بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
ليست الرواية التونسية مجرّد جنسٍ أدبي وُلِدَ على هامش التحولات، بل هي ثمرة وعيٍ تاريخي تشكّل في رحم الأسئلة الكبرى: سؤال الهوية، وسؤال الحرية، وسؤال العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الذاكرة والحداثة. لقد جاءت الرواية في تونس بوصفها كتابةً للقلق، وترجمةً للتمزّق، ومحاولةً دائمة لإعادة سرد الذات في زمنٍ يتبدّل أكثر مما يُفهم.
أولًا: البدايات – حين تعلّمت الحكاية أن تفكّر.
تعود البدايات الجادّة للرواية التونسية إلى منتصف القرن العشرين، في سياق وطني مشحون بالصراع ضد الاستعمار، وبالسعي إلى بناء الدولة الحديثة. كانت الرواية في تلك اللحظة أداة وعي قبل أن تكون أداة جمال.
من الأسماء المؤسسة:
١_ محمود المسعدي: صاحب رواية “حدّث أبو هريرة قال”، حيث مزج الفلسفة بالتراث، وجعل الرواية فضاءً للتأمل الوجودي والقلق الإنساني.
٢_ البشير خريف: في روايته الشهيرة “الدقلة في عراجينها” كتب الريف التونسي من الداخل، وكشف بنية السلطة والعلاقات الاجتماعية في زمن التحوّل.
هذه المرحلة جعلت الرواية:
ابنة السؤال الوطني،
ولسان التحوّل من الجماعة إلى الفرد، ومن الأسطورة إلى التاريخ.
ثانياً: الرواية والهوية – كتابة الذات في مرآة المجتمع.
مع السبعينيات والثمانينيات، بدأت الرواية التونسية تتخفف من الخطاب المباشر، وتدخل في تعقيد النفس الإنسانية. صار السرد:
أقل شعاراتية، أكثر توغّلًا في الداخل.
برزت أسماء مثل:
١_ حسونة المصباحي
٢_ الحبيب السالمي
٣_ كمال الرياحي
٤_ شكري المبخوت صاحب رواية “الطلياني” التي قدّمت سردًا سياسيًا–اجتماعيًا لجيلٍ ممزق بين الإيديولوجيا والجسد والسلطة.
الرواية هنا لم تعد تحكي “ما حدث”، بل:
كيف تشكّل الوعي بما حدث،
وكيف يتكسّر الإنسان داخل تاريخه الشخصي والجماعي.
ثالثاً: الروائيات التونسيات – حين تكتب الأنثى ذاتها والعالم.
لم تكن المرأة في الرواية التونسية مجرّد موضوع، بل أصبحت صوتاً ورؤيةً ومشروع كتابة.
من أبرز الأسماء:
١_ فوزية زواري: كتبت المنفى والهوية والمرأة العربية في فضاء كوني.
٢_ أميرة غنيم: في روايتها “نازلة دار الأكابر” أعادت كتابة التاريخ من زاوية المهمّشين، وجعلت الذاكرة ساحة صراع سردي.
أسماء أخرى أسهمت في ترسيخ الصوت النسوي بوصفه خطابًا وجوديًا لا بيولوجياً.
الرواية النسوية التونسية لم تكن:
صرخة ضد الرجل فقط، بل:
مساءلة للسلطة، وللجسد، وللذاكرة،
وللصورة النمطية للمرأة والرجل معاً.
رابعاً: أهم الروايات وأدوارها
من الروايات المفصلية:
حدّث أبو هريرة قال – محمود المسعدي
رواية فلسفية عن القلق والمعنى والحرية.
الدقلة في عراجينها – البشير خريف
رواية اجتماعية تكشف بنية الريف والسلطة والوعي الطبقي.
الطلياني – شكري المبخوت
رواية سياسية–نفسية ترصد تحوّل المثقف، وصراع الجسد والفكر.
نازلة دار الأكابر – أميرة غنيم
رواية الذاكرة والتاريخ من منظور أنثوي وطبقي.
أدوار هذه الروايات:
١_ فضح المسكوت عنه،
٢_ إعادة كتابة التاريخ من الأسفل،
٣_ مساءلة المقدّس السياسي والاجتماعي،
٤_ الدفاع عن الفرد ضد القطيع.
خامساً: أهداف الرواية التونسية
الرواية التونسية لم تكتب للزينة، بل:
١_ لتفكيك السلطة.
٢_ لتحرير الوعي من الأسطورة السياسية.
٣_ لإعادة الاعتبار للهامش.
٤_ لطرح سؤال: من نحن؟ وكيف صرنا ما نحن عليه؟
هي رواية:
تقاوم النسيان،
وتشكّك في اليقين،
وتفتح الجرح لكي لا يتعفّن.
سادساً: أنطولوجيا مختصرة للرواية التونسية وروائييها
الروائيون:
محمود المسعدي
البشير خريف
حسونة المصباحي
الحبيب السالمي
شكري المبخوت
كمال الرياحي
الروائيات:
فوزية زواري
أميرة غنيم
أصوات نسوية أخرى تتشكل في العقود الأخيرة
الموضوعات الكبرى:
الهوية والاغتراب
السلطة والسياسة
الجسد والرغبة
الذاكرة والتاريخ
المنفى واللغة
خاتمة:
الرواية التونسية ليست سجلًّا للأحداث، بل سجلًّا للوعي وهو يتشكّل، وينكسر، ويعيد بناء نفسه. هي كتابة ضد الصمت، وضد الرواية الرسمية، وضد الإنسان المعلّب. إنها فنّ السؤال لا فنّ الجواب، ومرآة القلق في زمنٍ لا يطمئن.


