الفنان والناقد التشكيلي عاصم الربيعي وقراءة لأعمال الفنية للفنان رفعت طاهر .

الوجه الآخر: حين تتحول ملامح الوجوه إلى مسرح انفعالي ونفسي غامض قراءة نقدية في الأعمال الفنية للفنان رفعت طاهربقلم الفنان والناقد التشكيلي عاصم الربيعي تنتمي أعمال الفنان التشكيلي العراقي رفعت طاهر بشكل واضح إلى المدرسة التعبيرية الحديثة، حيث لا ينتهي الوجه البشري عنده عند حدود عينين وأنف وفم، بل يتعداها ليلامس الملامح الحقيقية المخبأة تحت جلد الذاكرة.يطرح الفنان فكرته عبر التلاعب بالغموض, فالوجه عنده لا يتجسد بالتفاصيل الكلاسيكية الواضحة، بل ينبثق ككتلة نسيجية داكنة تُشعر المشاهد بالأسى والاغتراب والتأمل العميق. يتعمد هذا الغموض وضع المتلقي في حالة تساؤل مستمر هل هذه الملامح انطباعٌ عن الخوف والأسى ,التعب، أم أنها تساؤلاتٌ فلسفية تكمن في ذاكرة الفنان وانفعالاته الشخصية، وتتحول إلى أعمال فنية لتفريغ المشاعر المكبوتة لدى البشر.ويقدم طاهر فلسفته البصرية المكثّفة في مقولته ، التي يوضح فيها أنه ليس كل وجهٍ يُرى بالعين، فبعض الوجوه تُكتشف بين طبقات اللون، وخطوط الارتباك، وآثار الذاكرة إذ إنه لا يرسم الوجه بملامحه، بل يرسم ما أخفته التجارب من انكسارات وصمود. فالحياة مليئة بالمآسي التي تجعل للوجه وجهين، ولربما وجوهاً عدة، وهذا ما عبّر عنه الفنان في مختلف لوحاته. فحين تتسع اللوحة لتضم عشرات الرؤوس المكررة في مصفوفات شبكية، يتحول الوجه الآخر من تجربة فردية إلى ظاهرة جمعية عامة، وكأن الفنان يطرح تساؤلاً وجودياً حول فقدان الخصوصية وتنميط الإنسان في عالم الأرقام، مع الاحتفاظ ببصمة مكانية مثل كتابته لكلمة “بغداد”، دلالةً على تأثره بهذه المدينة العريقة وحبه العميق لها لتكون مفردةً حاضرة في أعماله تنطوي تحت تأثير الخوف من الخراب والانهيار، وهنا يدخل الفنان في معترك الشأن العام وتساؤلات الجمهور. ورغم أن كل وجهٍ داخل المجموعة يحمل بصمته اللونية وانكساره الخاص، إلا أن هذا التكرار يعود ليطرح تساؤلاً ملحاً حول ضياع الفردية في العصر الحديث في اللوحات التي تظهر فيها الأنسجة والألوان الزاهية، نلاحظ كيف يُجمّع ملامح الوجه من قماش وقصاصات ملونة، مما يعكس رؤية فنية ترى أن الهوية البشرية والانفعالات ليست كتلة واحدة، بل هي مزيج من تجارب، ذكريات، وشظايا متناثرة على سطح اللوحة.أما الأرقام والنصوص التي تظهر في بعض لوحاته مثل الأرقام (4567890) فلم يضعها الفنان بعشوائية بل ليلعب لعبة الغموض ويجعل المشاهد يتساءل هل هي رمزٌ لشيء ما، أم تاريخٌ لحادثة معينة في حياته. إن أعماله عبارة عن مسرحية يملؤها الغموض، تتجاور فيها الأرقام مع خطوط عربية وكتابات مبهمة. استخدام الأرقام يحيل إلى تنميط الإنسان المعاصر وتحويله إلى مجرد رقم، بينما تمنح الحروفيات والخطوط بعداً ثقافياً ونفسياً يربط بين الذات، والذاكرة، والمكان، وربما الأحلام.تنعكس هذه الشحنات الانفعالية المتضاربة من خلال البقع اللونية القوية، والتضاد الصريح بين المساحات الحمراء المشتعلة، والأزرق البارد، والأخضر والأحمر الداكن بقطراته المنسكبة يجسد حالة الصراع والقلق، بينما يُبرز التباينُ مع الخلفيات البرتقالية الظلَّ البشريَّ وكأنه بصمةٌ أو أثر.يتعمد الفنان تعتيم الملامح أو شطبها بضربات فرشاة تعبيرية حادة وقاسية، ملغيًا بذلك المباشرة , فهو لا يرسم شخصًا بعينه، بل يعبر عن حالة وجودية عامة تُجسد القلق والارتباك والاغتراب الذي يعيشه الإنسان المعاصر.يقوم المنهج الفني الذي تميز به الفنان رفعت طاهر على الصراع الحاد بين عتمة الخراب وشعلة الأمل، وعلى ثنائية الانكسار والصمود, وهو ما ينعكس بجلاء في اختياراته اللونية وتفكيكه لمفهوم الهوية. فالبورتريه عنده لا يتشكل من ضربة فرشاة واحدة، بل من تراكم قصاصات الورق والقماش والحروفيات والأرقام.وبذلك ينتمي رفعت طاهر بثبات إلى المدرسة التعبيرية الحديثة حيث يغدو اللون، والملمس الخشن، والخط الحار، هي اللغة النفسية الوحيدة القادرة على ترجمة ما لا تراه العين المجردة من انكساراتٍ ونبضٍ إنساني.بقلم الفنان والناقد التشكيلي عاصم الربيعيي

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو اارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم