نجمي السكري… حين خرج كمان حلب إلى العالم
سيرة عازف سوري حمل صوت الكمان من حلب إلى باريس وموسكو ومسارح العالم
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: طفلٌ صغير أمام كمان كبير
في مدينةٍ عريقة مثل حلب، حيث تتجاور أصوات المؤذنين مع أجراس الكنائس، وتتشابك الموشحات والقدود مع الموسيقى الشرقية والغربية، وُلدت موهبة كان مقدراً لها أن تعبر حدود المكان.
إنه نجمي السكري، عازف الكمان السوري الذي تحوّل منذ طفولته إلى ظاهرة موسيقية، ثم إلى اسم عربي حاضر في واحدة من أكثر ساحات الموسيقى الكلاسيكية صعوبة ومنافسة.
ولد نجمي السكري في حلب عام 1939، وبدأ دراسة الكمان في سن مبكرة جداً على يد الأستاذ الروسي ميشيل بوريزنكو، مع رعاية وتشجيع والده لطفي السكري، الذي كان مؤمناً بموهبة ولديه نجمي وضياء. وسرعان ما بدأت الموهبة الصغيرة تلفت الانتباه في الحياة الموسيقية السورية.
لم يكن الكمان بالنسبة إلى نجمي مجرد آلة موسيقية؛ كان منذ البداية طريقاً إلى عالم كامل من المعرفة والانضباط والجمال.
من حلب… بدأت الحكاية
كانت البدايات مبكرة بصورة استثنائية.
ففي عام 1950، ظهر نجمي السكري مع شقيقه ضياء في حفلة موسيقية بحلب، وهو لا يزال في عمر الطفولة، وقد أثار عزفه اهتمام الأوساط الثقافية والفنية. ثم جاءت حفلات دمشق، ومنها الحفل الذي أقيم في نادي الضباط عام 1951، في حضور شخصيات سياسية ورسمية بارزة.
وفي تلك المرحلة بدأت سورية تدرك أن أمامها موهبة استثنائية لا ينبغي أن تبقى محلية.
وكان القرار الذي غيّر مسار حياته: إيفاده إلى باريس وهو في الثانية عشرة تقريباً لمتابعة دراسته الموسيقية.
هناك دخل عالم الكونسرفاتوار الوطني العالي للموسيقى، وبدأ مرحلة جديدة من التكوين الأكاديمي، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى موسكو لمتابعة تخصصه في معهد تشايكوفسكي، في بيئة موسيقية روسية عريقة ارتبطت بأسماء كبرى في تاريخ العزف على الكمان.
وهكذا انتقل الطفل الحلبي من غرفة التدريب في حلب إلى المؤسسات الموسيقية الأوروبية الكبرى.
باريس وموسكو… صقل الموهبةلم تكن الدراسة الخارجية بالنسبة إلى نجمي رحلة جغرافية فحسب، بل كانت انتقالاً من الموهبة إلى الاحتراف.
في باريس تعرّف إلى تقاليد المدرسة الفرنسية في العزف، ثم جاءت موسكو بما تمثله المدرسة الروسية من صرامة تقنية واهتمام عميق بالتعبير والسيطرة على الآلة.
وهنا بدأت شخصية نجمي الفنية تتبلور: تقنية دقيقة، وحضور مسرحي، وحس تعبيري لا يختزل الموسيقى في مجرد استعراض للمهارة.
ولعل هذا ما جعل النقاد الذين استمعوا إليه لاحقاً يركزون على قدرته على الجمع بين البراعة التقنية والحيوية الموسيقية.
المسابقات الدولية… الكمان السوري في قلب المنافسة العالمية
دخل نجمي السكري عالم المسابقات الدولية الكبرى في مرحلة كانت المنافسة فيها شديدة بين أبرز عازفي الكمان في العالم.
شارك في مسابقة الملكة إليزابيث في بروكسل عام 1963، ثم في مسابقة جاك تيبو في باريس عام 1965، وحصل فيها على المركز الخامس، قبل أن يشارك في مسابقة لوفنتريت الدولية في نيويورك عام 1967 ويحصل على الجائزة الثانية مناصفة مع العازف سيرجيو لوكا.
هذه المحطات لم تكن مجرد أرقام في سيرة فنان؛ فقد وضعت اسم عازف سوري في المشهد الدولي للكمان، في زمن لم يكن فيه وصول الفنان العربي إلى المنصات الموسيقية العالمية أمراً سهلاً.
ولهذا ظل اسم نجمي السكري حاضراً في ذاكرة الموسيقيين السوريين والعرب بوصفه واحداً من أوائل العازفين الذين فتحوا الباب أمام حضور عربي أكثر اتساعاً في الموسيقى الكلاسيكية العالمية.
من نيويورك إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية
لم تتوقف رحلة نجمي عند المسابقات.
قدم حفلات ومشاركات موسيقية في عدد من البلدان، بينها الولايات المتحدة وكندا والبرازيل وفرنسا وألمانيا الشرقية وبلغاريا، وظهر عازفاً منفرداً أمام فرق أوركسترالية مختلفة.
وتكشف هذه الرحلة عن جانب أساسي في شخصيته الفنية: لم يكن نجمي مجرد عازف مسابقات، بل كان موسيقياً محترفاً يعيش على خشبة المسرح، ويتعامل مع الكمان باعتباره لغة للتواصل مع الجمهور.
وقد وصل به الأمر إلى امتلاك آلات كمان ثمينة أُهدي بعضها إليه تقديراً لفنه، من بينها آلة من غوارنيري ارتبطت في تاريخها بالعازف الشهير جوزيف سيغيتي، بحسب المصادر التي توثق سيرته.
حين يصبح العازف جزءاً من صوت الآلة
هناك عازفون يعزفون على الآلة، وهناك فنانون يبدو كأنهم يتكلمون من خلالها.
وتشير الشهادات الصحفية التي رافقت حفلات نجمي السكري إلى هذا النوع الثاني.
فقد وصفت إحدى المراجعات الموسيقية أداءه بأنه يجمع بين التقنية الخارقة والحيوية، بينما أشادت شهادة أخرى بدقة عزفه وصفاء أسلوبه وقدرته على التعامل مع الأعمال الصعبة دون أن تفقد الموسيقى روحها.
وهذا تحديداً هو الفارق بين العزف بوصفه مهارة، والعزف بوصفه فناً.
فالتقنية وحدها تستطيع أن تجعل العازف مدهشاً، لكنها لا تكفي لكي تجعله مؤثراً.
أما نجمي السكري، فكانت تجربته قائمة على الجمع بين اليد التي تعرف كيف تعزف، والأذن التي تعرف كيف تسمع، والعقل الذي يعرف كيف يفسر، والروح التي تعرف كيف تقول.
الكمان… ذاكرة حلب في فضاء عالمي
ربما تكمن أهمية تجربة نجمي السكري في أنها لم تكن انفصالاً عن الجذور.
لقد خرج من حلب إلى باريس وموسكو ونيويورك ومدن العالم، لكنه حمل معه ذاكرة المكان الذي بدأ منه.
وهنا يصبح الكمان أكثر من آلة أوركسترالية؛ يصبح جسراً بين ثقافتين:
شرقٌ تربى فيه الفنان، وغربٌ درس فيه ونافس على مسارحه.
وهذه الثنائية كانت حاضرة بقوة في تجربة الأخوين نجمي وضياء السكري.
فبينما اتجه نجمي نحو الاحتراف العالمي في العزف على الكمان، اتجه شقيقه ضياء نحو التأليف الموسيقي وقيادة الأوركسترا، ليصبح لاحقاً واحداً من أبرز المؤلفين السوريين في الموسيقى الكلاسيكية الحديثة.
نجمي وضياء السكري… شقيقان في طريقين موسيقيين
من أجمل فصول هذه الحكاية أن الأخوين خرجا من البيئة نفسها، وتعلما في البداية على آلة الكمان، ثم اختار كل واحد منهما طريقاً مختلفاً.
نجمي السكري: عازف الكمان العالمي.
ضياء السكري: المؤلف الموسيقي وقائد الأوركسترا.
وقد أصبح ضياء لاحقاً صاحب عدد كبير من الأعمال الموسيقية، مستفيداً من عناصر الموسيقى السورية والشرقية داخل بنية موسيقية معاصرة، فيما ظل اسم نجمي مرتبطاً بصورة خاصة بفن العزف على الكمان وبمسيرته الدولية.
وهنا ينبغي التمييز بدقة بين الرجلين: السمفونيات والأعمال التأليفية التي تُنسب إلى عائلة السكري في المصادر الموسيقية هي في جانب أساسي منها أعمال ضياء السكري، لا نجمي.
وهذا التفريق مهم جداً عند إعداد مادة موسوعية أو صحفية عن تاريخ الموسيقى السورية.
من العازف إلى الأستاذ
لم يكن نجمي السكري معنياً بالأداء وحده.
فبعد سنوات المسرح والمسابقات والحفلات، انتقل أيضاً إلى مجال التعليم، ودرّس الكمان في باريس، كما درّس في École Normale وكونسرفاتوار مدينة ليون، وخرج من تحت يديه طلاب حقق بعضهم نجاحاً في مسابقات دولية. ومن الأسماء التي تذكرها المصادر ماري نيكولا، التي نالت لاحقاً جوائز في مسابقة جاك تيبو ومسابقة تشايكوفسكي.
وهنا تكتمل صورة الفنان الحقيقي:
موهبة تتعلم، وموهبة تتألق، ثم موهبة تعلّم الآخرين.
نجمي السكري… اسم سوري في الذاكرة الموسيقية العالمية
من الصعب اختزال مسيرة نجمي السكري في قائمة مسابقات أو حفلات.
فالقيمة الحقيقية لهذه التجربة تكمن في كونها جزءاً من مرحلة تأسيسية في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية السورية.
لقد أثبت أن الفنان السوري يستطيع أن يبدأ من مدينة عربية عريقة مثل حلب، ثم يدخل أكثر المؤسسات الموسيقية الأوروبية صرامة، ويقف على مسارح العالم، وينافس كبار عازفي الكمان، ويترك أثراً في التعليم الموسيقي أيضاً.
ولعل أجمل ما في حكايته أن الطريق لم يبدأ من عاصمة موسيقية عالمية، وإنما من حلب.
من مدينة كانت الموسيقى فيها جزءاً من الحياة اليومية، خرج طفل يحمل كماناً، ثم تحول ذلك الكمان إلى جواز سفر فني.
خاتمة: عندما يتكلم الكمان بلسان مدينة
نجمي السكري ليس مجرد اسم في سجل العازفين السوريين.
إنه فصل من تاريخ طويل حاولت فيه الموسيقى السورية أن تجد مكانها في الخريطة العالمية.
كان كمانه يحمل معه شيئاً من حلب، لكنه لم يتوقف عند حدودها. عبر به إلى باريس وموسكو ونيويورك وأوروبا وأمريكا الجنوبية، ووقف به أمام جماهير لا تعرف بالضرورة شيئاً عن المدينة التي جاء منها.
لكنها كانت تعرف لغة الموسيقى.
وهكذا استطاع نجمي السكري أن يجعل من الكمان لغةً تتجاوز الجغرافيا؛ لغة لا تحتاج إلى ترجمان، ولا إلى حدود، ولا إلى تعريف طويل.
أما حلب، فقد بقيت في بداية الحكاية ونهايتها؛ المدينة التي أعطت الطفل الأول نغمة البداية، ومنها انطلقت رحلة عازف أصبح اسمه جزءاً من ذاكرة الموسيقى السورية والعربية في القرن العشرين.
نجمي السكري… عازفٌ خرج من حلب، وحمل الكمان السوري إلى العالم.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


