رهيفة الزعبي: أرسم ما تشعر به الروح لا ما تراه العين
أحمد الشوابكة
في عالم الفن التشكيلي، لا تصنع الألوان جمال اللوحة فحسب، بل تصنع هويتها ورسالتها وقدرتها على البقاء في الذاكرة. فالفنان الحقيقي لا يكتفي بنقل المشهد كما تراه العين، بل يعيد صياغته بلغة بصرية تنبض بالفكر والإحساس، وتحمل في تفاصيلها ملامح المكان وذاكرة الإنسان. ومن هذا المنطلق تبرز الفنانة التشكيلية رهيفة حسن الزعبي بوصفها تجربة فنية تنتمي إلى هذا الوعي الجمالي، حيث تتداخل في أعمالها الرؤية الفكرية مع الحس البصري، لتشكل لغة تشكيلية خاصة تقوم على اللون بوصفه أداة للتعبير والذاكرة معا.
تقول الزعبي لـ “الغد”، إن الفن التشكيلي بالنسبة لها ليس مجرد ممارسة جمالية،
بل رؤية فكرية ولغة بصرية متكاملة تعيد قراءة الواقع من خلال اللون والخط والتكوين، وتمنح المشهد بعدا أعمق من مجرد الصورة الظاهرة.
وترى أن العمل الفني الحقيقي لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى بناء حالة شعورية وفكرية قادرة على إثارة التأمل لدى المتلقي، وإعادة صياغة علاقته بالعالم من حوله.
وتضيف أن تجربتها الفنية انطلقت من إيمان راسخ بأن اللون هو اللغة الأولى في التعبير التشكيلي، فهو ليس عنصرا زخرفيا، بل طاقة حية تحمل مشاعر وأفكارا وذاكرة مكان، وتعمل من خلاله على بناء حالة بصرية تتجاوز حدود الشكل إلى المعنى. فكل لون في اللوحة بالنسبة لها يحمل وظيفة نفسية وبصرية، ويشارك في تشكيل الإيقاع العام للعمل الفني، ويمنح المشهد عمقه ودلالته.
وتوضح أن أعمالها تستلهم عناصرها من البيئة الأردنية، وخاصة ملامح الطبيعة في الشمال، حيث الحقول الممتدة، وسنابل القمح الذهبية، والأشجار المثمرة، ومواسم الربيع المفعمة بالحياة. كما أن التراث الشعبي وما يحمله من ألوان وزخارف شكل جزءا أساسيا من ذاكرتها البصرية منذ الطفولة، فانعكس ذلك في أعمالها بوصفه مكوّنا جماليا وهوية ثقافية لا تنفصل عن التجربة الفنية.
وتشير الزعبي إلى أن اللغة البصرية في أعمالها تقوم على تحويل الواقع إلى رؤية تشكيلية معاصرة، لا تعتمد على النقل المباشر، بل على إعادة بناء المشهد بصريا بما يعكس إحساس الفنانة وتفاعلها مع المكان والإنسان. فهي لا ترسم ما تراه العين فقط، بل ما تشعر به الروح، وما تختزنه الذاكرة من صور وانطباعات وتجارب.
وتؤكد أن الفن بالنسبة لها رسالة إنسانية وثقافية قبل أن يكون عملا جماليا، فهو وسيلة للتعبير عن القيم الوطنية والإنسانية، وحفظ الذاكرة البصرية للمجتمع، وتعزيز العلاقة بين الإنسان ومحيطه. وترى أن اللوحة ليست مجرد مساحة للعرض، بل فضاء مفتوح للحوار بين الفنان والمتلقي، وبين الواقع والخيال، وبين الماضي والحاضر..
وفي سياق تجربتها التربوية، توضح أنها تعمل معلمة للتربية الفنية في وزارة التربية والتعليم، وترى أن التعليم الفني جزء أساسي من رسالتها، حيث تسعى إلى اكتشاف المواهب وصقلها، وتعزيز الثقة لدى الطلبة بقدرتهم على التعبير الإبداعي. وقد أسهم هذا الدور في خلق بيئة تعليمية محفزة ساعدت على تحقيق إنجازات فنية متعددة على مستوى الطلبة.
كما شاركت الزعبي في العديد من المعارض الفنية داخل الأردن وخارجه، من بينها معارض “أردنيات” في جاليري جامعة اليرموك، ومعرض “أهلا نيسان” في قلعة عجلون، ومعرض “المعلم الفنان” في نادي المعلمين، ومعارض “ربيع كنانة” في دوراته المختلفة، ومعرض “بين اللون والذاكرة”، ومعرض “موزاييك” في مركز إربد الثقافي، وغيرها من المشاركات التي أسهمت في ترسيخ حضورها التشكيلي.
ولها أيضا حضور في السمبوزيومات الفنية مثل، وادي الرمان ويوم العلم وأنامل تحكي قصة وطن، إضافة إلى مشاركتها في الجداريات الوطنية، ومنها: جدارية مئوية الثورة العربية الكبرى في تربية جرش، وجدارية مدرسة سما الروسان، حيث وظفت الفن بوصفه أداة للتعبير عن الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء.
وامتد عطاؤها إلى أدب الطفل، حيث قامت برسم عدد من القصص مثل “المهراس” و”معي في كل مكان”، إيمانا منها بأهمية الصورة في تشكيل وعي الطفل وتنمية خياله البصري منذ السنوات الأولى.
وتختم الزعبي بتأكيد أن رحلتها الفنية ما زالت مستمرة، وأن كل لوحة تمثل مرحلة جديدة من البحث والاكتشاف، وأن اللون بالنسبة لها ليس مجرد اختيار جمالي، بل موقف فكري وجمالي وإنساني، يجعل من الفن مساحة دائمة للحياة والذاكرة والدهشة.



