المبدع والألمد

بقلم د.علي خليفة

(1)

الألم شيء فظيع سواء أكان ماديًّا أم نفسيًّا، وأحيانًا يكون الألم النفسي أشد وطأة من الألم المادي. ولا يوجد أحد لم يجرب الألم، ولم يكتو بحرقته.والألم النفسي حين يكون بقدر معقول، وفي وضعه الطبيعي فإنه – بلا شك – يطهر النفس، ويجعلها تعود لصوابها، ولكن حين يزيد الألم النفسي على المرء فإنه بهذا يحترق في داخله، وقد ينتهي به الأمر للجنون أو للموت إن لم يتم إسعافه إسعافًا صحيحًا.وبعض الناس حسَّاسون إلى درجة عالية، ويحاسبون أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة منهم، بل إنهم يحاسبون أنفسهم على بعض الفضائل التي تصدر منهم، لأنها – في رأيهم – أقل مما يجب أن تكون عليه، وهؤلاء الأشخاص أنقياء الصدور، وأصحاب ضمائر حية، ولكنهم عرضة للأمراض النفسية، بسبب تلك الحساسية الشديدة عندهم، ولا بد أن يرشدوا وخزات التأنيب لضمائرهم، وأن يتجاهلوا كثيرًا من المواقف المزعجة والأشخاص الذين يسببون لهم الضيق دائمًا بأفعالهم.وأحيانًا يكون الألم رياضة للنفس تتقوى بها، وتصبح أكثر إيمانًا وثباتًا، وعند الصوفية الطريق للصفاء من خلال الاجتهاد في العبادة، وإرهاق الجسد بالعبادة والطاعة حتى تشف الروح فترقى وتسمو.ولا شك أيضًا أن الإنسان الطبيعي لا يكتسب الخبرات المهمة إلا من خلال الوخزات المؤلمة التي يتلقاها في حياته من تجارب الفشل التي يمر بها.وهناك أشخاص يستعذبون الألم، ولا يرتاحون إلا بذكر النكبات التي تمر عليهم، ويرون أنهم هم وحدهم الذين يترصدهم القدر – حسب رأيهم – بتلك النكبات.وهؤلاء الأشخاص كثيرون، وأكثرهم من العامة، وهم يواجهون فشلهم في حياتهم بذلك العويل المستمر منهم أمام بعض السقطات التي أصابتهم، وهي تصيب غيرهم، ولكن غيرهم لا يستسلمون للعجز والعويل والشكوى مثلهم، بل يزدادون قوة بعدها، ويعودون أشد صلابة وقدرة على الاحتمال.وهناك أشخاص أعطاهم الله منحًا كثيرة في حياتهم في أعمالهم وأسرهم وصحتهم، ولكنهم مع ذلك يشعرون بعدم الرضا، ويأكلهم الألم في كل حين؛ لأنهم لم يحققوا أهدافًا وأحلامًا كانوا يأملون في تحقيقها، والحقيقة أنهم مرضى، أو جاحدون للنعم التي وهبها الله لهم، وينظرون لما فقدوه أو ما لم يحققوه ويجعلوه هو كل مبتغاهم في الحياة، وما يمكن أن يسبب الهناء والراحة لهم.

(2)

والمبدع لكونه شديد الحساسية وسريع الانفعال فإنه يتألم كثيرًا، وربما يتألم لأشياء بسيطة لا يعبأ بها غير المبدعين إن حدثت لهم في حياتهم.وقد قال الشاعر الفرنسي دي موسيه: “لا شيء يجعلنا عظماء سوى ألم عظيم”. فالألم إذًا هو الصنبور الذي يخرج منه الإبداع، أو هو الدافع الأساسي للإبداع عند كثير من المبدعين، وكما قيل فإن صاحب الحياة السعيدة لا يكتبها؛ لأنه يعيشها. والمبدع الذي ذاق تجربة الألم هو الذي يستطيع أن يسجل هذه التجربة في إبداعه.ولم يكن لدانتي أن يؤلف الكوميديا الآلهية، إلا بعد أن تألم في تجربة عشقه، وكذلك لم يكن للجاحظ أن يصور لنا واقعه بدقة كبيرة، ويصبح أكبر كاتب في العصور القديمة عند العرب لولا أنه غاص في قاع مجتمعه وتألم في حياته كثيرًا.وكذلك لم يكن لتوفيق الحكيم أن يكتب رواية “عصفور من الشرق” مصورًا فيها تجربة شاب عاشق تألم من فتاة تجاهلت حبه بعد أن قربته منها فترة ـ لولا أنه هو نفسه قد قاسى هذه التجربة، كما حدثنا عن ذلك في كتابه “سجن العمر”.وكذلك لم يكن لابن زيدون أن يكتب قصيدته النونية الشهيرة لولا أنه تألم في حبه لولادة وأبعد عنها وعن وطنه قرطبة.والأمثلة كثيرة عن ذلك، ونكتفي بما ذكرناه منها هنا.

(3)

ونرى كثيرًا من المسرحيات التراجيدية منذ الإغريق تصور لنا تجربة الألم التي تقوم بإثارة عاطفتي الخوف والشفقة؛ الخوف عند المتلقي من أن تصيبه النهاية المأساوية التي أصابت البطل، والشفقة على البطل لتلك النهاية المأساوية التي انتهى إليها، ومن خلال إثارة هاتين العاطفتين ما يصاحبهما من ألم، فإن المتلقي يحصل على التطهير، كما قال أرسطو في كتابه “فن الشعر”.وهو تطهير للنفس من كثير من الرزايا التي عملتها أو تفكر في عملها، ومن هنا يصبح المسرح التراجيدي فيه علاج نفسي لنفوس المتلقين بإثارة تجربة مؤلمة لنفوسهم يشاهدونها وينفعلون بها، ويكون لها صدى كبير وتأثير مهم على نفوسهم.ونرى المسرح الإغريقي يبالغ في تصوير تجربة الألم، من أجل إثارة النفوس، وتطهيرها، كما نرى في مسرحية “أوديب ملكًا” ومسرحية “أنتيجون” ومسرحية “فيلوكتيتس” لسوفوكليس، ومسرحية “بروميثوس مقيدًا” لأيسخيلوس.وبعض كتاب المسرح الحديث بالغوا في تصوير جو الكآبة في مسرحياتهم، حتى ليصاب المشاهد لها بالكآبة وهو يشاهدها، كما نرى في بعض مسرحيات تشيكون مثل مسرحية “إيفانوف” ومسرحية “الخال فانيا”، وبعض مسرحيات أوجست إسترنديرج، كما نرى في مسرحية “جرائم وجرائم”، ومسرحية “عيد القيامة” ومسرحية “سوناتا الشبح” وغيرها من المسرحيات.وغالبًا ما يعاني الأبطال في هذه المسرحيات لحساسية نفوسهم، ولرهافة مشاعرهم، وكثيرًا ما ينتهون بالتخلص من حياتهم بالانتحار، كما نرى إيفانوف في مسرحية “إيفانوف” لتشيكوف، وحال الأب في مسرحية “مواجهة الموت” لإسترندبرج.وأحيانًا يستسلمون لقدرهم في أنهم عليهم أن يستمروا في الحياة يعانون حتى تأتي النهاية بالموت، كما نرى فانيا وكثير من الشخصيات الأخرى في مسرحية “الخال فانيا” لتشكوف، وأحيانًا تنتهي تجربة الألم عند بعض أبطال هذه المسرحيات بالتطهير، فقد نالوا من العذاب ما يستحقون وفوق ما يستحقون، وتطهروا، وآن لهم أن يستريحوا، كما نرى حال البطل في مسرحية “جرائم وجرائم” لإسترندبرج وحال كثير من الشخصيات في مسرحية “عيد القيامة” لاسترندبرج أيضًا.

(4)

وهناك مسرحيات عربية وعالمية صورت لنا تجربة الألم عند المبدعين ورد فعلهم إزاءها، ورأينا أن تجربة الألم هذه عندهم بقدر ما أرهفتهم وأتعبتهم فإنها قد هيأتهم لصياغة أعمال إبداعية ما كان لهم أن يقوموا بها لولا هذه الآلام التي عاشوها.ومن ذلك نرى أن مختارًا بطل مسرحية “الخروج من الجنة” لتوفيق الحكيم ما كان له أن يترك حياته اللاهية العابثة، ويخرج إبداعه الكبير المؤثر في الشعر والمسرح إلا بعد أن هجرته عنان حببيته، وذاق مرارة الحرمان والبعد عنها، وكانت عنان حبيبته وزوجته قد أدركت أنه شاعر وكاتب يمتلك في داخله موهبة كبيرة، ولكن تنقصه تجربة الألم التي تصقله وتدفعه للإبداع، فأوهمته أنها تكرهه، وطلبت الطلاق إليه مع حبها إياه، وتألم كما توقعت، وأبدع كما تمنت، وتألمت هي لبعده أيضًا، وجاءته في نهاية المسرحية في بيته، وكانت قد تزوجت غيره، وأنجبت منه، وحكت له قصة التضحية التي قامت بها؛ لتشعل في داخله بركان إبداعه.وأيضًا نرى الشاب الشاعر في مسرحية “كانديدا” لبرنارد شو، لا يفوز برضى كانديدا عنه، حين دخل في مناقسة مع زوجها، أيهما تقبله وتختاره منهما، فاختارت الأضعف منهما، وكان هو الزوج؛ لأنه لا يستطيع أن يعيش بدونها، أما هذا الشاب الذي يبدو أنها أحبته كما أحبها هو، فتركته؛ لأنه هو الأقوى، وعليه أن يتعذب بفقدها؛ ليبدع أروع أشعاره.وهكذا نرى أن المبدع تعد تجربة الألم له شيئًا إيجابيًّا – في الغالب – وهو يحتاج إليه ليستحثه على الكتابة والإبداع فيها، فهي المحرك للإبداع، وهي أيضًا المصقل لتجربة الإبداع عنده.

أخر المقالات

منكم وإليكم