الليدي النبيلة الإنجليزية:جين إليزابيث ديغبي (أم اللبن).. التي استبدلت قصور أوروبا بخيمة في بادية الشام.لتتزوج من الفارس الشيخ: مجول بن نهابة المصرب العنزي.

«أم اللبن»
النبيلة الإنجليزية التي استبدلت قصور أوروبا بخيمة في بادية الشام

▪️ عُرفت الليدي جين إليزابيث ديغبي في ذاكرة البادية السورية بلقب «أم اللبن»، وهو الاسم الذي أطلقه عليها أبناء قبيلة السبعة من عنزة إعجاباً ببياض بشرتها واندماجها الكامل في حياتهم، لتصبح صاحبة واحدة من أكثر القصص الإنسانية إثارةً في تاريخ بلاد الشام خلال القرن التاسع عشر.
▪️ وُلدت جين ديغبي في لندن عام 1807 لأسرة أرستقراطية بريطانية مرموقة، وعاشت سنواتها الأولى بين القصور الأوروبية، واشتهرت بجمالها وثقافتها الواسعة وإجادتها عدة لغات، قبل أن يقودها شغفها بالشرق وآثاره إلى سوريا، في رحلة لم تكن تعلم أنها ستغيّر حياتها إلى الأبد.
▪️ في مطلع خمسينيات القرن التاسع عشر قصدت تدمر عبر بادية الشام، وكانت عشيرة المصرب من قبيلة السبعة من عنزة تتولى تأمين القوافل على الطريق الصحراوي بين دمشق وحمص وتدمر، فكان دليل رحلتها الشيخ مجول بن نهابة المصرب العنزي، أحد أشهر فرسان البادية وأكثرهم احتراماً.
▪️ لم يكن مجول مجرد شيخ قبيلة، بل عُرف بثقافته الواسعة وإتقانه العربية والفرنسية والتركية، وإلمامه بتاريخ سوريا وآثارها، حتى أصبح مرشداً للرحالة وعلماء الآثار الأوروبيين. ووصفه معاصروه بأنه فارع القامة، وسيم الطلعة، حاضر البديهة، كريم الخلق، يجمع بين الفروسية والبلاغة وحسن الضيافة.
▪️ وخلال الرحلة إلى تدمر، تعرضت القافلة لهجوم من غزاة البادية، فتولى مجول قيادة فرسانه للدفاع عنها ببسالة، بينما أذهلت شجاعته النبيلة الإنجليزية. وتجمع معظم الروايات على أن تلك اللحظات كانت بداية قصة حب استثنائية، وإن اختلفت المصادر في بعض تفاصيلها الدقيقة.
▪️ بعد أن أنهت جين ارتباطاتها السابقة، عادت إلى سوريا وتزوجت الشيخ مجول عام 1855، في زواج أثار اهتمام الصحافة الأوروبية، إذ فضّلت نبيلة بريطانية حياة الصحراء على حياة القصور، واختارت أن تبدأ فصلاً جديداً بين القبائل العربية.
▪️ لم تكن «أم اللبن» ضيفةً على البادية، بل أصبحت واحدةً من أهلها؛ ارتدت اللباس العربي، وتعلمت اللغة العربية، وشاركت النساء أعمالهن اليومية من حلب النوق وخض اللبن وجمع الحطب، كما امتطت الخيل ورافقت القبيلة في الترحال والصيد، حتى غلب لقبها العربي على اسمها الإنجليزي.
▪️ امتلكت قطيعاً كبيراً من الإبل يحمل وسماً خاصاً بها، واهتمت بتربية الخيل العربية، وتؤكد الوثائق البريطانية أنها راجعت السلطات العثمانية بعد تعرض جزء من إبلها للنهب، في دليل على اندماجها الكامل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لقبائل البادية.
▪️ عاش الزوجان سنوات في حمص داخل بستان عُرف لاحقاً باسم «قصر مجول»، ثم انتقلا إلى دمشق، حيث أنشأت جين منزلاً وبستاناً أصبحا ملتقى للعلماء والرحالة والدبلوماسيين وشيوخ القبائل، وربطتها علاقات مميزة بالأمير عبد القادر الجزائري ومفتي دمشق الشيخ محمود الحمزاوي، واشتهرت بذكائها وثقافتها وإجادتها لعبة الشطرنج.
▪️ كتبت جين في مذكراتها أن مجول أحبها لذاتها لا لجمالها ولا لثروتها ولا لنسبها، معتبرةً أن هذا الحب الصادق منحها لأول مرة شعوراً بالأمان والكرامة، وجعلها تطوي حياة التقلبات التي عرفتها في أوروبا لتبدأ حياةً جديدة يسودها الاستقرار والإخلاص.
▪️ وعندما اجتاح وباء الكوليرا دمشق عام 1881، رفض مجول مغادرة المدينة، فأبت «أم اللبن» أن تتركه، فأصيبت بالوباء وتوفيت في 11 آب/أغسطس 1881، ودُفنت في المقبرة البروتستانتية بدمشق، بينما خلدت الروايات مشهد وداع الشيخ مجول لزوجته بحزن بالغ، في واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ دمشق الاجتماعي.
▪️ بقيت «أم اللبن» رمزاً نادراً لامرأة أوروبية اندمجت في المجتمع البدوي السوري بكل تفاصيله، وتحولت قصتها مع الشيخ مجول المصرب إلى إحدى أشهر قصص الحب في المشرق، وألهمت المؤرخين والروائيين وصنّاع الدراما، لتبقى شاهداً على أن المحبة الصادقة قادرة على تجاوز اللغة والثقافة والحدود.
……………………………….
المصادر:

  • خالد عواد الأحمد: قصة مجول المصرب.. أشهر أمراء بادية حمص في القرن التاسع عشر.
  • ألفت الإدلبي، دمشق يا بسمة الحزن.
  • ويكيبيديا العربية والإنجليزية: Jane Digby ومجول المصرب العنزي.
    تحرير حسان سعد
    انفوغرافيك #سوريات_Souriat
    https://backend.souriat.com/share/article/1249

أخر المقالات

منكم وإليكم