الدكتورة عزة آقبيق حين تتحوّل الذاكرة إلى مدينةٍ تمشي بين السطور
في دمشق… حيث لا يشيخ الحجر، بل يزداد حكمة، تنهض أسماءٌ قليلة كأنها خُلقت لتقاوم النسيان، لتُمسك بخيوط الزمن قبل أن تتفلت من بين أصابع التاريخ. هناك، في ذلك الفضاء الذي تتعانق فيه الأزمنة، تقف عزّة علي آقبيق لا ككاتبةٍ عابرة، بل كحارسةٍ صامتة لبوابة الذاكرة، تنصت لما همس به الماضي، وتعيد روايته بلغةٍ تشبه الحنين حين يصبح فنًا.
ليست كتاباتها مجرد نصوصٍ تُقرأ… بل أقواسٌ زمنية تُفتح، يُطلّ منها القارئ على وجوهٍ غابت، وأصواتٍ خافتة، وحكاياتٍ نامت طويلًا في ظلال الأزقة الدمشقية. في كل سطر، هناك أثرُ خطوةٍ قديمة، وفي كل سيرة، نبضُ إنسانٍ عاد للحياة، ولو على الورق.
تمضي آقبيق في مشروعها التوثيقي كما يمضي الناسك في طريقه، بهدوءٍ مهيب، وبإصرارٍ لا يصرخ لكنه يُراكم. لا تبحث عن ضوء الكاميرات، بل عن ضوء الحقيقة حين يتسرّب من بين السطور. تكتب لتُعيد ترتيب الفوضى الجميلة التي خلّفها الزمن، وتُمسك بأسماءٍ كادت أن تنطفئ، فتُعيد إشعالها بالحبر.
في صفحاتها، لا تظهر الشخصيات كعناوين جامدة، بل كأرواحٍ تنبض من جديد؛ كأن التاريخ نفسه يستيقظ ويجلس إلى الطاولة ليحكي. تمرّ شخصيات مثل نهاد قلعي وغيرها، لا بوصفها ماضياً منتهيًا، بل كحضورٍ حيّ، يعيد تشكيل الذاكرة الجمعية، ويمنحها ملامح إنسانية دافئة.
أسلوبها لا يكتفي بالتوثيق، بل ينسج نوعًا من الفانتازيا الهادئة؛ فالتاريخ في نصوصها لا يسير في خط مستقيم، بل يتلوّن، يتنفس، ويستعيد نبضه. هي لا تكتب عن الأشخاص فقط، بل تعيد لهم أماكنهم في الوعي، كأنها تزرعهم من جديد في تربة الحاضر.
ورغم أن اسمها لا يملأ المنصات الرقمية الكبرى، إلا أن أثرها يمتد في عمقٍ آخر… في تلك المساحات الصامتة التي لا تقاس بعدد المشاهدات، بل بقدرة النص على أن يبقى، وأن يُحكى، وأن يُستعاد.
تنتمي الكاتبة إلى ذلك الطيف الدمشقي العتيق الذي يعرف كيف يُصغي للحجر، ويقرأ في صمت الجدران ما لا يُقال. دمشق بالنسبة لها ليست مدينة، بل ذاكرةٌ حيّة، وحكايةٌ لا تنتهي، ومسؤوليةٌ أخلاقية تجاه الذين مرّوا وتركوا أثرًا يستحق أن يُحفظ.
إن ما تفعله عزة آقبيق ليس مجرد كتابة… بل هو فعل مقاومة ناعم ضد النسيان. هي لا تُدوّن التاريخ فقط، بل تُنقذه، تُنقّيه من الغبار، وتمنحه حياةً ثانية، أكثر هدوءًا، وأكثر عمقًا، وأكثر صدقًا.
وفي زمنٍ تتساقط فيه الأسماء كما تتساقط أوراق الخريف، تبقى آقبيق كمن يلتقط تلك الأوراق قبل أن تلامس الأرض، ويعيد زرعها في كتاب… لتُزهر من جديد، وتهمس لنا:
التاريخ ليس ما مضى… بل ما نستطيع أن نتذكره، ونحبه، ونحمله معنا دون أن نفقده.
……………………………….
المصادر:
- موقع “التاريخ السوري المعاصر” (syrmhcom) – مقالات د. عزة علي آقبيق
- أرشيف السير الثقافية والفنية السورية المنشورة
- إشارات تاريخية عامة إلى البيئة الدمشقية وثقافة التوثيق المحلي
تحرير : #سوريات_Souriat


