الشخصية القيادية:حكمت بك الحراكي…..هو رجل السياسة الأول في معرة النعمان منذ الفتح الاسلامي….- مشاركة: د. جمال العبد الله.

حكمت الحراكي
من هو رجل السياسة الأول في معرة النعمان منذ الفتح الاسلامي؟

د.جمال العبدالله

لا تكاد تُذكر الحياة السياسية في معرة النعمان خلال النصف الأول من القرن العشرين إلا ويبرز اسم حكمت بك الحراكي بوصفه أحد أبرز رجالها، بل لعلّه الشخصية السياسية الأكثر حضوراً وتأثيراً في تاريخ المدينة الحديث. فقد جمع بين الزعامة الاجتماعية، والعمل النيابي، والوزارة، والوجاهة التقليدية، وترك بصمة واضحة في مرحلة انتقال سورية من العهد العثماني إلى الحكم العربي ثم الانتداب الفرنسي فمرحلة الاستقلال.
ومع ذلك، فإن الغريب أن هذه الشخصية، على الرغم من مكانتها، لم تحظ حتى اليوم بسيرة علمية وافية تجمع شتات أخبارها وتفصل بين الروايات الموثقة وما أضيف إليها مع مرور الزمن.
أسرة عريقة في معرة النعمان
ينتمي حكمت الحراكي إلى أسرة آل الحراكي، إحدى أشهر أسر معرة النعمان، وهي أسرة اشتهرت بالوجاهة والثراء وامتلاك الأراضي الزراعية الواسعة، كما ارتبط اسمها بنقابة الأشراف في المدينة. وتؤكد المصادر العائلية أن نسبها يعود إلى الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهو ما منحها مكانة دينية واجتماعية كبيرة، وإن كان هذا النسب يحتاج – كما هو الحال في معظم أنساب الأسر الشريفة – إلى دراسة وثائقية مستقلة تعتمد سجلات نقابة الأشراف ووثائق الأنساب القديمة.
وكان والده نورس باشا الحراكي من أبرز وجهاء المعرة في أواخر العهد العثماني، وحمل لقب “باشا”، كما كان عضواً في مجلس الأشراف، واشتهر بالكرم واستقبال الضيوف، حتى وصفه المؤرخ الشيخ كامل الغزي بأنه من أهل السخاء والوجاهة وحسن المعاشرة.
وقد ورث حكمت عن والده المكانة الاجتماعية، كما ورث لاحقاً نقابة الأشراف وزعامة الأسرة.

1.الميلاد والنشأة
العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، ونشأ في بيت يجمع بين الثراء والنفوذ والعلم.
وكان من الطبيعي أن يتلقى أبناء هذه الأسر تعليماً متميزاً يؤهلهم لتولي المناصب العامة، ولذلك أرسله والده إلى الأستانة (إسطنبول)، كما كانت عادة كثير من أبناء الأعيان السوريين في ذلك العصر.
الدراسة في الأستانة
تجمع المصادر على أن حكمت الحراكي درس في الأستانة، لكنها لا تذكر حتى الآن اسم المدرسة أو المعهد الذي التحق به.
ومن المرجح أنه درس الإدارة أو الحقوق أو العلوم السياسية،
هل شارك والده في حماية الأرمن؟
من أشهر الروايات المرتبطة بأسرة الحراكي أن نورس باشا آوى عدداً من الأسر الأرمنية في منزله بمعرة النعمان أثناء أحداث عام 1915، وأن هذا الموقف أنقذ حياتهم.
ويشار ان حكمت واخوته كان مشاركاً في استقبال هؤلاء اللاجئين والإشراف على حمايتهم.

2.بين الوجاهة والمسؤولية
لم يكن حكمت الحراكي مجرد ابن لأسرة ثرية، بل نشأ وهو يدرك أن مكانة أسرته تفرض عليها مسؤوليات تجاه المدينة وأهلها. ولذلك، عندما بدأت الدولة العثمانية بالانهيار، كان مؤهلاً للانتقال سريعاً إلى العمل العام، مستفيداً من مكانته الاجتماعية وتعليمه وعلاقاته.
وسرعان ما وجد نفسه في قلب الأحداث الكبرى التي شهدتها سورية بعد عام 1918، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته ستقوده إلى المؤتمر السوري العام، والمشاركة في وضع أول دستور سوري، ثم إلى البرلمان والوزارة.

3.حكمت الحراكي من معرة النعمان إلى المؤتمر السوري العام وصياغة أول دستور

ا. نهاية العهد العثماني وبداية العهد العربي
بعد انسحاب القوات العثمانية من سورية سنة 1918، دخل الجيش العربي بقيادة الأمير فيصل بن الحسين إلى دمشق، ووجد في مدن الداخل السوري شخصيات محلية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية. وكانت معرة النعمان من المدن التي لعبت فيها أسرة الحراكي دوراً بارزاً، إذ استقبل سامي بك الحراكي وشقيقه حكمت بك الحراكي قادة الجيش العربي، ومن بينهم نوري السعيد، في منزل الأسرة التاريخي.
وعُهد إلى سامي بك إدارة شؤون المنطقة، لكن وفاته المبكرة عن عمر 33 سنة جعلت مسؤولية الزعامة تنتقل إلى شقيقه حكمت، الذي وجد نفسه أمام مرحلة تاريخية دقيقة.
ب- انتخابه عضواً في المؤتمر السوري العام
انتخب حكمت الحراكي نائباً عن معرة النعمان في المؤتمر السوري العام الذي عقد جلساته في دمشق ابتداءً من حزيران 1919.
وكان المؤتمر يضم نخبة من رجال سورية وبلاد الشام، من أبرزهم:
هاشم الأتاسي من حمص.
سعد الله الجابري من حلب.
إبراهيم هنانو من حلب.
عبد الرحمن الكيالي من حلب.
محمد عزة دروزة من نابلس.
تاج الدين الحسيني من دمشق.
صبحي بركات من أنطاكية.
عبد الرحمن اليوسف من دمشق.
محمد فوزي العظم من دمشق.
أمين الحسيني من القدس.
وكان هؤلاء يمثلون تياراً وطنياً يسعى إلى إقامة دولة سورية مستقلة ذات نظام دستوري.
ج- لجنة إعداد الدستور
في 10 آذار 1920 اختار المؤتمر لجنة لوضع دستور المملكة السورية العربية.
وكان من الأسماء المؤكدة في هذه اللجنة:
هاشم الأتاسي.
وصفي الأتاسي.
سعد الله الجابري.
حكمت الحراكي.
اصافة الى ثلاثة اسماء اخرى لم اعثر عليها.
وقد أنجزت اللجنة دستوراً يعد من أهم الوثائق السياسية السورية المبكرة، وأُعلن في تموز 1920 قبل معركة ميسلون بأيام قليلة.
ج- أهمية وجود حكمت الحراكي في لجنة الدستور
إن وجود رجل من معرة النعمان في هذه اللجنة يدل على أن التمثيل لم يكن مقتصراً على أبناء المدن الكبرى، بل شمل شخصيات من المدن والأقضية التي كان لها وزن اجتماعي وسياسي.
فقد جمع حكمت بين:
مكانة الأسرة.
الخبرة الإدارية التي اكتسبها من العهد العثماني.
التعليم في الأستانة.
القدرة على التواصل مع مختلف القوى السياسية.
وهذه العوامل جعلته أحد رجال المرحلة الانتقالية بين الدولة العثمانية والدولة السورية الناشئة.

د.حكمت الحراكي نائب معرة النعمان ربع قرن في الحياة السياسية السورية

لم تكن مشاركة حكمت الحراكي في المؤتمر السوري العام سنة 1919 حدثاً عابراً في حياته، بل كانت بداية مسيرة سياسية امتدت أكثر من ربع قرن، جعلته أحد أبرز نواب سورية في النصف الأول من القرن العشرين، وأحد الوجوه التي مثلت ناحية معرة النعمان في المحافل السياسية الوطنية.

ه‍ -نائب عن معرة النعمان في زمن التحولات
بعد تجربة المؤتمر السوري العام وسقوط المملكة السورية العربية عقب معركة ميسلون سنة 1920، دخلت سورية مرحلة جديدة تحت الانتداب الفرنسي. وفي هذه المرحلة حافظ حكمت الحراكي على حضوره السياسي، واستمر في تمثيل معرة النعمان في المجالس النيابية المتعاقبة.
وتشير المصادر إلى أنه بقي نائباً عن مدينته من عام 1920 حتى عام 1945، وهي فترة طويلة شهدت أحداثاً كبرى:
فرض الانتداب الفرنسي.
الثورة السورية الكبرى 1925-1927.
الحياة الدستورية المتقطعة.
إضراب الستين يوماً سنة 1936.
معاهدة الاستقلال السورية الفرنسية.
الحرب العالمية الثانية.
بداية الاستقلال.
وخلال هذه السنوات كان حكمت الحراكي يمثل نموذج الزعيم المحلي الذي يجمع بين النفوذ الاجتماعي والعمل السياسي.

و.علاقته بالانتداب الفرنسي
كان موقف الزعامات السورية في عهد الانتداب معقداً؛ فلم يكن الجميع يسيرون في اتجاه واحد، فبعضهم اختار المواجهة المسلحة، وبعضهم اختار العمل السياسي من داخل المؤسسات التي أنشأها الفرنسيون.
أما حكمت الحراكي فقد حافظ على خط وطني عام، معتمداً على العمل النيابي والمطالبة بحقوق السوريين. وتذكر الروايات المحلية أنه دعم الثورة ضد الفرنسيين بالمال والسلاح، وخاصة ثورة جبل الزاوية،
في كل الاحوال هنالك اسماء افراد من المعرة شاركوا في ثورة هنانو منهم عمر الابرش ومحمد حبابة وغيرهم.
كما ان حكمت الحراكي قد آوى عام 1921 قائم مقام ادلب محمد عمر افيوني الذي انضم الى ثورة هنانو وكان معه في معركة مكسر الحصان عندما غطى على انسحاب هنانو وحيدا جنوبا باتجاه شرقي الاردن وهو ناوش الفرنسيين متجها شمالا في المنطقة الواقعة الى الشرق من صوران ومورك وصولا الى المعرة.

ن-معركة باب النهر ودعم المقاومة الوطنية
من أبرز ما يُروى عن دوره الوطني مساهمته في تجهيز حملة من أبناء معرة النعمان شاركت في مقاومة الفرنسيين في منطقة حماة، ولا سيما معركة باب النهر سنة 1945.
وتذكر الروايات أن الحملة ضمت أكثر من مئتي مقاتل مجهزين بالسلاح، وأن نفقات تجهيزها كانت على حساب حكمت الحراكي، وكان من قادتها عدد من رجال آل الحراكي، منهم طالب بك الحراكي.

4..من نائب مستقل إلى رجل دولة
لم ينتم حكمت الحراكي – بحسب ما هو متوفر من معلومات – إلى حزب سياسي بالمعنى التنظيمي، بل كان أقرب إلى نموذج النائب المستقل ذي النفوذ الاجتماعي، وهو نموذج كان شائعاً في الحياة السياسية السورية قبل انتشار الأحزاب الجماهيرية.
وكان نفوذه قائماً على عدة عوامل:
مكانة أسرته التاريخية.
امتلاكه أراضي واسعة.
علاقاته مع زعماء المدن السورية.
قدرته على الوساطة وحل المشكلات.
وهذه الصفات جعلته قريباً من مختلف التيارات السياسية، مع احتفاظه باستقلاليته.
5.علاقاته برجال الدولة السورية
عمل حكمت الحراكي خلال هذه المرحلة مع عدد كبير من رجالات سورية الذين أصبحوا لاحقاً رؤساء حكومات أو رؤساء جمهورية، ومنهم:
هاشم الأتاسي.
سعد الله الجابري.
شكري القوتلي.
تاج الدين الحسني.
جميل الإلشي.
حسني البرازي.
وكانت هذه العلاقات ثمرة مشاركته المبكرة في المؤتمر السوري العام، إضافة إلى موقعه كنائب قديم يمثل منطقة مهمة في شمال سورية.

6.نهاية المرحلة النيابية
مع وصول سورية إلى الاستقلال سنة 1946 دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة، بدأ فيها نفوذ الزعامات التقليدية يتغير تدريجياً أمام صعود الأحزاب والجيش والتيارات الأيديولوجية.
وبحلول منتصف الأربعينات كان حكمت الحراكي قد بلغ مرحلة من الخبرة السياسية جعلته ينتقل من موقع النائب إلى موقع رجل الدولة، حيث تولى الوزارة ثلاث مرات في حكومات متتالية.

7.الوزير الذي حمل مسؤولية الإعاشة والتموين في زمن الأزمات

بعد أكثر من عشرين عاماً من العمل النيابي، أصبح حكمت الحراكي واحداً من رجال الدولة المعروفين في سورية، ولم يعد يمثل معرة النعمان فقط، بل أصبح جزءاً من الطبقة السياسية التي أدارت البلاد في مرحلة الانتقال من الانتداب الفرنسي إلى الاستقلال.
وقد جاءت أهم مسؤولياته التنفيذية عندما تولى حقيبة الإعاشة والتموين في ثلاث حكومات متتالية خلال عهد رئيس الجمهورية تاج الدين الحسني، وهي فترة كانت من أصعب مراحل تاريخ سورية بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية.
وزارة الإعاشة والتموين: مسؤولية في زمن الحرب
تولى حكمت الحراكي وزارة الإعاشة والتموين في:
وزارة حسن الحكيم (1941-1942 تقريباً).
وزارة حسني البرازي (1942-1943).
وزارة جميل الإلشي (1943-1944).
وكانت وزارة الإعاشة في ذلك الزمن من أخطر الوزارات، لأن سورية كانت تعاني من نقص المواد الغذائية.وصعوبات النقل والتجارة بسبب الحرب.

8.تدخل سلطات الانتداب في الاقتصاد.
ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية.
وكان الوزير مسؤولاً عن تأمين القمح والطحين والمواد الضرورية وتوزيعها، وهي مهمة تحتاج إلى قدرة إدارية وعلاقات واسعة مع المناطق الزراعية.
موقفه من قضية لبنان
من المواقف التي اشتهرت عن حكمت الحراكي خلال توليه الوزارة موقفه الإنساني تجاه لبنان، إذ تنقل المصادر عنه قوله:
“إذا بقي عندي رغيف خبز، فوالله لا بد أن أقسمه إلى قسمين، نصفه للسوريين والنصف الآخر للبنانيين.”
ويعكس هذا القول طبيعة المرحلة التي كان فيها كثير من رجال السياسة السوريين ينظرون إلى سورية ولبنان بوصفهما جزءاً من فضاء تاريخي واحد، خاصة في ظل الخلافات التي رافقت سلخ لبنان عن سورية الكبرى خلال فترة الانتداب.

8.الأزمة السياسية مع حسني البرازي
من الروايات السياسية الشهيرة المنسوبة إلى حكمت الحراكي دوره في حل أزمة تشكيل حكومة حسني البرازي.
وتقول الرواية إن الرئيس تاج الدين الحسني كان يريد تكليف حسني البرازي بتشكيل الحكومة، لكنه كان يخشى من قوة شخصية البرازي واستقلال رأيه، فكان الحل الذي اقترحه حكمت الحراكي أن يوافق البرازي على تقديم استقالة غير مؤرخة، بحيث تبقى ورقة دستورية يمكن استخدامها عند حدوث الخلاف.
وبالفعل حدث خلاف لاحق بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، وانتهى الأمر باستقالة البرازي وتشكيل حكومة جديدة برئاسة جميل الإلشي.
الصورة التي كانت لدى معاصريه عنه: رجل سياسي هادئ، يعرف موازين القوى، ويجيد المناورة بين الشخصيات المتنافسة.

9.رجل الاقتصاد والمشاريع الوطنية
لم يكن اهتمام حكمت الحراكي مقتصراً على السياسة، بل شارك أيضاً في مشاريع اقتصادية سورية، وتذكر المصادر مساهمته في تأسيس:
شركة لصناعة الإسمنت.
شركة لصناعة السكر.
وهذا يعكس توجهاً كان موجوداً لدى عدد من رجال الدولة في تلك الفترة، وهو بناء قاعدة صناعية وطنية بعد عقود من اعتماد البلاد على الزراعة والتجارة التقليدية.

10.أملاكه الزراعية والإصلاح الزراعي
كانت أسرة الحراكي من كبار ملاك الأراضي في منطقة معرة النعمان، وقد ورث حكمت مع إخوته مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في قرى عديدة، منها:
الطامة.
المشيرفة.
حزارين.
وكان نفوذ الأسرة الاقتصادي أحد مصادر قوتها الاجتماعية والسياسية.
لكن هذا الوضع تغير جذرياً بعد صدور قوانين الإصلاح الزراعي في عهد الوحدة السورية المصرية سنة 1958، حيث صودرت مساحات كبيرة من أراضي كبار الملاكين.
وتذكر الروايات العائلية أن حكمت الحراكي تقبل الأمر رغم صعوبته، ولم يدخل في مواجهة سياسية حادة مع الدولة الجديدة.

11.حكمت الحراكي
الزعامة والكرم والإرث: من بيت المعرة إلى ذاكرة سورية

لا تكتمل صورة رجل سياسي من دون العودة إلى الجانب الإنساني في حياته؛ فالمناصب والانتخابات والوزارات تسجل جزءاً من تاريخ الرجل، لكنها لا تكشف وحدها مكانته في مجتمعه. وحكمت الحراكي كان من أولئك الرجال الذين تجاوز نفوذهم حدود الوظيفة الرسمية، إذ ارتبط اسمه ببيت كبير مفتوح للسياسة والأدب والضيافة.

12.منزل آل الحراكي: دار الزعامة والضيافة
كان منزل آل الحراكي في معرة النعمان من البيوت التاريخية المهمة في المدينة، وهو بناء عثماني قديم يتميز بفن العمارة الشامية التقليدية، ويضم أقساماً للحرملك والسلاملك وساحات داخلية وإيوانات حجرية.
ولم يكن هذا البيت مجرد مسكن لعائلة ثرية، بل كان مركزاً اجتماعياً وسياسياً شهد لقاءات مهمة في تاريخ سورية الحديثة.
فبعد دخول الجيش العربي إلى سورية سنة 1918 استقبل البيت قادة الثورة العربية، ومنهم قادة الجيش العربي الذين زاروا المعرة نوري السعيد مثلا
ثم أصبح في الأربعينات ملتقى للسياسيين والمثقفين، فزارته شخصيات سورية وعربية بارزة.

13.مهرجان الألفية لأبي العلاء المعري سنة 1945
كان من أبرز الأحداث التي ارتبط فيها اسم حكمت الحراكي مهرجان مرور ألف عام على وفاة أبي العلاء المعري سنة 1945.
فقد كانت معرة النعمان في ذلك العام محط أنظار سورية والعالم العربي، إذ شارك في الاحتفال عدد كبير من الأدباء والمفكرين، وكان في مقدمتهم:
الدكتور طه حسين.
الشاعر محمد مهدي الجواهري.
الشاعر بدوي الجبل.
ناظم القدسي.
عدد من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق.
وتذكر شهادات الدكتور جميل صليبا والمؤرخ محمد سليم الجندي أن حكمت الحراكي كان في مقدمة مستقبلي الوفود، وأنه أقام لهم مأدبة كبيرة في منزله، تركت انطباعاً عميقاً لدى الضيوف.
وقد وصف محمد سليم الجندي إعجاب الوفد بحفاوة أهل المعرة وكرم استقبالهم، مشيراً إلى أن دار حكمت الحراكي كانت من أبرز محطات ذلك اليوم التاريخي.

14.دعم الحركة الوطنية
يرتبط اسم حكمت الحراكي أيضاً بدعم النشاط الوطني ضد الاحتلال الفرنسي.
ومن أشهر الروايات المتعلقة بذلك مساهمته في تجهيز حملة من أبناء معرة النعمان للمشاركة في مقاومة الفرنسيين في حماة، ولا سيما في معركة باب النهر سنة 1945.
وتذكر الروايات أن الحملة كانت كبيرة العدد ومجهزة بالسلاح، وأن نفقات تجهيزها جاءت من ماله الخاص.
وهذا من أهم الشواهد على انتقال بعض الزعامات المحلية من دور الوساطة السياسية إلى المشاركة المباشرة في العمل الوطني.
15.بين الإقطاع والزعامة الاجتماعية
مثل كثير من كبار ملاكي سورية في تلك المرحلة، تعرض حكمت الحراكي لاحقاً للنقد بسبب ملكيته الواسعة للأراضي.
فقد كانت الأسرة تمتلك مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، وهو أمر كان جزءاً من النظام الاجتماعي والاقتصادي السائد في العهد العثماني وما بعده.
لكن أنصاره يرون أنه لم يكن مجرد مالك أرض، بل كان يقوم بدور اجتماعي تقليدي، وأن علاقته بالفلاحين والعاملين في أراضيه كانت تقوم – بحسب شهادات معاصريه – على الرعاية والمساعدة.
والتقييم التاريخي المنصف يحتاج إلى النظر إلى شخصيته ضمن ظروف عصره، لا وفق معايير اقتصادية واجتماعية ظهرت لاحقاً.

17.السنوات الأخيرة والوفاة
بعد خروجه من العمل السياسي المباشر في مطلع الخمسينات، عاش حكمت الحراكي بعيداً عن الأضواء.
وتغيرت مكانة الأسر التقليدية بعد قيام الجمهورية الجديدة وصعود الأحزاب والجيش وتطبيق الإصلاح الزراعي.
ومع ذلك بقي اسمه مرتبطاً بمعرة النعمان، وبقيت صورته في ذاكرة كثير من أبناء المنطقة باعتباره آخر كبار الزعامات التقليدية في المدينة.
توفي حكمت الحراكي سنة 1969، بعد حياة امتدت قرابة ثمانية عقود، شهد خلالها نهاية الدولة العثمانية، وقيام المملكة السورية العربية، والانتداب الفرنسي، والاستقلال، وبدايات التحولات الكبرى في سورية الحديثة.

18.خاتمة
كان حكمت الحراكي ابن مرحلة انتقالية في تاريخ سورية؛ مرحلة خرجت فيها البلاد من الحكم العثماني وهي تبحث عن شكل الدولة الحديثة.
فهو لم يكن ثورياً مسلحاً مثل إبراهيم هنانو، ولا زعيماً حزبياً مثل شكري القوتلي، لكنه كان نموذجاً آخر من رجال ذلك العصر: الزعيم المحلي الذي انتقل إلى المجال الوطني، وجمع بين المكانة الاجتماعية والعمل الدستوري والخدمة العامة.
وقد تختلف الآراء حول بعض جوانب تجربته، لكن لا خلاف على أن اسمه يمثل صفحة مهمة من تاريخ معرة النعمان وسورية في القرن العشرين.

أخر المقالات

منكم وإليكم