الرسام الايطالي فيتوريو ريجانيني . مازج بين نعومة الحرير وبلاغة الالوان كعلاقة جدلية دائمة الدفء.

فيتوريو ريجانيني.. الرسام الذي جعل الحرير يتكلم
جماليات الضوء وبلاغة الأقمشة في ذاكرة الرسم الإيطالي

ثمة رسامون يرسمون الإنسان، وآخرون يرسمون الأشياء التي تحيط به، لكن الفنان الإيطالي فيتوريو ريجانيني (Vittorio Reggianini) استطاع أن يجعل العلاقة بين الإنسان وما يرتديه موضوعاً جمالياً قائماً بذاته. فالحرير في لوحاته ليس مجرد ثوب، والضوء ليس وسيلة لإظهار الأشكال، بل يدخل الاثنان في حوار بصري تتولد منه الأناقة، وتنكشف عبره أسرار التكوين والمهارة التقنية.

ولد ريجانيني في مدينة مودينا الإيطالية عام 1858، وتلقى تعليمه الفني على يد أنطونيو سيموناتسي وغايتانو كابيلي. بدأ تجربته برسم الطبيعة الصامتة والموضوعات التاريخية، ثم انتقل عام 1885 إلى فلورنسا، حيث اتجه إلى تصوير المشاهد الاجتماعية داخل القصور والصالونات الأنيقة، وأصبح معروفاً بدقته الاستثنائية في رسم الأقمشة والأثاث. وتذكر المراجع الفنية الإيطالية وفاته في روما عام 1939. 

تقدم لوحته «المساء» مثالاً واضحاً على خصوصية تجربته. تجتمع أربع نساء في فضاء داخلي تسيطر عليه الألوان الرقيقة والزخارف الهادئة. تتوزع الأجساد على الأريكة والمقاعد في تكوين متوازن، فيما تتحول الأثواب إلى مساحات ضوئية تتدرج بين الوردي والفضي والذهبي. وتظهر آلة موسيقية في المشهد، فتمنح اللقاء إيحاءً بالأنس والموسيقى، وتترك للمشاهد تخيل الحديث الذي يجمع الشخصيات. 

تكمن براعة ريجانيني في فهمه لطبيعة المادة. فهو لا يرسم الحرير بالطريقة نفسها التي يعالج بها الخشب أو بشرة الإنسان؛ لكل سطح استجابته الخاصة للضوء. وتوحي طريقته في توزيع اللمعان والظلال بإدراك دقيق لاتجاه النسيج وشكل الثنيات، حتى يكاد المتلقي يشعر بملمس الأقمشة.

ينتمي الفنان إلى تقاليد الرسم التشخيصي الأوروبي في القرن التاسع عشر، مع اهتمام خاص بمشاهد الحياة الاجتماعية التاريخية. غير أن فضاءاته المترفة لا ينبغي قراءتها باعتبارها وثائق حرفية لحياة الأرستقراطية، فهي تتضمن قدراً من التخيل وإعادة بناء الماضي وفق الذائقة الفنية والاجتماعية لعصره.

وفي أعماله الأخرى، مثل «الرسالة» و«الخاطب»، يتجاوز اهتمامه تسجيل الأناقة الخارجية إلى تصوير العلاقات الإنسانية العابرة؛ نظرة مترددة، أو ابتسامة خجولة، أو انتظار رسالة. إنها أحداث صغيرة، لكنها تمنح مشاهده طابعاً سردياً يتجاوز مهارته في رسم التفاصيل. 

ومن الناحية التقنية، يعتمد الفنان على بناء تشخيصي محكم، وانتقالات لونية دقيقة، وتوزيع مدروس لمناطق الضوء والظل. كما تكشف أعماله عن قدرته على معالجة الخامات المختلفة دون الإخلال بوحدة التكوين. وتتجلى مهارته في جعل الثنيات جزءاً من حركة المشهد، وفي تحقيق الانسجام بين الألوان الرقيقة والانعكاسات المضيئة.

ورغم ما تحمله لوحاته من مظاهر الترف، فإن قيمتها الفنية لا تقتصر على تصوير حياة الطبقات الميسورة، بل تمتد إلى دراسة العلاقة بين الضوء واللون والمادة، وإلى قدرته على استخراج حكاية بصرية من التفاصيل اليومية.

لقد ترك ريجانيني تجربة تمنحنا فرصة لتأمل أحد وجوه الرسم الإيطالي في القرن التاسع عشر، وتذكّرنا بأن التفاصيل التي تبدو ثانوية قد تتحول، بين يدي الفنان المتمكن، إلى جوهر العمل التشكيلي كله.

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت .

أخر المقالات

منكم وإليكم