الروائي العراقي: ناجح صالح..سيرةُ قلمٍ لم يعرف التقاعد.. وُلد في بعقوبة عام 1941م.

ناجح صالح..
مقدمه.
سيرةُ قلمٍ لم يعرف التقاعد
هناك شخصياتٌ لا تُقاس أعمارها بالسنوات، بل بما تتركه من أثرٍ في ذاكرة الثقافة والإنسان. ومن هذه الشخصيات الأديب والكاتب العراقي ناجح صالح، تلك الشخصية الفذّة الطموحة التي ظلّت، وما تزال، ترفد المسيرة الأدبية بالعطاء، وتؤكد أن شغف المعرفة لا تحدّه السنون، وأن القلم الحقيقي لا يعرف التقاعد.
وفي مسيرته الطويلة يتجسد معنى الحكمة التي تقول: «اطلب العلم من المهد إلى اللحد»؛ فقد بدأت رحلته بالكتاب، ولم تنتهِ عند حدود العمر، بل ظل قارئًا وكاتبًا وناقدًا وباحثًا، يحمل همَّ الإنسان والوطن والمجتمع، ويحوّل تجاربه وذكرياته ومشاهداته إلى نصوص تنبض بالحياة.
من بعقوبة بدأت الحكاية
وُلد ناجح صالح في بعقوبة عام 1941، ونشأ فيها، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي، وفي سنواته الأولى بدأت علاقته بالكتاب، فكانت القراءة نافذته إلى عوالم أبعد من حدود المكان، ثم تحولت تلك العلاقة مع الزمن إلى مشروع ثقافي رافقه طوال حياته.
وفي عام 1959 التحق بكلية الآداب – جامعة بغداد، قسم علم الاجتماع، وهناك بدأت مرحلة جديدة في تكوينه الفكري والثقافي، وتتلمذ على نخبة من الأساتذة، وفي مقدمتهم عالم الاجتماع العراقي المعروف الدكتور علي الوردي، إلى جانب الدكتور غوث الأنصاري والدكتور حاتم الكعبي.
ولم تكن دراسة علم الاجتماع بالنسبة إليه تخصصًا أكاديميًا فحسب، بل أصبحت عدسةً ينظر من خلالها إلى الإنسان والمجتمع، وانعكس أثرها لاحقًا في قصصه ورواياته ومقالاته وقراءاته النقدية.
حين تقود القراءة إلى الكتابة
قرأ ناجح صالح بشغف أعمال كبار الأدباء العرب والعالميين؛ من المنفلوطي وطه حسين ونجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله، إلى تولستوي وديكنز وإميل زولا وبلزاك وشكسبير وأرنست همنغواي وغيرهم.
وكان نجيب محفوظ من أكثر الأدباء حضورًا في تجربته، فلم يكتفِ بقراءة أعماله، بل كتب عنها دراسات وقراءات نقدية، متوقفًا عند عالم الحارة والشخصيات الشعبية والبيئة الاجتماعية والصراع بين الظلم والعدل.
وهكذا لم تكن القراءة عنده ترفًا ثقافيًا، بل كانت مدرسةً طويلة؛ يقرأ فيها التجربة، ويفكك الشخصيات، ويتأمل الأفكار، ثم يعود إلى قلمه ليصنع صوته الخاص.
البدايات في بغداد
بدأ ناجح صالح الكتابة والنشر في بغداد منذ عام 1961، وهو ما يزال طالبًا جامعيًا، فكتب القصة القصيرة والمقالة والنقد الأدبي، وتابع الحركة الثقافية والأدبية التي كانت بغداد تعيشها آنذاك.
وبعد تخرجه عُيّن مدرسًا في كركوك عام 1963/1964، وظلت الكتابة رفيقة عمله وحياته، فنشر في عدد من الصحف والمجلات، ومنها القلعة، ترجمان، تركمان إيلي، مجلة الإخاء، وجريدة الزمان وغيرها.
سنواتٌ على الرف.. ثم عودةٌ إلى الضوء
مرت على تجربته سنوات لم تكن فيها ظروف النشر ميسّرة، فبقيت بعض أعماله حبيسة الرفوف، لكن الكاتب لم يضع القلم جانبًا.
كتب رواية «اليوميات وساعة الصفر»، التي بدأت فصولها الأولى عام 1965، ثم عاد إليها عام 1990 فأعاد بناءها في صورة يوميات مرتبطة بالتواريخ والأحداث السياسية، كما كتب رواية «الظلال الوارفة» عام 1991.
وظلت الروايتان تنتظران طريقهما إلى القارئ سنوات طويلة، حتى صدرت «الظلال الوارفة» عام 2011، ثم «اليوميات وساعة الصفر» عام 2012.
وهنا تكمن إحدى أبرز ملامح تجربة ناجح صالح: قد يتأخر الكتاب عن الوصول إلى القارئ، لكن الفكرة الحقيقية لا تموت.
«اليوميات وساعة الصفر».. التاريخ حين يرتدي قلب الإنسان
تتحرك أحداث الرواية بين 14 تموز 1958 و14 رمضان 1963، وتمزج بين السياسة والمجتمع والعاطفة والسيرة الشخصية.
لم يتعامل الكاتب مع التاريخ بوصفه أرقامًا وأحداثًا جامدة، وإنما حاول أن يستعيد الإنسان المختبئ خلف الحدث التاريخي؛ الإنسان الذي يحب ويخاف ويحلم ويخسر ويعيد النظر في مواقفه.
وتتداخل في الرواية بعض ملامح سيرته الذاتية، وتظهر شخصيات مستوحاة من أشخاص عرفهم، ومن أفراد أسرته وأصدقائه وبعض أساتذته.
وكان موقفه من ثورة 14 تموز متحركًا مع ما رآه من تحولات وأحداث؛ فالحماس والأمل في بداياتها اصطدما لاحقًا، بحسب روايته، بما شهده من صراعات وسفك للدماء وتمزق للوطن، فجاء العمل شهادةً أدبية على مرحلة عاشها وعايش آثارها.
وقد حظيت الرواية بقراءات نقدية من عدد من الكتاب والباحثين، بينهم شمس الأصيل العابد، هدى حبيب، الدكتور ظاهر شوكت، وزهرة الصفاء، وتوقفت تلك القراءات عند بعدها الإنساني والفني وقدرتها على المزج بين الذاكرة والتاريخ والوجدان.
«الظلال الوارفة».. ذاكرة المكان والإنسان
أما «الظلال الوارفة»، فقد حملت جانبًا آخر من تجربته، فاستحضرت الإنسان والبيئة والعلاقات الاجتماعية والعاطفية، واستعادت أجواء القرية والمدرسة والأسرة والحب والتقاليد والفراق والموت وفقد الأب.
وقد تناولتها الكاتبة المصرية هدى حبيب بقراءة نقدية أشادت فيها بقدرة الرواية على استعادة المكان والطبيعة والذاكرة، وعلى نقل القارئ إلى عالم الشخصيات وأجوائها الإنسانية.
القصة.. وجع العراق في مساحة قصيرة
كانت القصة القصيرة من البدايات الأساسية في تجربته، ومنها «لقاء في الغربة» التي حصلت على المرتبة الأولى في القصة القصيرة، و**«الضحية»** التي حصلت على المرتبة الثانية في سياق مرتبط بجريدة «تركمان إيلي» في كركوك.
وكتب قصصًا أخرى اقترب فيها من الواقع العراقي، ومن وجع العنف والاغتيالات والفقد، ومن حكايات الأرامل والأيتام والعائلات التي تركت الأحداث في أرواحها ندوبًا لا تزول، إلى جانب القصص الإنسانية والعاطفية.
المرأة.. والإنسان أولًا
وفي مجموعته «امرأة في دوامة» اقترب من قضية المرأة ومعاناتها، متناولًا صورة امرأة تواجه الظلم والإساءة داخل حياتها الزوجية.
ولم يكن انحيازه إلى المرأة قائمًا على صراع بين الرجل والمرأة، بل على إيمانه بأن الأدب في جوهره أدب الإنسان، وأن التحرر الحقيقي يبدأ بتحرير الإنسان من الجهل والتخلف والقيود الجائرة، أيًا كان جنسه.
الناقد الذي جعل من الأدب سؤالًا
إلى جانب القصة والرواية، ظل النقد الأدبي حاضرًا في تجربته، ومن أبرز كتبه «الأدب في سنوات مجده» عام 2016، الذي ضم قراءات في أدباء عرب وعالميين، منهم دوستوفسكي، وإميل زولا، وشكسبير، والعقاد، وطه حسين، وإحسان عبد القدوس، ومحمد عبد الحليم عبد الله وغيرهم.
ومن قراءاته المهمة «عالم الزقاق في روايات نجيب محفوظ»، و**«أرنست همنغواي الأديب المغامر»، و«قراءة في أدب تولستوي»، فضلًا عن قراءته لكتاب «وعاظ السلاطين» للدكتور علي الوردي، الذي كان أستاذه في كلية الآداب بجامعة بغداد.
وهكذا أصبح النقد عنده امتدادًا طبيعيًا للإبداع، لا نشاطًا منفصلًا عنه؛ فهو يقرأ الأدب ليقرأ الإنسان، ويقرأ الإنسان ليقرأ المجتمع.
مؤلفات تجاوزت السنوات
ترك ناجح صالح وراءه رصيدًا أدبيًا متنوعًا، ومن مؤلفاته:
الظلال الوارفة – 2011
زوبعة في الزقاق – 2012
اليوميات وساعة الصفر – 2012
البحث عن الحقيقة – 2013
امرأة في دوامة – 2014
تأملات عابرة – 2014
في انتظار الربيع – 2015
الأدب في سنوات مجده – 2016
على هامش الزمن الجميل – 2017
أحسن القصص – 2018
في حضن الأيام – 2019
حديث قلم – 2020
تغريدات خارج السرب – 2021
الطريق إلى الكتاب – 2022
في أحضان الحلم – 2023
حينما تتساقط الأحلام – 2024
همسات وجدانية – 2025
سبعة عشر عنوانًا، تمتد على سنوات متلاحقة، لتؤكد أن الرجل لم يكن يكتب كتابًا فحسب، بل كان يبني أرشيفًا أدبيًا من عمره وتجربته وذاكرته.
حين خرج الكتاب من الورق إلى الصوت والصورة
ولأن محدودية التوزيع كانت تحول دون وصول كتبه إلى شريحة واسعة من القراء، ابتكر وسائل أخرى للتواصل معهم، فقدم 12 تسجيلًا ومقطعًا مرئيًا عرّف فيها بكتبه ومضامينها، كما شارك في 8 حلقات إذاعية مع «إذاعة عرب نيوز» تناول خلالها مؤلفاته، حلقةً بعد أخرى.
وهنا لم يعد الكتاب ينتظر قارئه على الرف، بل ذهب الكاتب بنفسه إلى القارئ.
الوطن.. الحاضر الأكبر في الكتابة
ظل العراق حاضرًا بقوة في كتاباته؛ عراقُ الأمس الذي عرفه مزدهرًا في العلم والثقافة والاقتصاد، وعراقُ التحولات والأزمات التي عاشها عبر عقود.
كما امتد اهتمامه إلى الوطن العربي وقضاياه وتحولاته، فكانت المقالة عنده مساحةً للتعبير عن الألم والأمل، وعن الحنين إلى وطن أكثر عدلًا وأمانًا وازدهارًا.
وحين فقد الإنسان شريكة العمر.. صار القلم مرآة للوجع
وفي السنوات الأخيرة اتخذت كتابته منحى وجدانيًا أكثر عمقًا بعد رحيل زوجته في رمضان عام 2025، فكتب عن الفقد والحنين والوحدة، ومن ذلك نص «دموع قلم» و
«عن الفقد أتحدث»**.
هنا لم يعد القلم يروي حكايات الآخرين فقط، بل أصبح يتحدث عن جرح الكاتب نفسه؛ عن الغياب حين يتحول إلى حضور دائم في الذاكرة، وعن الإنسان حين يحاول أن يحول ألمه إلى كلمات.
ناجح صالح.. القلم الذي لم يتقاعد
إن سيرة ناجح صالح ليست مجرد قائمة كتب أو تواريخ نشر، وإنما هي رحلة عمر مع المعرفة والكلمة؛ بدأت بطفلٍ شغوف بالقراءة في بعقوبة، ثم طالبٍ في كلية الآداب ببغداد، فكاتبٍ وصحفي وناقد وروائي وقاص، وصولًا إلى أديب ما زال يحمل قلمه ويكتب ويقرأ ويبحث ويتأمل.
لقد امتدت تجربته أكثر من ستة عقود، تنقل خلالها بين القصة والرواية والمقالة والنقد والفكر والسيرة والكتابة الوجدانية، وظل وفيًا لفكرة واحدة: أن الأدب ليس ترفًا، بل مسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع والوطن.
ولعل أجمل ما يمكن أن تختصر به هذه المسيرة أن ناجح صالح لم يسمح للعمر أن يضع حدًا لطموحه، ولا للظروف أن تطفئ شغفه، ولا للكتب التي تأخرت في الوصول إلى القارئ أن تفقد قيمتها؛ فظل القلم رفيق دربه، وظلت المعرفة طريقه، وظلت الكتابة بالنسبة إليه رحلةً لا محطة أخيرة لها.
ناجح صالح.. أديبٌ عراقي آمن بأن الكتاب قد يتأخر، لكن الكلمة الصادقة تبقى، وأن العمر قد يمضي، أما شغف المعرفة فلا عمر له.
اعداد
غني العواد
أعلام من بلادي

أخر المقالات

منكم وإليكم