الدكتور : إدريس الكنبوري..يعمل تصفية لمكتبته الخاصة.ويعزل 8000 كتابا من الخدمة.من أصل ما يناهز 35 ألف كتاب بمختلف اللغات.

قضيت هذا الأسبوع كله في إعادة تنظيم مكتبتي المنزلية الخاصة والتخلص من الآلاف من الكتب حيث أحصيت ما يزيد على 8000 كتابا بالعربية والفرنسية والإنجليزية والاسبانية تخلصت منها. أكثر من أربعين عاما قضيتها في عشق الكتب وجمعها من جميع المدن والبلدان التي زرتها، حتى تحصل عندي ما يناهز 35 ألف كتاب بمختلف اللغات بما فيها العبرية التي أتهجاها.
وجدت في المكتبة أول كتاب اشتريته في حياتي وهو “في الأدب الجاهلي” لطه حسين عام 1981 حين حصلت على شهادة الخامسة ابتدائي، يحمل تاريخ ومكان شرائه، منذ ذلك التاريخ لم تنقطع علاقتي بالكتب والمكتبات.
اليوم وأنا أقترب من الستين إن شاء الله قررت غربلة المكتبة وطرد الكتب التي كنت أقبل عليها أيام وأنا تلميذ ثم طالب ثم كاتب ومؤلف، كتب في الفكر والثقافة والسياسة والأدب والتاريخ أصبحت بالنسبة لي متجاوزة بأفكارها وأصحابها، قسم منها يعود إلى أيام الموضة الثقافية والايديولوجيات الميتة، وقسم آخر لم أعد أحب أن أراه في بيتي، وقسم ثالث لم تعد إليه بي حاجة، وقررت الاحتفاظ فقط بالكتب ذات القيمة العلمية التي هي ضوء البيت.
محبة الكتب لا يمكن انتزاعها، ورغم أننا في زمن الإنترنت حيث الكتب بالملايين مجانا إلا أن علاقتي بالورق لم تتغير.
لقد قررت التبرع بهذه الكتب لمكتبات الإعداديات والثانويات مساهمة في خدمة التلاميذ والتلميذات وتربيتهم على القراءة، وكم كنت سعيدا أمس حين سلمت عددا منها إلى مدير إحدى المؤسسات الذي ابتهج للهدية، وكان طلبي الوحيد أن يبقى اسمي على الكتب حتى أظفر يوما بمن يترحم علي وعلى والدي.
لقد اكتشفت أن المؤسسات التربوية تفتقد إلى مكتبات، وبعض هذه المكتبات ليس لها من المكتبة إلا الاسم، وهذه مناسبة أدعو فيها المثقفين إلى التبرع بكمية من كتبهم التي لم تعد بهم إليها حاجة خدمة لأبناء هذا البلد.
لقد تعلمنا القراءة وحرفة الكتب أيام أن كانت الكتب هي التسلية الوحيدة، ولم يكن هناك إنترنت ولا فضائيات ولا مهرجانات، تعلمناها بفضل جيل راق وضعنا على السكة وعلينا أن نرد الجميل للجيل الجديد. في الإعدادي والثانوي تعلمنا القراءة على يد اليساريين الذين كانوا يؤمنون بالمعرفة ويحلمون بالثورة، حتى تحول اليسار اليوم إلى قوقعة فارغة، ثم تعلمنا على يد الإسلاميين الذين كانوا يؤمنون بالمعرفة ويحلمون بالخلافة، حتى أصبحوا اليوم مجرد كائنات انتخابية، ولم يعد أحد يحلم اليوم في المغرب، فالجميع مستيقظ وينتظر، ونأمل أن يتحقق لهذا البلد باليقظة ما لم يتحقق له بالحلم.
وإن الخلاصة التي خرجت بها بعد كل هذا العمر أن هذا البلد ليس بلد ثقافة ولا معرفة، ولا يعطي أي اعتبار للمثقف بل يقدم الفاسدين ويؤخر الفضلاء، وأن المثقف طالما لا يعمل من أجل أمته ولوجه الله فهو محروم.
وأنا أتخلص من هذا العدد الكبير من كتبي، لا أملك إلا أن أقول لها: وداعا سيدتي، وإلى غير لقاء.

أخر المقالات

منكم وإليكم