القسم ١-٢-٣ من عشرة دروس ،لعبّاس كيارستمي.

بعد عشرة أعوام على رحيل المخرج الإيراني لعبّاس كيارستمي نزال نعود إلى أفكاره ورؤيته مثلما نعود إلى أفلامه. فما تركه لم يكن مجموعة أفلام تتجدّد أبعادها مع كلّ مشاهدة فحسب، فقد ورثنا منه رؤية شاملة إلى الحياة بكلّ تعقيداتها، تقوم على الفضول، وعلى مراقبة الوجود، وعلى اعتبار الخطأ فرصة، والشعر لحظة صفاء نادرة، والمُشاهد شريكًا لا مجرد متلقٍّ. في عشرية غيابه المبكر عن 76 عامًا، نستعيد من ماستر كلاس له غير منشور قدّمه في مهرجان مراكش قبل أشهر من رحيله، أبرز الدروس التي لخّص فيها صاحب «طعم الكرز» فلسفته أمام الكاميرا وخلفها، وهي دروس معنيّ بها كلّ مَن يؤمن بأن الفنّ يبدأ من النظر إلى العالم بعين توّاقة إلى الفهم والمعرفة.

1 – في الأصل… الفضول

«لم يكن في نيتي أن أصبح سينمائيًا. طمحتُ إلى الرسم. لذلك، فإن تحوّلي إلى إنجاز الأفلام جاء بالمصادفة، وإن أعتقد أن الحياة، في النهاية، قد لا تعرف المصادفات. حين أحاول أن أفهم لماذا أصبحتُ مخرجًا، لا أجد مرجعًا أعود إليه سوى عائلتي. فقد نشأتُ مع إخوتي في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية نفسها، ومع ذلك انتهت بنا الحياة إلى طرق مختلفة تمامًا. والتفسير الوحيد الذي أستطيع أن أقدّمه هو الفضول؛ ذلك الفضول الذي لم يكن يعرف نهاية، والذي ميّزني عنهم. وأعتقد أن الفضول هو إحدى الصفات الجوهرية التي ينبغي أن يتحلّى بها السينمائي. فمن دونه، يصعب على الإنسان أن يراقب، وأن يطرح الأسئلة. أن يصنع فنًّا. عندما كنت في الثانية عشرة أو ربما الرابعة عشرة، كانت السينما لا تزال ظاهرة حديثة نسبيًا في إيران. وجدتني متعطّشًا لمشاهدة أكبر عدد ممكن من الأفلام، ولذلك رحتُ أقصد الصالات باستمرار. لم أكن وحدي في ذلك، بل كان لديّ أصدقاء يشاركونني الحماسة نفسها. ومع ذلك، لم يصبح أيٌّ منهم سينمائيًا. أحدهم صار ضابط شرطة، وآخر رجل أعمال، وثالث طبيبًا، أما أنا، فها أنا ذا أنجز الأفلام».

عبّاس كيارستمي
عباس كيارستمي

2 – الحياة سلسلة مصادفات

 «إذا حاولتُ أن أفسّر لماذا أصبحتُ أنا سينمائيًا بينما لم يصبح أصدقائي سينمائيين، فسأجد صعوبة في تقديم جواب واضح. يميل الإنسان إلى أن يعزو الأشياء إلى المصادفة. غير أن المصادفات في حالتي تعاقبت بطريقة جعلتها تبدو كأنها حلقات في سلسلة واحدة. وهل كانت مصادفات فعلًا، أم أن مسارها كان مقدّرًا له أن يحدث؟ لا أملك جوابًا.

بدأتُ حياتي المهنية مصمّمًا غرافيكيًا. من خلال هذا العمل دخلتُ مجال تصميم الملصقات السينمائية وشارات الأفلام. ثم انتقلتُ إلى إخراج الإعلانات التجارية، قبل أن أجد نفسي، أنجز أفلامًا للأطفال. كان كلّ حدث يقود بصورة طبيعية إلى الحدث الذي يليه، وهكذا وصلتُ إلى ما أنا عليه اليوم. كان هناك معهد يُعنى بالتنمية الفكرية للأطفال والناشئة. وكانت أولى تجاربي معه بصفتي رسّامًا توضيحيًا. أحيانًا، أمازح نفسي قائلًا إنني كنت رسّامًا متواضع المستوى إلى درجة أنهم لم يشاؤوا أن يجرحوا مشاعري. وربما قالوا في أنفسهم: لوحاته ليست بالمستوى المطلوب، لعلّه يستطيع أن يقدّم لنا شيئًا آخر. وفي حلول ذلك الوقت، كنت قد اكتسبتُ، من خلال عملي في الإعلانات، شيئًا من الخبرة في استخدام الكاميرا. ولهذا طُلب إليّ المساهمة في تأسيس قسم للسينما داخل ذلك المعهد. هكذا، بدأت علاقتي الفعلية بالأفلام كصناعة».

The Bread and Alley (1970)
The Bread and Alley (1970)

3 – السينما تُكتَشَف ولا تُدرَس

«كان أول فيلم أنجزته يستند إلى سيناريو مكتوب يحكي قصّة طفل يخرج ليشتري الخبز، ثم يحاول العودة إلى منزله. لكن عليه، لكي يصل إلى البيت، أن يعبر شارعًا يقف فيه كلب يخشاه بشدّة. عندما قررتُ إنجاز هذا الفيلم، احتجتُ إلى طفل يؤدّي الدور. في ذلك الوقت، لم يكن في إيران ممثّلون أطفال، لأن الأطفال لم يكونوا قد أصبحوا بعد جزءًا مهمًا من السينما الإيرانية. فاضطررتُ إلى العمل مع طفل غير محترف. ثم احتجتُ إلى كلب، ولم يكن هناك كلب محترف أيضًا. حتى أنا نفسي، لم أكن مخرجًا محترفًا بعد. وهكذا وجدنا أنفسنا ثلاثةً: مخرجًا قليل الخبرة، وطفلًا لم يتلقَّ أي تدريب على التمثيل، وكلبًا لا يعرف الانضباط. وجب علينا اجتياز هذه التجربة معًا، وسط الكثير من المحاولات والمشقّة. من قلب تلك المعاناة، وُلد شيء ما في النهاية. وأذكر أن أحد النقّاد، الذي لم يُعجَب بالفيلم كثيرًا، قال إنه بدا وكأنه يعيد اكتشاف السينما. لم يكن يقصد ذلك على سبيل المديح، وأنا أتفق معه. فقد كان بالفعل إعادة اكتشاف، بل اكتشافًا خالصًا، لأنني لم أكن أمتلك أي معرفة أكاديمية أو منهجية. خلاصة القول، أمضيتُ أكثر من عشرين عامًا أعمل مع الأطفال، وأنجز أفلامًا عنهم. وكانت تلك الرحلة، برفقة هذه الكائنات الرائعة، العنيدة، التي يستحيل إخضاعها بالكامل، هي التي صاغت، في النهاية، أسلوبي الخاص». 

#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم