الدكتورة صفية انطون سعادة ،وقصتها الطريفة مع طنجرة البريستو.

طنجرة “البريستو”

الدكتورة صفية انطون سعادة

     في بدايات الخمسينات من القرن الماضي، لم يكن شكل المطبخ شبيهاً لما هو الحال في يومنا هذا في مدن المشرق العربي.

أعمال ومهام كثيرة لها علاقة بالمطبخ انقرضت مع دخول الآلات الكهربائية فيما بعد. فالثلاجة كانت عبارة عن صندوق نخزّن فيه الثلج الذي توزعه شاحنة بشكل يومي، فنضع الفواكه والخضار واللحوم فوق الثلج للحفاظ على نضارتها. أما الطبخ، فكان يعتمد على بائع الكاز الذي كان يعبئ لنا بابور الكاز، فنسمع صوته في الشارع ينادي: كاز، كاز وهو ممسك بحصانه الذي يجرّ خزاناً مليئاً بهذه المادة الحيوية.
وعلى ذكر الغسّالة، فهي لم تكن آلة بل سيدة تأتي مرة في الأسبوع ومهمتها غلي وغسل ما نجمعه لها، ثم نشره على سطح البناية المكونة من ثلاث طبقات فقط لأن المصاعد لم تكن موجودة آنذاك في دمشق. أما الطناجر فكان المبيّض يمر علينا بين الفينة والأخرى لتنظيفها وإعادة رونقها.

وفي يوم من تلك الأيام، زارتنا سيدة آتية من بيروت، وارتأت ان تجلب لنا هدية مفيدة، فتحلّقنا حولها حين بدأت بفتح العلبة الضخمة، وظهرت لنا طنجرة غريبة لم نرَ مثلها من قبل، واخبرتنا أن هذه الطنجرة عجائبية لأنها تستطيع أن تطهو أصعب الأطعمة في وقت قصير جداً. و”البريستو” هذا أصبح حديث الحي، وارتفعت بسببه أسهم وضعنا الاجتماعي.

وفي أحد الأيام طرقت الباب جارتنا التي تعيش في الطابق الثاني، وهي تحمل وعاءً مليئاً بالغمّة والكروش وتمنّت على والدتي أن تسمح لها باستعمال “البريستو” لأن وقت الغذاء قد حان، والضيوف ينتظرون، والكروش بحاجة إلى وقت طويل كي تستوي.

رحّبت والدتي بالجارة وأدخلتها المطبخ، ووضعت الغمّة والكروش في البريستو، والجارة تتابع كل حركة، وكأنها طقس من الطقوس الدينية. وبعد انقضاء نصف ساعة أطفأت مدبرة المنزل النار، فسارعت الجارة إلى فتح غطاء “البريستو”، ولم تنتظر الوقت الكافي لتخفيف الضغط، فتدفّق الماء الحارق على رجلي مدبّرة المنزل المسكينة، وأخذتها والدتي إلى المستشفى لمعالجتها من الحروق.بعد هذه الحادثة، تغيّرت نظرة سكّان الحي، واعتبروا “البريستو” آلة مشؤومة.

#طنجرة البريستو# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم