بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
ليس الشعر الجاهلي أثراً لغوياً محنّطاً في متحف الزمن، ولا خطاباً صوتيّاً انقضى بانقضاء سياقه التاريخي، بل هو أحد أعمق تجلّيات الوعي العربي المبكّر بالكينونة والوجود. وحين نقرأ اليوم معلّقات امرئ القيس، أو زهير بن أبي سلمى، أو عنترة بن شدّاد، أو طرفة بن العبد، لا نقرأ “ماضياً” بقدر ما نعاين حضوراً حيّاً يتقاطع مع وجداننا المعاصر، ويخاطب فينا سؤال الإنسان الأول: من أنا في هذا العالم؟ وكيف أقول وجودي باللغة؟
إنّ حداثة الشعر الجاهلي لا تُقاس بزمنه، بل بقدرته على تجاوز الزمن. فالحداثة، في جوهرها العميق، ليست انتماءً تاريخياً، بل موقفٌ كينونيّ من العالم. وهذا ما أدركه المفكّرون واللغويون العرب حين فرّقوا بين “قِدم النص” و“راهنية الأثر”. فقد أشار عبد القاهر الجرجاني، في نظريته عن النظم، إلى أنّ الشعر لا يُقاس بألفاظه المفردة، بل بعلاقاته الداخلية، وبالطريقة التي يُنشئ بها المعنى من خلال توتّر السياق، وهو ما يجعل النص قابلاً للتجدّد مع كل قراءة.
في الشعر الجاهلي، نعاين الكينونة لا بوصفها فكرةً ميتافيزيقية مجرّدة، بل تجربةً معيشة. فالشاعر الجاهلي لا يتأمّل الوجود من علٍ، بل ينغمس فيه: في الصحراء، في الرحلة، في الجسد، في الخطر، في الحبّ، وفي الموت. يقول امرؤ القيس:
قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
وهذا الوقوف ليس مجرّد بكاء على الأطلال، بل فعل وعيٍ بالزمن، واعترافٌ بفقدٍ يؤسّس للذات عبر الذاكرة. هنا تتحوّل القصيدة إلى ممارسة وجودية، تُذكّر بما ذهب إليه مارتن هايدغر حين رأى أنّ اللغة “مسكن الوجود”، وهي فكرة يجد لها صدى مبكراً في الشعر العربي القديم.
وقد نبّه ابن جني، في حديثه عن اللغة، إلى أنّ الألفاظ لا تكتسب معناها من ذاتها، بل من علاقتها بالحال والمقام، وهو ما يجعل الشعر الجاهلي، رغم بساطة أدواته الظاهرة، بالغ التعقيد الدلالي. فالصورة الشعرية فيه ليست زخرفاً بلاغياً، بل اختزالاً كثيفاً لتجربة إنسانية كلية. الناقة، والليل، والريح، والسيف، ليست أشياء، بل رموز وجودية تعبّر عن الصراع، والتيه، والبطولة، والهشاشة.
ومن منظورٍ نفسيّ، يمكن القول إنّ الشعر الجاهلي يمثّل تعبيراً مبكّراً عن توازنٍ فطريّ بين العقل والعاطفة. فقد أشار عدد من الأطباء النفسيين المعاصرين، إلى أنّ الرمز الشعري هو أحد أقدم أشكال التعبير عن اللاوعي الجمعي. وإذا أسقطنا هذا الفهم على الشعر الجاهلي، وجدنا أنّ صوره الكبرى تنبثق من مخزون رمزي مشترك: الصحراء بوصفها اختباراً للوجود، والرحلة بوصفها بحثاً عن المعنى، والمرأة بوصفها وعد الحياة وفتنتها.
أما المغايرة، فهي جوهر الحداثة الكامنة في هذا الشعر. فالشاعر الجاهلي لا يكرّر العالم كما هو، بل يعيد خلقه عبر اللغة. وهذا ما يجعل قصيدته “مختلفة” حتى في عصرها، فكيف بعصرنا؟ إنّ الاختلاف هنا ليس تمرّداً شكلياً، بل انحيازٌ جماليّ إلى رؤية فريدة للعالم. وقد عبّر العديد من الشعراء عن هذه الفكرة حين قالوا إنّ الشعر الحقيقي هو ما يخلق لغته الخاصة، لا ما يكرّر لغة الجماعة.
ولعلّ سرّ بقاء الشعر الجاهلي حيّاً إلى اليوم يكمن في أنّه شعرٌ كينونيّ بامتياز؛ يحقّق وجوده بقوّة التعبير، ويؤسّس حضوره عبر المغايرة لا التقليد. فكلّ إبداعٍ ينجح في أن يكون ذاته، إنما ينجح في أن يكون حديثاً، مهما ابتعد زمنه. وهنا يلتقي الشعر الجاهلي مع الشعر المعاصر في نقطة جوهرية: كلاهما يسعى إلى إعادة الاتصال بالعالم من زاوية جديدة، تُعيد تشكيل الحسّ والوعي.
إنّ قراءة الشعر الجاهلي اليوم ليست عودة إلى الوراء، بل قفزة إلى العمق؛ إلى ذلك المنبع الذي تشكّلت فيه اللغة العربية وهي تُجرّب قدرتها الأولى على تسمية العالم. ومن هذا المنبع، ما يزال الشعر يعلّمنا أنّ الكينونة لا تُعاش إلا عبر الاختلاف، وأنّ الجمال الحقّ هو ما يظلّ قادراً على أن يكون أبهى، وأصدق، وأبقى.


