الصورة التوليدية: عندما لم يعد للصورة أصل واحد- إعداد: فريد ظفور.

صياغة موسوعية موسعة، تجمع بين الصحافة الفنية واللغة الأدبية والشرح التقني، مع وضع الصورة التوليدية في سياق تاريخ الصورة والتصوير والفنون والآداب، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي.

الصورة التوليدية: عندما لم يعد للصورة أصل واحد
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
تمهيد: من التقاط العالم إلى توليد عوالم جديدة
منذ أن عرف الإنسان الصورة، كانت هناك علاقة شبه مباشرة بين الصورة وشيءٍ ما خارجها: شخص أمام الكاميرا، منظر طبيعي، شارع، حدث، وثيقة، لوحة، أو لحظة ضوئية عابرة.
كانت الصورة الفوتوغرافية، في معناها التقليدي، تقول لنا ضمناً: هذا الشيء كان هنا، وهذا الضوء مرّ من أمام العدسة، وهذه اللحظة سجلها وسيط حساس أو مستشعر.
لكن الصورة دخلت اليوم مرحلة مختلفة.
لم تعد كل صورة تحتاج إلى شخص يقف أمام الكاميرا، ولا إلى مكان حقيقي، ولا إلى ضوء مرّ فعلاً عبر عدسة، ولا حتى إلى لحظة حدثت في العالم الفيزيائي.
يكفي أحياناً أن يكتب الإنسان جملة.
ثم تبدأ الآلة في بناء المشهد.
من كلمات، احتمالات، بيانات، نماذج رياضية، تمثيلات بصرية، وعمليات حسابية، يمكن أن تظهر أمامنا صورة لمدينة لم توجد، أو شخص لم يُصوَّر، أو مشهد لا يمكن العثور عليه في أي مكان على الأرض.
هنا تظهر الصورة التوليدية Generative Image.
وهي ليست مجرد صورة “معدلة” بالحاسوب، وليست ببساطة صورة فوتوغرافية عولجت رقمياً؛ بل هي نتيجة عملية توليد حسابية تستند إلى نموذج تعلم آلي قادر على إنتاج مخرجات بصرية جديدة انطلاقاً من مدخلات أو شروط أو أوصاف أو صور أو مزيج منها.
ومن هنا يأتي السؤال الأكثر إثارة:
ماذا يحدث لفلسفة الصورة عندما يصبح بالإمكان إنتاج صورة بلا أصل فوتوغرافي مباشر؟
إنها النقطة التي يبدأ عندها الجزء الجديد من تاريخ الصورة:
الصورة لم تعد دائماً أثراً لشيء حدث، بل أصبحت أحياناً اقتراحاً لشيء يمكن أن يحدث أو يمكن تخيله.
أولاً: ما الصورة التوليدية؟
يمكن تعريف الصورة التوليدية، بصورة مبسطة، بأنها:
صورة تُنتَج جزئياً أو كلياً بواسطة نظام حسابي أو نموذج ذكاء اصطناعي يتعلم الأنماط والعلاقات البصرية من بيانات سابقة، ثم يولّد مخرجاً بصرياً جديداً وفق تعليمات أو شروط يحددها المستخدم أو النظام.
وهذا التعريف يميزها عن الصور التقليدية.
في التصوير الفوتوغرافي التقليدي:
العالم → الضوء → العدسة → المستشعر/الفيلم → المعالجة → الصورة.
أما في الصورة التوليدية الحديثة فقد تصبح السلسلة:
اللغة/الفكرة → النموذج الحسابي → الاحتمالات → التوليد → الصورة.
وفي حالات أخرى:
صورة موجودة → نموذج ذكاء اصطناعي → إعادة بناء/تحويل → صورة جديدة.
أو:
صورة + نص + رسم أولي + شروط بصرية → نموذج توليدي → صورة مركبة أو جديدة.
وهذا التحول جوهري؛ لأن العلاقة بين الواقع والصورة لم تعد علاقة واحدة وثابتة.
ثانياً: هل بدأت الصورة التوليدية مع الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة: لا.
وهذه نقطة مهمة في كتابة تاريخ الصورة.
فكرة “التوليد” أقدم بكثير من الذكاء الاصطناعي المعاصر.
عرف الفن منذ عقود طويلة أن الفنان يستطيع وضع قواعد وإجراءات تسمح للنظام بإنتاج أشكال جديدة.
وفي ستينيات القرن العشرين بدأت تجارب مهمة في الفن الحاسوبي والفن المبرمج، حيث استخدم فنانون ومبرمجون الحاسوب لإنتاج رسوم وأشكال وحركات وصور لم يكن تنفيذها بالطريقة نفسها سهلاً يدوياً.
وتشير مؤسسة MoMA إلى تجارب الفن الحاسوبي منذ خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وإلى أعمال استخدمت الحاسوب والرسم بالبلوتر والرسوم الحاسوبية والرسوم المتحركة. كما ارتبطت أعمال فنانين مثل فيرا مولنار Vera Molnár بالتفكير القاعدي والحاسوبي منذ أواخر الستينيات.
وفي عام 1967 ظهر فيلم Hummingbird لتشارلز تشوري Charles Csuri، وهو من الأعمال المبكرة في مجال الصور المتحركة المولدة بالحاسوب، وقد اقتنت MoMA العمل لاحقاً ضمن مجموعتها.
كما أن أعمالاً مبكرة أخرى ربطت الحاسوب بالشعر والموسيقى والصورة والفن، مثل House of Dust عام 1967، الذي ارتبط بتجارب الشعر الحاسوبي.
إذن، يمكن القول إن:
الصورة التوليدية الحديثة ليست ولادة مفاجئة مع ChatGPT أو DALL·E أو Stable Diffusion، بل هي مرحلة متقدمة من تاريخ طويل بدأ عندما دخلت الخوارزمية إلى العملية الإبداعية.
ثالثاً: من “الفن الحاسوبي” إلى “الفن التوليدي”
كان الفنان في الفن التقليدي يضع كل خط تقريباً بيده.
أما في الفن الخوارزمي أو التوليدي، فقد يبدأ الفنان بوضع القواعد التي تسمح للحاسوب بالمشاركة في إنتاج النتيجة.
وهنا حدث تغير فلسفي مهم:
لم يعد الفنان يصنع كل عنصر في العمل بالضرورة.
بل أصبح أحياناً:
مصمم نظام.
أو:
واضع قواعد.
أو:
مخرجاً لعملية توليد.
وتعرّف MoMA الفن التوليدي بأنه فن يُنشأ جزئياً أو كلياً باستخدام نظام مستقل أو شيفرة حاسوبية، وغالباً ما يعتمد على العشوائية أو الاحتمال.
وبذلك يصبح العمل الفني نتيجة علاقة ثلاثية:
الفنان + النظام + الاحتمال.
وهذه الفكرة ستصبح أكثر تعقيداً عندما يصل الذكاء الاصطناعي.
رابعاً: محطة 2014 — ظهور GAN
يُعد عام 2014 محطة أساسية في تاريخ الصور التوليدية الحديثة.
ففي ذلك العام نشر إيان غودفيلو وزملاؤه ورقة Generative Adversarial Networks – GANs، وقدمت إطاراً يعتمد على نموذجين عصبيين يتنافسان:
المولِّد Generator
و
المميِّز Discriminator.
يحاول المولّد إنتاج عينات تبدو وكأنها من البيانات الأصلية، بينما يحاول المميّز التفريق بين البيانات الحقيقية والمولدة.
كانت هذه الفكرة من المحطات المهمة التي دفعت توليد الصور الاصطناعية إلى مستويات جديدة.
لم يعد الحاسوب يكتفي برسم ما يأمره الإنسان به وفق قواعد صريحة.
بل أصبح بإمكانه تعلم أنماط من البيانات ثم محاولة إنتاج أمثلة جديدة تشبهها من الناحية الإحصائية والبصرية.
وهنا اقتربنا كثيراً من الصورة التي نعرفها اليوم باسم:
AI-generated image.
خامساً: 2021 — عندما أصبحت اللغة مفتاحاً للصورة
في يناير/كانون الثاني 2021 أعلنت OpenAI عن DALL·E، وهو نموذج يستطيع إنشاء صور من أوصاف نصية باستخدام بيانات تجمع بين النص والصورة.
وهنا حدث تحول ثقافي بالغ الأهمية.
فقد أصبحت اللغة نفسها أداة لتوجيه الصورة.
لم يعد الفنان مضطراً دائماً إلى:
رسم المشهد؛
تصويره؛
بناء ديكور له؛
البحث عن موقع مناسب؛
استئجار نموذج؛
انتظار الطقس؛
شراء معدات إضافية.
بل يستطيع أن يبدأ من جملة مثل:
“مدينة عربية قديمة عند الفجر، ضوء سينمائي ناعم، ضباب خفيف، عدسة واسعة، تصوير أبيض وأسود، إحساس وثائقي.”
ثم يحاول النظام تحويل اللغة إلى بنية بصرية.
وهنا تلتقي لأول مرة بصورة واضحة:
الكلمة + الصورة + الخوارزمية.
سادساً: 2022 وما بعده — عصر الانتشار الجماهيري
شهد عام 2022 تسارعاً كبيراً في تطور أنظمة تحويل النص إلى صورة.
ظهر DALL·E 2، وبرزت نماذج الانتشار Diffusion Models، وتطورت تقنيات مثل Latent Diffusion، التي جعلت التوليد عالي الجودة أكثر كفاءة ومرونة.
كما قدمت أبحاث مثل Imagen في 2022 نموذجاً لتحويل النص إلى صور باستخدام الانتشار مع الاعتماد على نماذج لغوية كبيرة لفهم النصوص.
وهكذا بدأت الصورة التوليدية تنتقل من المختبرات والدوائر المتخصصة إلى:
الفنان، المصور، المصمم، الكاتب، المخرج، الصحفي، الناشر، الطالب، وصانع المحتوى.
وأصبحت الصورة قابلة للتوليد بمجرد وصف الفكرة.
سابعاً: كيف تعمل الصورة التوليدية؟
من الضروري عدم تصور الذكاء الاصطناعي وكأنه “رسام صغير” يجلس داخل الحاسوب.
النماذج الحديثة تتعامل مع الصور والنصوص باعتبارها بيانات وتمثيلات رياضية معقدة.
وفي نماذج الانتشار، على سبيل المثال، تبدأ العملية في كثير من التطبيقات من حالة ضوضاء، ثم يجري تنفيذ خطوات متتابعة لتقليل الضوضاء وتشكيل صورة تتوافق مع الشروط المطلوبة.
في نماذج Latent Diffusion، تُجرى العملية في فضاء كامن Latent Space بدلاً من التعامل دائماً مع كل بكسل بصورة مباشرة، وهو ما يساعد على تقليل الكلفة الحسابية مع الحفاظ على جودة عالية.
وبلغة مبسطة:
النص يعطي الاتجاه.
النموذج يستحضر العلاقات التي تعلمها.
الفضاء الكامن يمثل احتمالات بصرية.
عملية التوليد تحوّل هذه الاحتمالات إلى صورة.
لكن النتيجة ليست “استرجاعاً” لصورة بعينها بالضرورة؛ بل عينة جديدة من عملية توليد احتمالية.
وهنا تكمن أهمية المصطلح:
Generative = توليدي.
ثامناً: لماذا نستعمل الصورة التوليدية؟
أصبح استخدام الصورة التوليدية واسعاً للغاية، وليس مقتصراً على صناعة الأعمال الفنية.

  1. التصور البصري
    يمكن للكاتب أو المصمم تصور فكرة لم تكن موجودة بصرياً.
  2. صناعة الأفكار
    يمكن توليد عشرات الاحتمالات البصرية قبل تنفيذ العمل الحقيقي.
  3. السينما
    تُستخدم الصور التوليدية في تطوير الأفكار البصرية، وتصميم المشاهد، والمفاهيم الأولية، والـConcept Art.
  4. الإعلان
    يمكن بناء مشاهد ومنتجات وبيئات إعلانية افتراضية.
  5. تصميم الأزياء
    يمكن تصور ملابس ومجموعات وتصاميم قبل تصنيعها.
  6. العمارة
    يمكن تصور مبانٍ وفضاءات وواجهات ومشاهد عمرانية.
  7. التعليم
    يمكن إنتاج صور توضيحية لمفاهيم يصعب تصويرها في الواقع.
  8. الأدب
    يمكن تحويل الشخصيات والمشاهد والأمكنة الأدبية إلى عوالم بصرية.
  9. الألعاب الإلكترونية
    يمكن تطوير شخصيات وبيئات وأفكار بصرية.
  10. البحث والتجريب الفني
    يمكن للفنان اختبار علاقة الشكل واللون والضوء والفراغ والاحتمال.
    تاسعاً: علاقتها بالفنون
    الصورة التوليدية ليست فناً قائماً بذاته بالضرورة.
    إنها أداة ووسيط ومنهج إنتاج يمكن أن يدخل في مجموعة واسعة من الفنون.
    يمكن أن تدخل في:
    الرسم
    النحت الرقمي
    التصميم
    الفيديو
    الفن التركيبي
    الفن المفاهيمي
    الفن التفاعلي
    السينما
    الفوتوغرافيا
    الفنون البصرية الرقمية.
    وهذا يفسر لماذا أصبحت بعض المتاحف والمؤسسات الفنية الكبرى تتعامل مع الفن التوليدي بوصفه جزءاً من تاريخ الفن الرقمي المعاصر. وتعرض MoMA، مثلاً، أعمالاً مرتبطة بالفن التوليدي والذكاء الاصطناعي، ومنها أعمال رفيق أناضول.
    عاشراً: علاقتها بالأدب
    ربما يكون الأدب أحد أكثر المجالات إثارة في علاقة الصورة التوليدية بالفنون.
    فالكاتب كان يمتلك منذ آلاف السنين قدرة على بناء صورة في ذهن القارئ من خلال الكلمات.
    يقول:
    “بيت قديم عند حافة البحر، نوافذه مفتوحة، والضوء البرتقالي ينساب إلى غرفة مهجورة.”
    القارئ كان يبني الصورة في خياله.
    أما اليوم، فقد تتحول الجملة نفسها إلى مدخل لنظام توليدي ينتج صورة مرئية.
    وهنا تنتقل الصورة الأدبية من:
    الكلمة → خيال القارئ
    إلى:
    الكلمة → خوارزمية → صورة.
    لكن النتيجة ليست بالضرورة الصورة الوحيدة الممكنة.
    فالجملة الواحدة يمكن أن تنتج عدداً لا نهائياً تقريباً من الاحتمالات البصرية.
    وهذا ما أشارت إليه OpenAI في تقديم DALL·E: فالوصف النصي الواحد يمكن أن يقابله عدد هائل من الصور الممكنة، لأن اللغة لا تحدد دائماً جميع التفاصيل البصرية.
    ومن هنا تصبح الصورة التوليدية نوعاً من:
    تأويل بصري للنص.
    الحادي عشر: العلاقة الأكثر حساسية — الصورة التوليدية وفن التصوير
    هنا يبدأ السؤال الحقيقي الذي يهم المصور:
    هل الصورة التي ولّدها الذكاء الاصطناعي صورة فوتوغرافية؟
    الإجابة تحتاج إلى التفريق.
    إذا لم يدخل الضوء الحقيقي عبر عدسة لتسجيل مشهد حقيقي، فلا يصح وصف الناتج بأنه صورة فوتوغرافية بالمعنى الفيزيائي التقليدي.
    لكن هذا لا يعني أن الصورة التوليدية لا علاقة لها بالفوتوغرافيا.
    على العكس.
    إنها تستعير من الفوتوغرافيا:
    المنظور؛
    العمق؛
    الإضاءة؛
    العدسات؛
    البوكيه؛
    التركيب؛
    التعريض؛
    الظلال؛
    الألوان؛
    لغة البورتريه؛
    لغة التصوير الصحفي؛
    لغة السينما؛
    وأحياناً حتى أخطاء التصوير وملامحه.
    لذلك يمكن أن يكون الناتج:
    صورة مولدة ذات مظهر فوتوغرافي.
    وهذا فرق مهم جداً.
    الثاني عشر: الفوتوغرافيا من “التسجيل” إلى “المحاكاة”
    التصوير الفوتوغرافي التقليدي مرتبط تاريخياً بفكرة التسجيل.
    فالكاميرا تسجل ضوءاً صادراً أو منعكساً عن العالم.
    لكن التصوير الرقمي كان قد بدأ بالفعل في تحرير الصورة من بعض القيود الكيميائية والميكانيكية.
    ثم جاءت معالجة الصور.
    ثم التصوير الحاسوبي.
    ثم الهاتف الذكي.
    ثم الذكاء الاصطناعي.
    وبذلك يمكن تصور التطور هكذا:
    الفوتوغرافيا الكيميائية

    الفوتوغرافيا الرقمية

    الصورة المعالجة

    التصوير الحاسوبي

    الصورة المدعومة بالذكاء الاصطناعي

    الصورة التوليدية
    إنها ليست قطيعة مفاجئة تماماً، بل سلسلة طويلة من التحولات.
    الثالث عشر: هل للصورة التوليدية “أصل”؟
    هنا نصل إلى قلب الموضوع.
    الصورة الفوتوغرافية التقليدية يمكن أن يكون لها:
    موضوع أصلي + لحظة + مكان + ضوء + كاميرا + عدسة + مصور.
    أما الصورة التوليدية فقد لا يكون لها هذا الأصل الواحد.
    قد تكون ناتجة عن:
    ملايين الأمثلة السابقة + نموذج رياضي + نص + تعليمات + احتمالات + عملية توليد.
    وهذا يقود إلى عنوان هذا المقال:
    عندما لم يعد للصورة أصل واحد
    الصورة التوليدية لا تنطلق بالضرورة من مرجع بصري واحد.
    بل من فضاء واسع من العلاقات.
    ولهذا يصبح السؤال:
    من أين جاءت الصورة؟
    أكثر تعقيداً من السؤال التقليدي:
    أين التقطت الصورة؟
    في التصوير الفوتوغرافي يمكن أن نسأل:
    أين؟
    متى؟
    بأي كاميرا؟
    بأي عدسة؟
    من المصور؟
    أما في الصورة التوليدية فيمكن أن نسأل:
    بأي نموذج؟
    بأي إصدار؟
    بأي مطالبة Prompt؟
    بأي صورة مرجعية؟
    بأي إعدادات؟
    ما مصدر البيانات؟
    ما مقدار تدخل الإنسان؟
    وما الذي ولده النظام؟
    إننا أمام مفهوم جديد لـ أصل الصورة.
    الرابع عشر: من “المصور” إلى “المؤلف البصري”
    لم يعد الإنسان بالضرورة هو اليد التي ترسم كل شيء.
    لكنه يستطيع أن يكون:
    صاحب الفكرة.
    كاتب الوصف.
    مخرج المشهد.
    مصمم الاحتمال.
    منتقي النتائج.
    محرر الصورة.
    وهذا يعيد تعريف مفهوم المؤلف.
    فإذا كتب المصور وصفاً دقيقاً، وجرّب عشرات النتائج، ثم اختار واحدة، وأعاد تركيبها، وضبط الضوء والألوان والتكوين، وأضاف عناصر فوتوغرافية حقيقية، ثم بنى منها عملاً فنياً نهائياً؛ فإن دوره لم يختفِ.
    بل تغير.
    لقد انتقل جزء من عمله من:
    التقاط الصورة
    إلى:
    توجيه عملية إنتاج الصورة.
    الخامس عشر: الـPrompt بوصفه “لغة بصرية جديدة”
    أصبح الـPrompt، أو الأمر النصي، واحداً من الأدوات الأساسية في إنتاج الصورة التوليدية.
    وهو ليس مجرد سؤال للحاسوب.
    بل يمكن أن يتحول إلى وصف إخراجي وفوتوغرافي كامل.
    يمكن للمصور أن يحدد مثلاً:
    الموضوع + البيئة + الضوء + زاوية الكاميرا + العدسة + العمق + اللون + التكوين + المزاج + الأسلوب + النسبة البصرية.
    وهنا تظهر مفارقة جميلة:
    كان المصور يتعلم كيف يرى.
    أما الآن فعليه أيضاً أن يتعلم:
    كيف يصف ما يرى.
    وبذلك تصبح اللغة امتداداً للعين.
    السادس عشر: من العين إلى الخوارزمية
    المصور التقليدي يمتلك “عيناً فوتوغرافية”.
    يعرف متى يلتقط.
    يعرف أين يقف.
    يعرف كيف يقرأ الضوء.
    يعرف متى يصبح الظل عنصراً جمالياً.
    أما الفنان الذي يعمل بالصورة التوليدية فيحتاج إلى إضافة مهارة جديدة:
    العين الخوارزمية.
    أي القدرة على تصور النتيجة ثم تحويلها إلى تعليمات قابلة للتوليد.
    ومن هنا قد تظهر مستقبلاً تخصصات هجينة مثل:
    المصور التوليدي
    الفنان التوليدي
    المخرج البصري للذكاء الاصطناعي
    المصمم البصري الخوارزمي
    الباحث في الصورة الاصطناعية.
    السابع عشر: الحقيقة — أين تقف الصورة التوليدية؟
    هذه هي المسألة الأكثر حساسية.
    الصورة الفوتوغرافية التقليدية، حتى لو كانت قابلة للتلاعب، تحمل عادة علاقة مادية بحدث أو موضوع أمام الكاميرا.
    أما الصورة التوليدية فقد تكون:
    واقعية بصرياً، لكنها غير واقعية حدثياً.
    وهذا يعني أن:
    المظهر الواقعي لا يساوي بالضرورة حدوث الواقعة.
    يمكن لصورة أن تبدو كأنها لقطة صحفية حقيقية، بينما لم يحدث المشهد أصلاً.
    وهنا تتعرض الصورة الصحفية والوثائقية لتحدٍ جديد.
    لذلك يجب أن يكون هناك فصل واضح بين:
    الصورة الفوتوغرافية
    و
    الصورة الفوتوغرافية المعالجة
    و
    الصورة المركبة
    و
    الصورة المدعومة بالذكاء الاصطناعي
    و
    الصورة المولدة بالكامل.
    إن الشفافية في توصيف الصورة أصبحت جزءاً من أخلاقيات العمل البصري.
    الثامن عشر: هل الصورة التوليدية عدو للفوتوغرافيا؟
    ربما يكون هذا السؤال أكثر إثارة من السؤال التقني.
    لكن التاريخ يعلمنا أن ظهور تقنية جديدة لا يلغي بالضرورة التقنية السابقة.
    عندما ظهرت الكاميرا لم تختفِ اللوحة.
    وعندما ظهر الفيلم الملون لم يمت الأبيض والأسود.
    وعندما ظهرت الكاميرا الرقمية لم تختفِ الفوتوغرافيا بوصفها فناً.
    وعندما ظهر الهاتف لم تختفِ الكاميرات الاحترافية.
    والذكاء الاصطناعي لا يجعل الفوتوغرافيا بلا معنى.
    بل يدفع المصور إلى إعادة تحديد:
    ما الذي يجعل الصورة فوتوغرافية؟
    وربما يصبح الفرق أكثر وضوحاً بين:
    صورة تسجل العالم
    و
    صورة تتخيل عالماً.
    وهما مجالان يمكن أن يتجاورا، حتى عندما يتقاطعان.
    التاسع عشر: الصورة التوليدية والفن المفاهيمي
    هناك مجال يبدو ملائماً جداً للصورة التوليدية:
    الفن المفاهيمي.
    لأن الفكرة قد تكون أهم من التنفيذ التقليدي.
    إذا أراد الفنان أن يصور:
    مدينة لا يوجد فيها بشر
    أو
    ذاكرة شخص لم تعد موجودة
    أو
    متحفاً يحتوي على صور لم تحدث
    أو
    بورتريه لشخصية أدبية خيالية
    فإن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتحول إلى مختبر بصري للفكرة.
    وهنا لا يكون السؤال:
    هل الصورة حقيقية؟
    بل:
    ماذا تقول الصورة؟
    العشرون: الصورة التوليدية والذاكرة
    من أكثر المجالات الفلسفية إثارة العلاقة بين الصورة التوليدية والذاكرة.
    الفوتوغرافيا التقليدية تحفظ أثراً.
    أما الصورة التوليدية فقد تستطيع أن تبني:
    ذاكرة لم تحدث.
    وهذه عبارة تبدو متناقضة، لكنها مهمة.
    يمكن مثلاً توليد صورة تخيلية لمدينة قديمة، أو بيت تهدم، أو شخصية لم نملك لها صورة، أو مشهد تاريخي لم تسجله الكاميرات.
    لكن هذه الصورة لا تصبح وثيقة تاريخية لمجرد أنها تبدو قديمة.
    إنها:
    تصوير تخيلي للماضي.
    وهنا يجب التمييز بين:
    الذاكرة
    و
    الوثيقة
    و
    إعادة البناء
    و
    التخييل.
    الحادي والعشرون: الصورة التوليدية والسينما
    تملك السينما علاقة طبيعية مع هذه التكنولوجيا.
    فالمخرج يستطيع أن يستخدم الصورة التوليدية لتطوير:
    الشخصيات؛
    المواقع؛
    الأزياء؛
    الديكور؛
    الإضاءة؛
    المشاهد المستقبلية؛
    المشاهد التاريخية؛
    اللقطات التجريبية؛
    اللوحات البصرية Storyboards.
    وهنا تصبح الصورة التوليدية نوعاً من:
    مختبر ما قبل التصوير.
    لكنها تستطيع أيضاً أن تصبح جزءاً من العمل النهائي نفسه.
    الثاني والعشرون: من الصورة إلى “الكون البصري”
    في التصوير التقليدي ينتج المصور صورة.
    أما في التوليد الحديث، فقد ينتج الفنان:
    كوناً بصرياً كاملاً.
    شخصيات.
    أماكن.
    أزمنة.
    ملابس.
    ألوان.
    إضاءة.
    مناظر.
    قصص.
    ويمكن لهذه العناصر أن تتكرر وتتشكل في اتجاهات متعددة.
    وبذلك تنتقل الصورة من كونها:
    لقطة
    إلى:
    عالم.
    وهذا تحول بالغ الأهمية في تاريخ الوسائط البصرية.
    الثالث والعشرون: المشكلة الأخلاقية — لمن تعود الصورة؟
    هنا تظهر مجموعة من الأسئلة الصعبة:
    إذا تعلم نموذج الذكاء الاصطناعي من ملايين الصور، فما العلاقة بين هذه الصور الأصلية والمخرجات الجديدة؟
    ما حدود الاقتباس؟
    ما معنى التأليف؟
    ما حقوق المصورين والفنانين؟
    كيف يجب أن تُنسب الأعمال؟
    متى تكون الصورة مولدة بالكامل؟
    ومتى تكون صورة حقيقية عولجت بالذكاء الاصطناعي؟
    هذه ليست أسئلة تقنية فقط.
    إنها أسئلة:
    فنية وقانونية وأخلاقية وثقافية.
    وقد أقرت شركات تطوير النماذج نفسها بأن تقنيات التوليد تثير قضايا تتعلق بالتحيز والتأثير الاقتصادي على المهن والتحديات الأخلاقية بعيدة المدى.
    الرابع والعشرون: المصور أمام العصر الجديد
    المصور الذي يريد الاستمرار في عصر الصورة التوليدية لا يحتاج بالضرورة إلى التخلي عن الكاميرا.
    بل يحتاج إلى توسيع مفهومه للصورة.
    أن يعرف:
    الضوء الحقيقي
    و
    الضوء المحاكى.
    العدسة
    و
    المنظور المولد.
    التكوين
    و
    التكوين الخوارزمي.
    اللون
    و
    اللون الاصطناعي.
    الحقيقة البصرية
    و
    الحقيقة الوثائقية.
    وهذا يعني أن المستقبل قد لا يكون:
    كاميرا ضد ذكاء اصطناعي.
    بل:
    كاميرا + مصور + حاسوب + ذكاء اصطناعي.
    الخامس والعشرون: هل ما زالت الصورة “فوتوغرافيا”؟
    السؤال لا يمكن الإجابة عنه بكلمة واحدة.
    إذا كانت الصورة قد بدأت من تسجيل الضوء المنعكس عن موضوع حقيقي، فنحن أمام فوتوغرافيا.
    إذا كانت الصورة الفوتوغرافية قد خضعت لمعالجة رقمية محدودة، فهي تظل فوتوغرافية مع معالجة.
    إذا تم تركيب عناصر حقيقية متعددة، فنحن أمام صورة مركبة أو تركيب فوتوغرافي بحسب طبيعة العمل.
    أما إذا تم إنشاء المشهد بالكامل بواسطة نموذج توليدي من دون تسجيل فوتوغرافي للمشهد، فمن الأدق وصفه بأنه:
    صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ذات طابع فوتوغرافي،
    لا صورة فوتوغرافية بالمعنى التقليدي.
    وهذا التفريق لا يقلل من القيمة الفنية للصورة التوليدية.
    بل على العكس.
    إنه يمنحها هوية مستقلة وواضحة.
    السادس والعشرون: نحو قاموس جديد للصورة
    أصبحت مفردات تاريخ الصورة بحاجة إلى التوسع.
    لم يعد كافياً أن نتحدث عن:
    Negative – Film – Lens – Exposure – Sensor – Pixel.
    بل دخلت إلى قاموس الصورة كلمات مثل:
    Generative Image — الصورة التوليدية
    Prompt — الأمر النصي
    Text-to-Image — تحويل النص إلى صورة
    Image-to-Image — تحويل الصورة إلى صورة
    Diffusion Model — نموذج الانتشار
    Latent Space — الفضاء الكامن
    Generative Model — النموذج التوليدي
    Synthetic Image — الصورة الاصطناعية
    AI-Assisted Photography — التصوير المدعوم بالذكاء الاصطناعي
    Computational Photography — التصوير الحاسوبي
    Inpainting — التوليد داخل الصورة
    Outpainting — توسيع الصورة توليدياً
    Image Variation — توليد تنويعات للصورة
    هذه المصطلحات لا تمثل مجرد قاموس تقني.
    إنها علامات على تحول بنيوي في لغة الصورة.
    السابع والعشرون: من “أين التقطت؟” إلى “كيف وُلدت؟”
    ربما يكون هذا هو التحول الأهم.
    كان السؤال التقليدي للمصور:
    أين التقطت هذه الصورة؟
    أما في عصر الصورة التوليدية فيمكن أن يصبح السؤال:
    كيف وُلدت هذه الصورة؟
    هل التُقطت؟
    هل رُسمت؟
    هل صُممت؟
    هل عولجت؟
    هل رُكبت؟
    هل وُلدت من نص؟
    هل وُلدت من صورة؟
    هل هي مزيج بين كاميرا وخوارزمية؟
    هذا السؤال سيصبح جزءاً من سيرة الصورة.
    الثامن والعشرون: الصورة بوصفها عملية لا مجرد نتيجة
    في الماضي كنا ننظر إلى الصورة باعتبارها النتيجة.
    أما الآن فأصبح من المهم النظر إلى:
    عملية إنتاج الصورة.
    فالعمل قد يتضمن:
    الفكرة

    النص

    Prompt

    التوليد

    الاختيار

    التعديل

    التركيب

    المعالجة

    النشر.
    وبالتالي يمكن أن تكون الصورة التوليدية عملية إبداعية كاملة وليست مجرد ضغطة زر.
    وهنا أيضاً يجب الحذر من اختزال دور الفنان.
    فالتوليد الآلي لا يعني بالضرورة أن الإنسان لم يبذل جهداً إبداعياً؛ كما أن استخدام الأداة لا يعني وحده أن الناتج يحمل قيمة فنية.
    القيمة الفنية تتعلق بالفكرة والسياق والاختيار والبناء والمعالجة والقدرة على إنتاج معنى.
    التاسع والعشرون: نحو فلسفة جديدة للصورة
    تاريخياً، ارتبطت الصورة بمفاهيم:
    الأصل
    الأثر
    الحقيقة
    الذاكرة
    الشهادة
    المؤلف
    لكن الصورة التوليدية تضيف إلى هذه المفاهيم:
    الاحتمال
    المحاكاة
    التنبؤ
    التركيب
    التوليد
    البديل
    النسخة الممكنة.
    وهكذا لا تعود الصورة مجرد مرآة للعالم.
    بل تصبح أحياناً:
    مختبراً لاحتمالات العالم.
    الثلاثون: الصورة التوليدية ليست نهاية التصوير
    ربما تكون الصورة التوليدية واحدة من أكبر التحولات في تاريخ الصورة منذ اختراع التصوير الفوتوغرافي.
    لكنها لا تعني نهاية التصوير.
    بل قد تجعل التصوير أكثر وعياً بذاته.
    فكلما ازدادت قدرتنا على إنتاج صورة واقعية بلا كاميرا، أصبح للسؤال عن الصورة التي التقطتها الكاميرا فعلاً معنى جديد.
    وقد تصبح الصورة الفوتوغرافية الحقيقية أكثر أهمية في مجالات معينة لأنها تحمل علاقة مادية وزمنية ومكانية بحدث أو موضوع.
    وفي المقابل، ستفتح الصورة التوليدية مجالات جديدة لا تستطيع الكاميرا وحدها الوصول إليها.
    وهكذا قد يتشكل مستقبل الصورة من مسارين متوازيين:
    الصورة التي توثّق العالم
    و
    الصورة التي تتخيل العالم.
    وبينهما ستظهر مساحات هجينة واسعة.
    خاتمة: عندما أصبحت الكاميرا فكرة
    بدأت الصورة يوماً من الظل على جدار الكهف.
    ثم أصبحت رسماً.
    ثم لوحة.
    ثم نقشاً.
    ثم صورة فوتوغرافية.
    ثم صورة سينمائية.
    ثم صورة رقمية.
    ثم صورة حاسوبية.
    واليوم أصبحت الصورة قادرة على أن تبدأ من كلمة.
    وهذه ربما إحدى أكثر اللحظات إثارة في تاريخ الثقافة البصرية.
    ففي الماضي كان المصور يبحث عن العالم لكي يصوره.
    أما اليوم فقد يستطيع الفنان أن يصف عالماً لم يوجد بعد، فتبدأ الخوارزمية في اقتراحه.
    لقد انتقلت الصورة من:
    تسجيل الموجود
    إلى:
    تصوير الممكن.
    ومن:
    أثر الضوء
    إلى:
    احتمال بصري.
    ومن:
    موضوع أمام العدسة
    إلى:
    فكرة أمام الخوارزمية.
    لكن هذا التحول لا يلغي السؤال القديم؛ بل يجعله أكثر إلحاحاً:
    ما الصورة؟
    هل هي أثر؟
    أم ذاكرة؟
    أم وثيقة؟
    أم خيال؟
    أم محاكاة؟
    أم احتمال؟
    أم كل ذلك معاً؟
    ربما تكون الإجابة الأكثر دقة في عصر الذكاء الاصطناعي أن الصورة لم تعد تمتلك دائماً أصلاً واحداً.
    فقد يكون أصلها:
    واقعاً، أو ضوءاً، أو كاميرا، أو ذاكرة، أو كلمة، أو بيانات، أو خيالاً، أو خوارزمية.
    وهنا تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ التصوير:
    لم يعد السؤال فقط: من التقط الصورة؟
    بل أصبح:
    من صاغ فكرتها؟ ومن وجّه ولادتها؟ ومن اختارها؟ وكيف تشكلت؟ وما علاقتها بالحقيقة؟
    وفي هذه المسافة بين الكاميرا والآلة والإنسان والخيال، تولد واحدة من أكثر صور المستقبل إثارة للجدل:
    الصورة التوليدية: عندما لم يعد للصورة أصل واحد.
    إعداد: فريد ظفور
    مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
    هذه المادة تصلح أيضاً لأن تكون الفصل التمهيدي لجزءك الرابع/الخامس من موسوعة «كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة»، ويمكن تطويرها لاحقاً إلى ملف أكثر تخصصاً بعنوان «أنطولوجيا الصورة التوليدية: الأصل، الأثر، الحقيقة، المؤلف والآلة» مع كرونولوجيا 1950–2026 ومعجم عربي–إنكليزي للمصطلحات التوليدية والفوتوغرافية والفلسفية.

أخر المقالات

منكم وإليكم