
يوسف لوقا تيودوروس… حين تصبح عدسة المصوّر ذاكرةً للخابور والجزيرة السورية
فنان التصوير الرياضي والضوئي الذي وثّق الإنسان والتراث والتنوّع الثقافي في الحسكة، وترك وراءه أرشيفاً بصرياً يحفظ ملامح المكان وذاكرة أهله
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: من ملاعب الحسكة إلى ذاكرة الصورة
هناك فنانون يمرّون في الحياة تاركين أعمالاً تُشاهد، وهناك فنانون يتركون وراءهم عالماً كاملاً من الوجوه والحكايات والتفاصيل التي لولا عدساتهم لربما تلاشت في غبار الزمن. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بذاكرة التصوير الضوئي والرياضة في محافظة الحسكة، يبرز اسم الفنان والمصوّر والرياضي السوري الراحل يوسف لوقا تيودوروس، المولود في مدينة الحسكة عام 1955، والذي ارتبطت تجربته بالخابور والجزيرة السورية، وبالإنسان الذي عاش على ضفافهما، حاملاً ملامح المكان وتنوّعه الثقافي والاجتماعي.
لم تكن الكاميرا في حياة يوسف لوقا مجرّد أداة لتسجيل اللحظة، بل كانت وسيلته لاكتشاف العالم وتوثيق تحولاته، ونافذته إلى تفاصيل الحياة اليومية. وإلى جانب شغفه بالتصوير، عرف الرسم والحفر على الخشب والموسيقا والرياضة، فاجتمعت في شخصيته اهتمامات فنية وإنسانية ورياضية منحت تجربته طابعاً خاصاً، وجعلت من أعماله شهادة بصرية على حياة مجتمع متنوع وغني بتراثه وذاكرته.
البدايات: شغف مبكر بالفن والضوء
بدأ يوسف لوقا تيودوروس ممارسة الفن منذ طفولته، في مرحلة مبكرة تشكّلت خلالها علاقته بالصورة والجمال والتفاصيل. ولم ينحصر اهتمامه في التصوير الضوئي، بل امتد إلى الرسم والحفر على الخشب والموسيقا، وهي مجالات تتقاطع في جوهرها عند البحث عن الشكل والإيقاع والتكوين والتعبير.
ولعل هذا التنوّع الفني أسهم في تكوين نظرته البصرية؛ فالمصوّر الذي يعرف قيمة الخط في الرسم، وملمس السطح في الحفر، والإيقاع في الموسيقا، يستطيع أن يرى المشهد بأكثر من مستوى، وأن يتعامل مع عناصر الصورة بوصفها علاقات متكاملة، لا مجرد أشياء متجاورة داخل إطار.
في تجربته، لم يكن الضوء منفصلاً عن الحياة، ولم تكن الصورة بعيدة عن الإنسان. فقد اتجه إلى توثيق المرأة والطفولة والعامل والفلاح والأزياء الشعبية، وإلى تسجيل ملامح المجتمع الحسكاوي بمختلف مكوّناته. وبذلك تحوّلت ممارسته الفنية تدريجياً إلى مشروع توثيقي يتجاوز حدود الصورة الجميلة نحو حفظ الذاكرة الاجتماعية والثقافية.
عام 1985: أول معرض وبداية الحضور الفني
شكّل عام 1985 محطة بارزة في مسيرة يوسف لوقا، إذ أقام أول معرض للتصوير الضوئي، فاتحاً الباب أمام تجربة أخذت تتسع عبر المشاركات والمعارض الفردية والمشتركة.
ومنذ ذلك الحين، توالت مشاركاته الفنية في سوريا وعدد من الدول العربية والغربية، ونال شهادات تقدير وتكريم تقديراً لجهوده وإسهاماته في مجال التصوير الضوئي.
وكانت مشاركته في معرض اتحاد الصحفيين بدمشق عام 2000، بلوحات تناولت السدود ومشروعات الري، محطة مهمة في تقديم جانب من اهتماماته بالبيئة والمشروعات التنموية وعلاقة الإنسان بالأرض والمياه. فهذه الموضوعات لا تقتصر على تسجيل المنشآت والمرافق، بل تفتح مجالاً لقراءة التحولات التي تصيب المكان، وكيف تؤثر المشروعات الكبرى في حياة الناس ومشهدهم الطبيعي.
أما معرضه الخارجي الأول، فقد أُقيم في العاصمة السويدية ستوكهولم بتاريخ 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2001، بإشراف رابطة المغتربين السوريين، في خطوة نقلت جانباً من تجربته إلى جمهور خارج سوريا، وقدّمت نافذة على الحياة السورية وتراث الجزيرة وتنوعها.
كما ارتبط اسمه بنادي التصوير الضوئي في دمشق، وبنادي التصوير الضوئي الدولي الذي ورد اسمه في سيرته بصيغة FIAB، وهي عضويات تعكس اهتمامه بالانخراط في الحياة الفنية والتواصل مع مجتمع المصورين.
الصورة الرياضية: عين تعرف إيقاع الحركة
لا تكتمل قراءة تجربة يوسف لوقا من دون التوقف عند علاقته بالرياضة، ولا سيما كرة السلة، التي أحبها ومارسها، إلى جانب كرة القدم. فقد كان أحد لاعبي نادي الجزيرة الرياضي في الحسكة في اللعبتين، وعرف الملاعب من موقع اللاعب، لا من موقع المتفرج وحده.
وهنا تبرز خصوصية تجربته بوصفه رياضياً ومصوّراً في آن واحد. فالتصوير الرياضي من أصعب ميادين التصوير الضوئي، لأنه يتعامل مع حركة متسارعة لا يمكن إعادتها بالطريقة نفسها، ولحظات حاسمة قد تختصر المباراة كلها في جزء من الثانية.
إن مصوّر الرياضة مطالب بأن يتوقع الحركة قبل وقوعها، وأن يقرأ اتجاهات اللاعبين، وأن يتابع انتقال الكرة، وأن يختار موضعه وزاوية الرؤية المناسبة، مع المحافظة على التركيز والاستعداد التقني. ولا يكفي أن يمتلك كاميرا سريعة؛ بل يحتاج إلى معرفة بطبيعة اللعبة، وقوانينها، وإيقاعها، واللحظات التي تحمل ذروة الانفعال أو القرار.
ومن الطبيعي أن تمنح ممارسة الرياضة صاحبها فهماً عملياً للحركة والتنافس والجهد البدني، وأن تساعده على استشعار اللحظة التي تستحق أن تُحفظ. وفي حالة يوسف لوقا، يلتقي عالم الملاعب بعالم الصورة في شخصية واحدة: رياضي يعرف حرارة المنافسة، وفنان يدرك أن الحركة العابرة قد تتحول، حين تُلتقط في توقيتها المناسب، إلى ذاكرة لا تنتهي بانتهاء المباراة.
ومع ذلك، فإن أهمية تجربته لا تقف عند الجانب الرياضي وحده؛ فقد اتسعت اهتماماته لتشمل الإنسان والمجتمع والتراث، وهي المساحة التي تكشف عن عمق مشروعه البصري واتساعه.
ألفي صورة وأكثر: أرشيف يحفظ وجوه الجزيرة
من أبرز ما يُذكر في تجربة يوسف لوقا تيودوروس أرشيفه التصويري الواسع، الذي يضم، وفق المعلومات المتداولة عن سيرته، ما لا يقل عن ألفي صورة متنوعة، تتناول المرأة والطفولة والعامل والفلاح والأزياء الشعبية، إلى جانب جوانب مختلفة من الحياة الاجتماعية في محافظة الحسكة.
وتزداد أهمية هذا الأرشيف حين نتأمل التنوع الثقافي الذي تحتضنه الجزيرة السورية، بما تضمّه من مكوّنات عربية وكردية وسريانية وآشورية وأرمنية وشيشانية وغيرها من الجماعات التي أسهمت في تشكيل نسيج المنطقة الاجتماعي والثقافي.
لقد وجّه يوسف لوقا عدسته نحو الإنسان في بيئته، وإلى تفاصيل الملبس والعادات والعمل والحياة اليومية. وهذه التفاصيل، التي قد تبدو مألوفة في لحظتها، تكتسب قيمة استثنائية بعد مرور الزمن؛ لأن الصورة تستطيع أن تحفظ ما قد تعجز الذاكرة الفردية عن استعادته كاملاً.
فالثوب الشعبي ليس مجرد قطعة قماش، بل علامة على الهوية والبيئة والتقاليد. ووجه الفلاح يحمل آثار الأرض والعمل والخبرة. وصورة الطفل تستبطن زمناً اجتماعياً كاملاً، فيما تكشف صورة المرأة عن حضورها في الحياة اليومية وعن ملامح عصرها وبيئتها.
ومن هنا، يصبح الأرشيف الفوتوغرافي أكثر من مجموعة صور متراكمة؛ إنه سجل بصري يتيح للأجيال اللاحقة أن تتعرف إلى أشكال الحياة التي سبقتها، وأن تقارن بين التحولات التي طرأت على المكان والناس والملابس والمهن والعادات.
ولعل القيمة الأعمق في هذا المشروع تكمن في أنه لم يحصر اهتمامه في المشاهد الاستثنائية أو المناسبات الكبرى، بل اتجه أيضاً إلى تفاصيل الحياة العادية. فالتاريخ لا تصنعه الأحداث السياسية وحدها، بل تصنعه كذلك حياة الناس اليومية، وأعمالهم وأعيادهم وملامحهم وعلاقاتهم بالمكان.
الفوتوغرافيا بوصفها وثيقة تاريخية وثقافية
تتجاوز أهمية أرشيف يوسف لوقا الجانب الجمالي إلى المجال الوثائقي؛ فالصورة، حين تُحفظ وتُؤرَّخ وتُعرَف ظروف التقاطها، تصبح مصدراً بصرياً يمكن للباحثين والمؤرخين وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الاستفادة منه في دراسة المجتمع وتحولاته.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة أعماله عبر ثلاثة مستويات مترابطة:
أولاً: المستوى الجمالي. ويتصل بالتكوين والضوء والظل والعلاقة بين الموضوع والخلفية، وكيفية توزيع العناصر داخل الإطار، بما يمنح الصورة قدرتها على التعبير والتأثير.
ثانياً: المستوى الاجتماعي والإنساني. ويتعلق بما تكشفه الصور عن الحياة اليومية، وعن العلاقات بين الناس وبيئاتهم، وعن المهن والعادات والأزياء والتقاليد التي تميّز مجتمعاً بعينه.
ثالثاً: المستوى التاريخي والتوثيقي. ويظهر في قدرة الصور على حفظ مشاهد وأماكن وملامح قد تتغير أو تختفي مع مرور الزمن، لتغدو الصورة مرجعاً بصرياً يساعد على فهم الماضي ومقارنته بالحاضر.
غير أن الصورة لا تصبح وثيقة مكتملة بمجرد التقاطها؛ إذ تزداد قيمتها حين تُرفق بتاريخها ومكانها وأسماء الأشخاص الظاهرين فيها، متى أمكن التعرف إليهم، وحين تُحفظ معلوماتها الأصلية وتُصان من التلف أو الضياع.
ومن هنا، فإن أرشيف يوسف لوقا يستحق أن يُنظر إليه بوصفه جزءاً من الذاكرة البصرية السورية، وأن تُبذل الجهود اللازمة لحفظه وفهرسته ورقمنته، بما يتيح للباحثين والأجيال الجديدة الاطلاع عليه والاستفادة من مادته الغنية.
فنان صنع أرشيفه بجهده الفردي
من الجوانب المؤثرة في سيرة يوسف لوقا أن هذا الأرشيف الكبير كان ثمرة جهد فردي متواصل، وفق ما تذكره المعلومات المتاحة عنه، من دون دعم مؤسسي يوازي حجم العمل الذي أنجزه.
وهذه الحقيقة تفتح باباً واسعاً للنقاش حول واقع التصوير الوثائقي في سوريا، وحول المصورين الذين يكرّسون سنوات طويلة لتوثيق مجتمعاتهم وبيئاتهم، ثم يواجهون صعوبات في حفظ أعمالهم أو تنظيمها أو إيصالها إلى المؤسسات الثقافية والبحثية.
فالأرشيف الفوتوغرافي ليس ملكاً للحظة التي التُقطت فيها الصورة فحسب، ولا تتوقف قيمته عند صاحبه؛ إذ يمكن أن يصبح مورداً ثقافياً عاماً، ومادةً للمعارض والدراسات والكتب والمشروعات التعليمية.
ولذلك، فإن صون هذا النوع من الأرشيفات يتطلب عملاً منظماً يشمل جمع الصور والسلبيات الأصلية إن وُجدت، وتحديد تواريخها وموضوعاتها، وحفظها في ظروف مناسبة، وإنشاء نسخ رقمية عالية الجودة، وتوثيق حقوق المصورين وأصحاب الصور، مع إتاحة المواد وفق ضوابط واضحة تحترم الخصوصية والملكية الفكرية.
إن ما أنجزه يوسف لوقا يذكّرنا بأن وراء كل أرشيف ناجح سنوات من الصبر والعمل والملاحقة الدقيقة للتفاصيل. فالصورة التي نراها اليوم في ثوانٍ قد تكون ثمرة رحلة طويلة، أو انتظار للحظة المناسبة، أو عودة متكررة إلى المكان نفسه حتى تتحقق الرؤية التي أرادها المصور.
الحسكة والخابور والجزيرة: المكان الذي يسكن الصورة
ارتبط اسم يوسف لوقا بالحسكة والخابور والجزيرة السورية، وهي أماكن لا يمكن فصلها عن المعنى الثقافي والإنساني لتجربته. فالمكان في الصورة ليس خلفية محايدة؛ إنه جزء من الحكاية، بما يحمله من طبيعة وعمران وذاكرة وتقاليد.
والخابور، بما يمثله من حضور جغرافي وإنساني في المنطقة، ليس مجرد نهر يعبر المشهد، بل جزء من تاريخ الاستقرار والزراعة والعلاقات بين الإنسان والأرض. أما الحسكة والجزيرة، فتقدمان فضاءً اجتماعياً متنوعاً تتجاور فيه الثقافات والعادات واللغات، وتلتقي فيه أنماط مختلفة من الحياة.
وعندما تتوجه العدسة إلى هذا العالم، فإنها لا تحفظ ملامح الناس وحدها، بل تحفظ أيضاً علاقتهم ببيئتهم، وتفاصيل حضورهم في المكان، وما يطرأ على حياتهم من تغيرات.
ومن هذه الزاوية، تكتسب صور يوسف لوقا أهمية تتجاوز حدود السيرة الشخصية؛ فهي تتيح النظر إلى تجربته بوصفها جزءاً من تاريخ الصورة في محافظة الحسكة، وإسهاماً في تسجيل جوانب من التراث المادي والاجتماعي للجزيرة السورية.
لقد كان المكان حاضراً في اسمه الفني، وفي موضوعات أرشيفه، وفي ارتباطه بأهل مدينته. وربما كانت هذه الصلة الوثيقة بالمكان أحد الأسباب التي جعلت عمله يحمل هذا القدر من الخصوصية؛ فالمصور الذي يعيش تفاصيل بيئته ويعرف ناسها يستطيع أن يقترب منهم بوعي مختلف، وأن يرى في المألوف اليومي مادةً تستحق التوثيق والحفظ.
بين الفن وخدمة الناس
لم تقتصر حياة يوسف لوقا على الفن والرياضة، بل امتدت إلى العمل الاجتماعي. فقد تولّى قبل وفاته بسنوات مهمة مختار حي الملعب البلدي في الحسكة، في خطوة تعكس جانباً من حضوره في محيطه المحلي ورغبته في خدمة الناس.
وهنا تتكامل صورة الفنان مع صورة المواطن؛ فالشخص الذي أمضى سنوات في توثيق وجوه الناس وحياتهم كان، في الوقت نفسه، جزءاً من مجتمعهم، يعرف تفاصيله ويشارك في شؤونه اليومية.
إن هذه العلاقة بين الفنان ومجتمعه تمنح العمل الوثائقي بعداً إنسانياً إضافياً؛ فالتصوير ليس مجرد مراقبة من الخارج، بل قد يكون شكلاً من أشكال المشاركة في الحياة، ومن محاولة حفظ ما يراه الفنان جديراً بالبقاء.
الرحيل في أربيل… وغياب الجسد وبقاء الصورة
رحل يوسف لوقا تيودوروس بعيداً عن مدينته الحسكة، في مدينة أربيل العراقية، تاركاً وراءه ذكريات شخصية وفنية ورياضية، وأرشيفاً من الصور التي وثّقت جانباً واسعاً من حياة المنطقة على مدى عقود.
كان رحيله نهاية رحلة إنسانية، لكنه لم يكن نهاية الحضور الذي صنعته عدسته؛ فالصورة قادرة على مقاومة النسيان، لا لأنها توقف الزمن فعلياً، بل لأنها تمنحنا فرصة العودة إلى لحظة مضت، وإلى وجه ربما غاب، أو ثوب لم يعد يُرتدى، أو مشهد تبدلت ملامحه.
ومن هنا، لا ينبغي أن يُختزل إرثه في خبر الوفاة أو في تعداد المعارض والمشاركات، بل يجب أن يُقرأ من خلال ما تركه من مادة بصرية تحتاج إلى التعريف والحفظ والدراسة، وما يمكن أن تقدمه للأجيال الجديدة من معرفة بتاريخ مجتمعها وتراثه.
إن المصورين الذين يوثقون بيئاتهم المحلية يؤدون دوراً ثقافياً بالغ الأهمية، حتى حين يعملون بعيداً عن الأضواء. فهم يلتقطون ما قد لا تلتفت إليه المؤسسات، ويحفظون ما قد لا يجد طريقه إلى الكتب الرسمية، ويمنحون التفاصيل الصغيرة فرصة الاستمرار في الذاكرة العامة.
خاتمة: حين تصبح الصورة وطناً لا يغيب
لم يكن يوسف لوقا تيودوروس مجرد مصوّر ضوئي ورياضي من مدينة الحسكة؛ لقد كان صاحب تجربة جمعت بين شغف الفن وحيوية الرياضة والانتماء إلى المكان، وامتدت عدسته إلى وجوه الناس وتراثهم وأعمالهم وتفاصيل حياتهم اليومية.
ومن ملاعب نادي الجزيرة الرياضي إلى معارض التصوير، ومن الحسكة والخابور إلى دمشق وستوكهولم، رسمت تجربته مساراً خاصاً لفنان آمن بقيمة الصورة، وعمل على توثيق عالمه بجهده الفردي وإصراره المتواصل.
ويبقى أرشيفه، بما يضمّه من صور للمرأة والطفولة والفلاح والعامل والأزياء الشعبية والتنوع الثقافي في الجزيرة السورية، أمانةً بصرية تستحق أن تُصان وأن تُعرّف بها الأجيال. فهذه الصور ليست مجرد ذكريات شخصية، بل نوافذ على تاريخ اجتماعي وثقافي، وشواهد على حياة مجتمع متعدد المكوّنات وغني بالتقاليد.
رحل يوسف لوقا عن الحسكة، لكن الصورة التي أحبها لا تعرف الغياب بالطريقة التي يعرفه بها الإنسان. فكل وجه حفظته عدسته، وكل تفصيل سجّلته، وكل لحظة اقتنصها من حركة الحياة، يمكن أن يعيد فتح باب إلى زمن مضى.
وهكذا، حين نستعيد سيرته، فإننا لا نستعيد فناناً غاب فحسب، بل نستعيد أيضاً جزءاً من ذاكرة الجزيرة السورية؛ ذاكرةً كتبها الضوء، وحفظتها العدسة، وتنتظر من يصونها ويمنحها مكانها المستحق في تاريخ التصوير الضوئي السوري.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
أبرز أثره التصويري بمشاهد أوضح
اختصر التكرار بين الأرشيف والذاكرة
وحّد صياغة المعلومات التوثيقية


