تُبتلع قبل نهايتها.
السؤال خرج.
خرج من فم طالب مدرسة لم يعد يخاف الامتحان أكثر مما يخاف الصمت،
ومن قاعة جامعة لم تعد تكتفي بالشرح،
ومن يد عامل مصنع يرى يومه يُدار بلا معنى،
ومن عامل بناء يعرف أن السقف لا يحمي إن كان الأساس مكسورًا،
من حقل مزارع فقد أرضه ولم يفقد ذاكرته،
ومن بسطة بائع خضار يعدّ الخسارة كما يعدّ الصباح،
من مكتب مهندس يرى المخططات تنهار على الورق قبل الواقع،
ومن عيادة طبيب يعالج الجسد ولا يجد لغة لمرض السياسة،
من متجر تاجر ضاق أفقه مع السوق،
ومن حسابات رجل أعمال أدرك أن الاستقرار بلا كرامة وهم طويل.

السؤال خرج
لأن ما قبل الإبادة ليس كما بعدها،
ولأن الإبادة، وإن بدّلت أدواتها، لم تتوقف،
غيّرت صوتها،
خفّضت حدّتها الظاهرة،
وسارت ناعمة، باردة، إدارية،
لكنها ما زالت تمضي.
خرج السؤال
لأن الناس لم يعد لديهم ما يخسرونه من السكوت،
ولأن الخوف لم يعد امتيازًا للنخب،
ولا الصمت فضيلة.
اليوم،
السؤال لا يطلب إذنًا،
ولا ينتظر توقيتًا مناسبًا،
ولا يمرّ عبر المكاتب.
هو يمشي وحده،
وسيصل وحده.
ومن يتوقف عند العتبة،
ومن يعلّق الباب خوفًا من الريح،
سيكتشف متأخرًا
أن الريح لم تعد تسأل،
وأن السؤال
سيتجاوزهم
كما تجاوزهم الناس،
وكما سيتجاوزهم التاريخ،
وكما ستعيد الجغرافيا ترتيبهم
خارج الكادر.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
20/1/2026

أخر المقالات

منكم وإليكم