

الفنان المصري المبدع…
لؤي نعمان زيدان…
حين تتحول التفاصيل العابرة إلى ذاكرة بصرية…
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: أن ترى ما يمرّ أمام الجميع
في عالمٍ تتسارع فيه الصور كما تتسارع فيه الأحداث، وتتحول اللحظة إلى مادة عابرة على شاشات لا تتوقف عن التدفق، يبدو التصوير الوثائقي أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى عينٍ تعرف كيف تتأنّى.
فليست كل صورة بحاجة إلى حدث استثنائي كي تصبح جديرة بأن تُرى، وليست كل الحكايات تولد في الأماكن الصاخبة أو أمام المشاهد الكبرى. أحيانًا تختبئ الحكاية في وجه عاملٍ غارق في التركيز، أو في شارعٍ يمر عليه الضوء بهدوء، أو في حركة يدٍ عابرة، أو في تفصيل صغير لا يلتفت إليه معظم المارة.
من هذه المساحة الإنسانية الهادئة تأتي تجربة المصور الفوتوغرافي المصري لؤي نعمان زيدان، الذي اختار أن يجعل من الحياة اليومية ميدانًا بصريًا لاكتشاف الإنسان والمكان واللحظة.
عدسته لا تبدو منشغلة فقط بتسجيل ما يحدث، بل بمحاولة الإمساك بما يكمن خلف ما يحدث؛ بالمعنى الذي تمنحه التفاصيل الصغيرة للحياة، وبالقصص التي يمكن لصورة واحدة أن تفتح أبوابها أمام المتلقي.
وهنا تحديدًا تبدأ حكاية لؤي زيدان مع الصورة.
المصور الذي يصغي إلى الحياة
التصوير الوثائقي، في جوهره، ليس مجرد عملية تقنية لالتقاط صورة، بل هو موقف من العالم.
فالمصور الوثائقي يقف أمام الواقع محاولًا أن يراه من الداخل، وأن يمنح الأشياء العادية فرصة أخرى للظهور. وفي هذه المسافة بين العين والمشهد تتشكل شخصية المصور.
لدى لؤي نعمان زيدان يبدو الانحياز واضحًا إلى الإنسان وتفاصيل الحياة اليومية. فالصورة عنده ليست بالضرورة استعراضًا بصريًا أو بحثًا عن المشهد المدهش، وإنما يمكن أن تكون لحظة إنسانية بسيطة تحمل في داخلها قدرًا كبيرًا من الصدق.
إنه ذلك النوع من التصوير الذي يجعل المتلقي يتوقف قليلًا أمام صورة ربما كانت لحظة عابرة في حياة صاحبها، لكنها تتحول داخل الإطار إلى وثيقة عن زمن ومكان وإنسان.
وهنا تكمن قوة الصورة الوثائقية: أن تمنح العابر فرصة للبقاء.
الحياة اليومية… المسرح الحقيقي للصورة
قد يبدو الشارع، بالنسبة إلى العين السريعة، مجرد مساحة للحركة والعبور.
لكن المصور يرى شيئًا آخر.
يرى الضوء عندما يلامس الجدار، والظل عندما يعبر وجهًا، واليد التي تحمل أداة العمل، والعامل الذي يعيش تفاصيل مهنته، والمرأة التي تعبر الطريق، والطفل الذي يكتشف العالم، والبائع الذي ينتظر زبونًا، والمدينة التي تتغير ملامحها ساعة بعد أخرى.
في هذه التفاصيل تتشكل الحياة.
ومن هنا تأتي أهمية تجربة زيدان؛ فهو لا يبحث دائمًا عن الصورة التي تصرخ، بل عن الصورة التي تتحدث بهدوء.
الصورة التي تحتاج من المتلقي إلى لحظة تأمل.
الصورة التي لا تنتهي قصتها عند حدود الإطار.
وهذا هو جوهر التصوير الوثائقي الحقيقي: ألا يكتفي المصور بأن يقول للناس «انظروا»، بل أن يدفعهم إلى أن يسألوا: ماذا نرى فعلًا؟ وماذا تخفي هذه اللحظة وراءها؟
بين العين والكاميرا… يولد المعنى
الكاميرا لا ترى وحدها.
هذه حقيقة تبدو بسيطة، لكنها تختصر جانبًا مهمًا من فلسفة التصوير.
فالكاميرا جهاز بصري وتقني، بينما المصور هو الذي يمنحها موقفها واتجاهها وذاكرتها. العدسة تستطيع تسجيل الضوء، لكن المصور هو الذي يقرر أين يقف، ومتى يضغط على زر الغالق، وما الذي يدخل الإطار وما الذي يبقى خارجه.
لذلك فإن الصورة الوثائقية الناجحة لا تعتمد على التقنية وحدها.
إنها تحتاج إلى الملاحظة، والصبر، والحضور، والحس الإنساني، والقدرة على قراءة اللحظة.
وفي تجربة لؤي زيدان تبدو هذه العلاقة بين المصور والمشهد أساسية؛ فالصورة لا تأتي فقط من الاقتراب الجسدي من الموضوع، وإنما من الاقتراب الإنساني منه أيضًا.
فكلما اقترب المصور من الإنسان، أصبحت الصورة أكثر قدرة على لمس الإنسان الآخر الذي ينظر إليها.
الصورة… وثيقة لا تتكلم
هناك صور كثيرة جميلة.
لكن ليست كل صورة جميلة وثيقة.
الصورة الوثائقية تحمل طبقات إضافية من المعنى. إنها تحفظ هيئة مكان، وملامح إنسان، وطبيعة عمل، وشكل شارع، ونمط حياة، وعلاقة اجتماعية، وحتى نوعًا من الضوء ربما لن يعود بالطريقة نفسها مرة أخرى.
ومن هنا تصبح الصورة جزءًا من الذاكرة.
وعندما يصور لؤي زيدان تفاصيل الحياة اليومية، فإنه لا يصنع لحظة جمالية فقط؛ بل يساهم، بوعي أو بغير وعي، في بناء أرشيف بصري للحياة المصرية والعربية المعاصرة.
فالمدينة تتغير.
المهن تتغير.
الوجوه تتغير.
الشوارع تتغير.
حتى الضوء الذي نعرفه اليوم قد يصبح بعد سنوات جزءًا من ذاكرة زمنية لا يمكن استعادتها إلا من خلال الصور.
وهنا تتحول الكاميرا من أداة تسجيل إلى آلة للذاكرة.
الجوائز… اعتراف بمسار الصورة
حصل المصور لؤي نعمان زيدان على عدد من الجوائز والتقديرات في مسابقات محلية وعربية ودولية، بما يعكس حضور تجربته في المشهد الفوتوغرافي.
ومن أبرز مشاركاته ونتائجه:
🏆 المركز الثالث – مسابقة نقابة الصحفيين، شعبة المصورين، فرع الحياة اليومية – 2019.
🏆 المركز الثالث – MedFest الدولية للتصوير.
🏆 جائزة الاتحاد العربي للثقافة في التصوير الفوتوغرافي – 2022.
إلى جانب ذلك، شارك في عدد من المعارض والمسابقات الفوتوغرافية.
والجوائز، مهما كان وزنها، لا ينبغي أن تكون نهاية الطريق بالنسبة إلى المصور، وإنما يمكن أن تكون محطة تكشف أن الصورة وجدت طريقها إلى جمهور ولجان تحكيم ودوائر فنية مختلفة.
أما القيمة الأعمق فتظل في قدرة المصور على الاستمرار في إنتاج صور تحمل صوته الخاص.
لؤي زيدان… مصور حر
اختار لؤي نعمان زيدان أن يعمل مصورًا حرًا، وهي مساحة تمنح المصور قدرًا واسعًا من الاستقلال في اختيار موضوعاته ومشاريعه وأسئلته البصرية.
والتصوير الحر ليس بالضرورة طريقًا سهلًا؛ فالمصور الذي يعمل خارج القوالب التقليدية مطالب باستمرار بأن يبني مشروعه الشخصي، وأن يطور لغته، وأن يبحث عن موضوعاته، وأن يحافظ على حضوره في عالم بصري شديد المنافسة.
لكن هذه الحرية تمنح المصور في المقابل فرصة مهمة:
أن يكون صوته البصري نابعًا من اهتماماته الحقيقية.
ومن خلال اهتمام زيدان بالحياة اليومية والتصوير الوثائقي، يمكن قراءة مشروعه باعتباره محاولة مستمرة للبحث عن الإنسان في التفاصيل.
Open Frame… حين تصبح الصورة مجتمعًا
لا يتوقف حضور لؤي نعمان زيدان عند حدود إنتاج الصورة، بل يمتد إلى مساحة أخرى أكثر اتساعًا تتمثل في تأسيس منصة Open Frame.
وهنا تنتقل الفكرة من سؤال:
كيف أصنع صورة؟
إلى سؤال آخر:
كيف نبني مجتمعًا يستطيع أن يصنع الصور ويتعلم منها ويتشارك فرصها؟
تقوم منصة Open Frame على توفير مساحة للمصورين من خلال المسابقات، والمنح، والمعارض، والورش الاحترافية، لتتحول الصورة من ممارسة فردية إلى فضاء للتواصل والمعرفة وتبادل الخبرات.
وهذا الجانب مهم في المشهد الفوتوغرافي المعاصر؛ لأن تطور التصوير لا يعتمد فقط على امتلاك الكاميرات والعدسات، بل يعتمد كذلك على وجود بيئة ثقافية وفنية تسمح للمصور بأن يتعلم، ويعرض أعماله، ويتلقى النقد، ويلتقي بمصورين آخرين، ويكتشف فرصًا جديدة.
ومن هذه الزاوية، تصبح Open Frame امتدادًا لفكرة أوسع:
الصورة ليست مجرد عمل فني ينتهي عند لحظة نشره، بل مجتمع من المصورين والمعرفة والتجارب والفرص.
من المصور إلى صانع المجال
ثمة فرق بين المصور الذي ينتج الصور، والمصور الذي يسهم أيضًا في صناعة البيئة التي تنمو فيها الصورة.
المصور الأول يضيف إلى أرشيف الصور.
أما الثاني فيحاول أن يضيف إلى الثقافة الفوتوغرافية نفسها.
ومن خلال Open Frame، يبدو أن تجربة لؤي زيدان تتحرك في الاتجاه الثاني؛ فهو لا يكتفي بالمشاركة في المسابقات والمعارض، وإنما يساهم في فتح نوافذ أمام مصورين آخرين.
وهذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأن تاريخ التصوير لم يُبنَ فقط بواسطة المصورين الذين حملوا الكاميرات، وإنما أيضًا بواسطة من أسسوا الجمعيات، والمجلات، والمعارض، والمسابقات، والمدارس، والمنصات التي جعلت من التصوير ثقافة متكاملة.
فلسفة التفاصيل الصغيرة
ربما يمكن اختصار تجربة لؤي نعمان زيدان في كلمة واحدة:
التفاصيل.
لكن التفاصيل هنا ليست مجرد عناصر ثانوية داخل الصورة.
إنها الموضوع نفسه.
فاليد ليست مجرد يد.
إنها تاريخ عمل.
والشارع ليس مجرد شارع.
إنه ذاكرة مدينة.
والعامل ليس مجرد شخصية داخل الكادر.
إنه إنسان يحمل قصة كاملة، ربما لا نعرف منها سوى لحظة واحدة التقطتها الكاميرا.
وهكذا يستطيع التصوير الوثائقي أن يغير علاقتنا بما هو مألوف.
يجعلنا نرى الأشياء التي اعتدنا رؤيتها كما لو أننا نراها للمرة الأولى.
وهذه واحدة من أعظم وظائف الفن.
الضوء… شريك في كتابة الحكاية
لا يمكن الحديث عن التصوير من دون الحديث عن الضوء.
فالضوء هو المادة الأولى للصورة، لكنه في التصوير الوثائقي يتحول أيضًا إلى لغة.
ضوء الصباح له مزاج مختلف.
ضوء الظهيرة يكشف الأشياء بقسوة.
الضوء الجانبي يمنح الوجوه عمقًا.
والظل قد يقول أحيانًا أكثر مما يقوله الضوء.
وعندما يلتقي الضوء بالإنسان والمكان واللحظة، تولد الصورة.
لهذا لا تكون مهمة المصور أن يرى الأشياء فقط، وإنما أن يرى كيف يضيئها الزمن.
وفي صور الحياة اليومية تحديدًا يصبح الضوء شاهدًا على اللحظة، مثلما يصبح الإنسان شاهدًا على زمنه.
الصورة بين الصدفة والقصد
واحدة من أكثر المفارقات جمالًا في التصوير الوثائقي أن المصور يبحث عن الصدفة، لكنه يحتاج إلى الاستعداد لها.
فاللحظة قد تأتي في ثانية.
لكن الوصول إلى تلك الثانية يحتاج إلى ساعات من الانتظار والمراقبة.
قد تكون الصورة نتيجة صدفة بصرية كاملة؛ شخص يعبر، وضوء يظهر، وظل يتشكل، وحركة تتقاطع داخل الإطار.
لكن المصور هو الذي كان موجودًا هناك.
هو الذي رأى.
وهو الذي اختار.
وهو الذي ضغط زر الغالق.
وهنا تصبح الصورة الوثائقية لقاءً بين الصدفة والاستعداد.
من الصورة الجميلة إلى الصورة التي تبقى
الجمال وحده لا يكفي دائمًا.
قد تكون الصورة جميلة جدًا، ثم ننساها بعد دقائق.
وقد تكون الصورة بسيطة، بل ربما فقيرة من الناحية التقنية، لكنها تبقى في الذاكرة سنوات طويلة.
والفارق يكمن في المعنى.
الصورة التي تحمل سؤالًا تبقى.
الصورة التي تحمل إحساسًا تبقى.
الصورة التي تفتح نافذة على حياة إنسان تبقى.
الصورة التي تجعلنا نتذكر مكانًا أو زمنًا أو شخصًا تبقى.
وهنا تكمن أهمية التصوير الوثائقي الذي يشتغل عليه لؤي زيدان؛ فهو يمنح التفاصيل اليومية فرصة كي تتحول إلى سرد بصري.
المصور والمدينة… ذاكرة مشتركة
المدينة لا تُقرأ فقط من خلال مبانيها وشوارعها.
يمكن قراءتها من خلال وجوه سكانها.
من خلال المهن التي تمارس فيها.
من خلال الأسواق.
من خلال حركة الناس.
من خلال الضوء والظل.
ومن خلال التفاصيل التي قد تختفي تدريجيًا مع تغير الزمن.
ولهذا فإن المصور الوثائقي هو، في جانب من جوانب عمله، أمين ذاكرة.
إنه يسجل ما قد لا يخطر لأحد أن يسجله.
وبعد سنوات، عندما تتغير المدينة، تصبح الصور القديمة وثائق لا تقدر بثمن.
وهنا تكتسب تجربة لؤي زيدان أهمية تتجاوز حدود الصورة الفردية؛ لأنها تنتمي إلى ذلك النوع من التصوير الذي ينظر إلى الحياة اليومية بوصفها مادة تستحق الحفظ والتأمل.
سؤال الصورة المفتوح
ربما أجمل ما يمكن أن تفعله الصورة هو ألا تقدم إجابة كاملة.
أن تترك بابًا مفتوحًا أمام المتلقي.
أن تجعله يتساءل:
من هذا الإنسان؟
ماذا كان يفكر؟
ماذا حدث قبل التقاط الصورة؟
وماذا حدث بعدها؟
لماذا توقف الضوء هنا؟
لماذا اختار المصور هذه الزاوية؟
ولماذا بقي هذا التفصيل في ذاكرتنا؟
في هذه المساحة بين ما نراه وما نتخيله تولد علاقة المتلقي بالصورة.
وهنا تتحول الصورة من مشهد إلى حكاية.
خاتمة: كم من الجمال يمر أمامنا دون أن نراه؟
في النهاية، لا تبدو تجربة لؤي نعمان زيدان مجرد رحلة مع الكاميرا، بقدر ما تبدو رحلة مع العين نفسها؛ العين التي تتعلم كيف ترى، وكيف تنتظر، وكيف تكتشف قيمة الأشياء التي اعتاد الناس المرور بجانبها دون انتباه.
إنه المصور الذي يجد في الحياة اليومية مادة للحكاية، وفي التفاصيل الصغيرة مساحة واسعة للمعنى، وفي الضوء شريكًا في صناعة الذاكرة.
وبين عدسة تبحث عن اللحظة ومنصة Open Frame التي تفتح المجال أمام المصورين، تتسع التجربة من إنتاج الصورة إلى الإسهام في بناء مجتمع فوتوغرافي يتشارك المعرفة والفرص.
وربما يمكن اختصار فلسفة هذه التجربة في ذلك السؤال البسيط الذي تطرحه أعمال لؤي زيدان على المتلقي:
كم من الجمال يمر أمامنا كل يوم… دون أن نراه؟
إن وظيفة المصور ليست دائمًا أن يبحث عن شيء لم نره من قبل.
أحيانًا تكون مهمته الأجمل أن يجعلنا نرى من جديد ما كنا نظنه مألوفًا.
وهنا، تحديدًا، تصبح الكاميرا أكثر من آلة لالتقاط الصور؛ تصبح عينًا ثانية للحياة، وذاكرةً للزمن، وشاهدًا هادئًا على الإنسان.
لؤي نعمان زيدان… مصور يقترب من الحياة كي يمنح تفاصيلها العابرة فرصةً أخرى للبقاء.


