السر الذي يخفيه غبار “الريغوليث” (Regolith)!
لو نظرت إلى صور رواد الفضاء على سطح القمر، ستلاحظ شيئاً غريباً: العالم هناك يبدو كأنه فيلم أبيض وأسود قديم! تربة رمادية كئيبة، وصخور باهتة تمتد حتى الأفق.
في المقابل، لو نظرت تحت قدميك على كوكب الأرض، ستجد تربة بنية داكنة، أو رمالاً صفراء، أو صخوراً حمراء نابضة بالحياة.
لماذا هذا الاختلاف الجذري؟ لماذا لم يكتسِ القمر باللون البني كالأرض؟
الجواب يكمن في كلمتين اختصرتا تاريخ الكوكبين: الأكسجين.. والحياة!
1. كوكب الصدأ مقابل عالم العذرية:
اللون البني أو الأحمر الذي يكسو معظم أتربة الأرض وصخورها يعود إلى “أكاسيد الحديد” (الصدأ). الأرض مليئة بالأكسجين والمياه السائلة، وعندما يتفاعلان مع الحديد في الصخور، يصبغانها بلون الصدأ البني الدافئ.
أما القمر؟ فهو عالم بلا غلاف جوي، بلا أكسجين حر، وبلا قطرة ماء سائلة. الحديد هناك يظل في حالته البدائية العذراء دون أكسدة، والحديد غير المؤكسد لونه رمادي داكن!
2. غياب “بصمة الحياة”:
التربة البنية الصالحة للزراعة على الأرض تستمد لونها الداكن من “الدبال” (Humus)، وهي المواد العضوية الناتجة عن تحلل النباتات، أوراق الأشجار، والكائنات الحية عبر ملايين السنين.
القمر، لكونه عالماً ميتاً لم يعرف الحياة قط، لا يحتوي غباره على أي مادة عضوية. تربته (التي يطلق عليها العلماء اسم الريغوليث) هي مجرد حطام صخري نقي ونتاج مطاحن النيازك التي ضربته لمليارات السنين.
لوحة رمادية من نوعين:
ينقسم الرمادي على القمر إلى درجتين بسببهما نرى “وجه رجل القمر” الشهير:
المناطق الفاتحة (المرتفعات): صخور “الأنورثوسيت” الغنية بالألومنيوم والسيليكا، وهي التي تعكس ضوء الشمس وتعطي القمر بريقه الأبيض في ليلنا.
المناطق الداكنة (البحار القمرية): صخور “البازلت” البركانية الغنية بالحديد والمغنيسيوم، وهي حمم بركانية قديمة تجمدت وصارت رمادية داكنة كالفحم.
مفاجأة برتقالية في الصحراء الرمادية!
في رحلة أبولو 17، ذهل العالم بالتقاط رائد الفضاء وعالم الجيولوجيا “هاريسون شميت” لتربة برتقالية صارخة وسط الرماد القمري! تبين لاحقاً أنها ليست صدأً، بل “زجاج بركاني” تلون بالتيتانيوم نتيجة ثورات بركانية قذفت الحمم في الفضاء قبل 3.6 مليار سنة!
الخلاصة:
الأرض بنية لأنها كوكب حي، يتنفس الأكسجين ويشرب الماء. أما القمر فهو رمادي لأنه “متحف كوني مغلق”، يحفظ صخوره كما ولدت أول مرة في فجر النظام الشمسي دون أن تلمسها نسمة هواء أو قطرة ماء.
# مجلة إيليت فوتو آرت


