ليرة ذهبية واحدة… تصنع المستقبل
في عام 1951، وفي قرية بيت ياشوط، كان شابٌ مجتهدٌ وذكيّ يستعد للذهاب إلى مدينة طرطوس، البعيدة في أقصى جنوب محافظة اللاذقية، ليتقدّم إلى امتحان البكالوريا.
كان يحمل في قلبه حلمًا كبيرًا، لكن جيبه كان خاليًا.
فوالدته، جدتي، لم تكن قادرة على تأمين نفقات السفر ومصاريف الأيام التي سيقضيها في طرطوس.
ضاقت الدنيا بالشاب، وأصبح الحلم الذي طالما سكن قلبه مهددًا بالضياع.
اتجه إلى صخرة كبيرة في وسط غابة القرية، في ذلك المكان الذي يعرفه أهلنا باسم الحرش. جلس وحيدًا، وترك لدموعه العنان. بكى حظه العاثر، وبكى حلمًا ظنّ أنه سيسقط قبل أن يبدأ.
جفّت الدموع، لكن الألم بقي في القلب.
وقبل أن يحلّ الظلام، عاد إلى البيت الطيني بخطوات مثقلة بالحزن. وفي الطريق، ألقى السلام على العم أحمد علي السلمان بعيتي، أبو سليمان.
قال له العم أحمد:
«وعليك السلام يا عم حسن… لماذا كل هذه الدموع يا بني؟ خير، شو حالك؟»
أجابه الشاب بصوت مكسور:
«لا علم ولا بكالوريا بعد اليوم يا عمي أبو سليمان… والدتي لم تستطع تأمين تكاليف السفر ومصاريف أيام الامتحان.»
نظر إليه العم أحمد، وكأنه لم يرَ شابًا حزينًا، بل رأى مستقبلًا كاملًا يقف على حافة الضياع.
ثم قال ببساطة:
«هل تكفيك ليرة ذهبية يا بني؟»
كانت تلك الليرة الذهبية أكثر من مال.
كانت يدًا امتدت في اللحظة المناسبة.
وكانت ثقةً بحلم شاب.
وكانت بابًا فُتح حين أُغلقت كل الأبواب.
عاد العم حسن إلى والدته بالبشرى، وسافر إلى طرطوس، وتقدّم للامتحان، وكانت البكالوريا بداية الطريق لا نهايته.
ثم جاءت الجامعة، ثم الدكتوراه، ثم العلم والمجد…
أما تلك الليرة الذهبية، فقد بقيت في ذاكرة العائلة أغلى من الذهب نفسه؛ لأنها لم تشترِ سفرًا وأيامًا من المصاريف فحسب، بل اشترت فرصةً لمستقبل إنسان.
رحم الله العم أحمد علي بعيتي (أبو سليمان)، ورحم الله جدتي حسنا، ورحم الله العم الدكتور حسن سليمان عجمية.
ويبقى من الحكاية درسٌ لا يصدأ:
قد يظن الإنسان أنه يعطي ليرةً واحدة، بينما هو في الحقيقة يصنع بها مستقبلًا كاملًا.
من تراث بيت ياشوط
نبيل عجمية


