بعد أن تعرفنا على الانحرافات البصرية الستة التي تصيب العدسات البسيطة، وكيف تمكن العلماء من تصحيحها، ننتقل الآن إلى اختراع آخر لا يقل أهمية، وهو “طلاء العدسات” (Lens Coating).
هل لاحظت يوماً أن بعض العدسات تبدو وكأنها تعكس ألواناً بنفسجية أو زرقاء أو صفراء عند النظر إليها من زاوية معينة؟ هذا ليس مجرد جمال شكلي، بل هو دليل على وجود طبقة رقيقة جداً من مواد كيميائية خاصة تم وضعها على سطح الزجاج.
هذا الطلاء، الذي قد يبدو بسيطاً، هو المسؤول عن إنقاذ صورنا من الضبابية والوهج وفقدان التباين. إنه يمنع الضوء من الانعكاس والضياع، ويجعله يمر عبر العدسة ليشكل الصورة. في هذا الجزء، سنكتشف كيف يعمل هذا الطلاء، ولماذا يعتبر من أهم الابتكارات في تاريخ التصوير. فلنبدأ
العدسات المطلية (Coated Lenses)
عندما يسقط شعاع ضوئي على سطح زجاجي بزاوية، ينعكس جزء من الضوء ويضيع. يحدث الشيء نفسه عندما يترك الشعاع الزجاج مرة أخرى. في عدسة التصوير، لا يُفقد هذا الضوء لأغراض مفيدة فحسب، بل ينعكس بعضه مرة أخرى بشكل عشوائي بين عناصر العدسة، ثم يخرج في النهاية بطريقة مشتتة سيئة كضوء شارد (Stray) وغير مركّز. في هذا الشكل، يتسبب في ضباب (Fog) وفقدان عام في اللمعان (Brilliance)، خاصة في المناطق المجاورة للمناطق المضاءة بقوة.
إذا تم تغطية السطح الزجاجي بطبقة شفافة رقيقة جداً من مواد معينة، أهمها أملاح الفلوريد، فإن الانعكاس يقل بشكل كبير. وهكذا، فإن عدسة التصوير التي تم طلاء جميع أسطحها الزجاجية-الهوائية بهذه الطريقة ستكون أسرع إلى حد ما، لأن الضوء الذي كان ينعكس ويضيع سابقاً يمر الآن عبر العدسة ويساعد في إنتاج الصورة. كما ستكون الصورة أكثر لمعاناً لأنها لا تتدهور بسبب الضوء المتناثر الذي كان يمر عبر العدسة سابقاً.
يبلغ فقدان الضوء بسبب الانعكاس حوالي 4% لكل سطح زجاجي-هوائي في العدسة المتوسطة. طلاء السطح يوفر معظم هذا الضوء المنعكس ويضعه في عمل مفيد.
يعتمد التحسن العملي الذي يمكن توقعه من الطلاء إلى حد كبير على تركيبة العدسة وعدد الأسطح الزجاجية-الهوائية. في عدسة بسيطة جداً، قد يكون هناك أربعة أسطح فقط. سيكون التوفير حوالي 16%، وهو ما لن يكون له تأثير ملحوظ على التعريض. إن طلاء مثل هذه العدسة البسيطة سيحسنها قليلاً، والكسب الرئيسي هو زيادة طفيفة في اللمعان وتقليل الضباب عند التصوير ضد الشمس أو نحو مصدر ضوء ساطع.
قد تحتوي العدسة المعقدة جداً، مثل العدسة عالية السرعة، على ما يصل إلى عشرة أسطح زجاجية-هوائية. مثل هذه العدسة، إذا تم طلاؤها بشكل صحيح، ستعطي أداءً أفضل بشكل ملحوظ وسرعة أعلى.
جميع عدسات التصوير، مع استثناء محتمل لبعض العدسات الرخيصة جداً، مطلية الآن. يضفي هذا الطلاء تلويناً طفيفاً يتراوح من الأزرق إلى الأصفر على الزجاج عند النظر إليه من زاوية، بحيث يمكنك بسهولة معرفة ما إذا كانت العدسة مطلية أم لا. ومع ذلك، فإن هذا التلوين لا يؤثر على لون الضوء الذي يمر مباشرة عبر العدسة، وبالتالي فإن لون الضوء الذي يصنع الصورة فعلياً لا يتأثر بالطلاء.
لا يوجد شيء اسمه عدسة عالمية حقيقية هي الأفضل لجميع الأغراض. يحتاج المصور المحترف إلى أن يكون مجهزاً لنوع العمل الفوتوغرافي الذي يتوقع القيام به. لذلك، سيحتاج إلى معرفة أنواع العدسات اللازمة لتجهيز كل من كاميراته لمهامها المحددة.
ختاما
وهكذا نكون قد اكتشفنا سر “العدسات المطلية”، هذا الاختراع العبقري الذي غيّر جودة الصور إلى الأبد. تعلمنا أن الطلاء يمنع انعكاس الضوء وضياعه، مما يجعل العدسة أسرع وأكثر لمعاناً، ويحمي الصورة من الضباب والوهج.
كما عرفنا أن الطلاء لا يؤثر على ألوان الصورة النهائية، على الرغم من أنه يضفي تلويناً على سطح الزجاج عند النظر إليه من زاوية. وهذه علامة بسيطة يمكنك من خلالها معرفة ما إذا كانت عدستك مطلية أم لا.
لكن الأهم من ذلك كله، أننا تعلمنا أن لا توجد عدسة “واحدة” تصلح لكل شيء. كل مصور يحتاج إلى ترسانة من العدسات، كل منها مصمم لمهمة محددة. وهذا يقودنا إلى موضوع الجزء القادم، وهو “خصائص العدسة” (Lens Properties)، حيث سنتعرف على الطول البؤري، وسرعة العدسة، وعمق الميدان، وهي الأدوات التي ستمنحك التحكم الكامل في إبداعك. فترقبوا الجزء القادم


