الفلسفة الكلاسيكية وممراتها السرية.

يمثل التراشق الفكري بين الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل وتلميذه المتمرد كارل ماركس أحد أكثر السجالات الفلسفية إثارة وتأثيراً في صياغة العالم المعاصر. ورغم أن الرجلين اعتمدا على ذات الأداة التحليلية لتفسير حركة التاريخ والكون، وهي أداة “الجدل” (الديالكتيك)، إلا أن الخلاف بينهما حول جوهر هذه الأداة ومحركها الأساسي شكّل قطيعة معرفية هائلة، حولت الفلسفة من قاعات التأمل المجرد إلى ساحات التغيير الفعلي.فالجدل عند هيغل هو الروح والمثالية المطلقة حيث ينطلق هيغل في منظومته الفلسفية من فكرة أساسية مفادها أن “الفكرة” أو “الوعي” (ما يسميه الروح المطلق) هو أصل الوجود ومحركه الأول. بالنسبة له، فإن العالم المادي المحسوس، بمؤسساته ودوله وتاريخه، ليس سوى انعكاس خارجي لتطور هذه الفكرة عبر الزمن.يسير الجدل الهيغلي وفق آلية ثلاثية شهيرة ومنظمة:١.الأطروحة (القضية): تبدأ الدورة بوجود فكرة أو وضع قائم يحمل في طياته قبولاً مبدئياً.٢.النقيض: مع تطور الزمن، يولد من رحم هذه الفكرة نقيضها الداخلي الذي يدخل معها في صراع حتمي.٣.التركيب (المركب الجديد):من خلال هذا الصراع والتصادم، يتولد مستوى فكري أرقى يجمع محاسن الطرفين ويتجاوز عيوبهما. هذا التركيب الجديد يتحول لاحقاً إلى “أطروحة جديدة” لتنطلق الدورة الجدلية من جديد.الغاية النهائية عند هيغل من هذه الحركة المتصاعدة هي الوصول إلى “الوعي الذاتي الكامل”، حيث تتصالح الفكرة مع الواقع تماماً، وتتحقق الحرية الإنسانية في صورتها المثالية العليا.ولكن الانقلاب الماركسي: إعادة الجدل إلى قدميه، لم يرفض كارل ماركس المنهج الجدلي الهيغلي، بل رأى فيه العبقرية الحقيقية لأستاذه، لكنه اعترض بقوة على نقطة البدء. فقد اعتبر ماركس أن فلسفة هيغل مقلوبة وتمشي على رأسها في عالم الخيال والأفكار، وكان لا بد من قلبها وإيقافها على قدميها فوق أرض الواقع الصلبة والمادية.تحول الجدل عند ماركس من “المثالية” إلى “المادية التاريخية”، وتغيرت المفاهيم كلياً:١.أولوية المادة: الوجود الاقتصادي والمادي (البناء التحتي) هو الذي يصنع وعي الإنسان وأفكاره وسياساته (البناء الفوقي)، وليس العكس.٢.الديالكتيك الطبقي: التاريخ يتحرك بالصراع المادي الملموس بين طبقتين: المالكِة لوسائل الإنتاج (الأطروحة) والمستغَلَّة (النقيض).٣.الحتمية التاريخية: يقود هذا الصراع حتماً إلى انفجار ثوري ينتج نظاماً جديداً، ويتطور حتى يصل لغايته: “المجتمع الشيوعي” اللابطبقي، حيث ينتهي الاستغلال ويتوقف صراع الجدل المادي.#الجدل#هيغل#ماركس، #كهف الفلسفة #مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم