الحرمل السوري مابين الطبيعة ومثيولوجيا المكانة الشعبية له

رحلة في عالم “الحرمل السوري” بين العلم والميثولوجيامنذ فجر التاريخ، والطبيعة السورية تبوح بأسرارها لمن يتقن الإنصات إليها. ومن بين كل النباتات التي نبتت في هذه الأرض المباركة، لم تحظَ نبتة بالهالة الأسطورية والغموض الذي حظي به “الحرمل السوري” (Peganum harmala). هذه النبتة البرية الصلبة التي تتحدى جفاف البادية وصخور الجبال، ليست مجرد عُشب ينمو في الخرائب، بل هي “مفتاح طقسي” عَبَرَ الأجيال وتغلغل في عمق الموروث الشعبي والروحاني لبلاد الشام.ماهو الحرمل السوري؟ (عناد الطبيعة البرية)الحرمل هو نبات عشبي مُعمّر، يتميز بأوراقه الخضراء الدقيقة والمفصصة، وأزهاره البيضاء المصفرة التي تتحول في نهاية الصيف إلى كبسولات كروية صغيرة. داخل هذه الكبسولات يكمن السر: بذور سوداء مثلثة الشكل، شديدة المرارة، وتحمل تركيزاً كيميائياً وروحانياً خارقاً.المثير في الحرمل أنه نبات “حر”؛ لا يزرعه الفلاحون في حقولهم لأنه يرفض القيد، وينمو بغزارة في الأراضي البور، وحواف الطرقات، وأعماق البادية السورية. كما أن المواشي تتحاشى قضم أوراقه بسبب رائحته النفاذة وطعمه المر، مما جعله ينمو بأمان كحارس صامت للمكان.في عالم الروحانيات: درع الأمهات وأسطورة “المَلك الحارس”في الموروث الشعبي السوري، لا يُعامل الحرمل كنبات، بل ككائن ذي سلطة روحية وقدرة على التطهير. لقد ارتبط بـ “عالم الغيبيات” والتحصين عبر طقوس توارثتها الجدات:بخور غروب الجمعة: في الثقافة الشامية، يُعتبر وقت غروب الشمس (خاصة يوم الجمعة) وقتاً لانتقال الطاقة. هنا، تدور الأم بـ “المجمرة” (مبخرة الفحم) في أركان البيت، وتلقي بقبضة من بذور الحرمل، ليخرج دخان كثيف ذو رائحة ترابية مميزة، يطرد “الطاقة السلبية” ويعيد السلام للمنزل.طارد العين والحسد: يعتقد الوجدان الشعبي أن لدخان الحرمل قدرة خارقة على إبطال السحر، وفك عقد “العين والنفس”. فإذا بكى طفل بلا سبب، أو أصاب الخمول أفراد البيت، يكون الحرمل هو الملاذ الأول بعبارة شهيرة: “حرملنا العيون، وطردنا المحزون”.تحتفظ الذاكرة الريفية بقول مأثور يرفع من شأن النبتة: “في كل حبة حرمل مَلك يحرسها حتى تنبت”، وهو ما يفسر الاحترام الشديد الذي تكنه الجدات لهذه البذور السوداء.الصيدلية السرية: الطب الشعبي ومحاذير الجرعةإلى جانب الروحانيات، استخدم العطارون القدامى الحرمل في “الطب البديل”. فبذوره تُستخدم مسحوقة أو مغلية بجرعات بالغة الدقة لعلاج ألم المفاصل، وتسكين المغص المعوي، وطرد الديدان.ولكن، لمرارة طعمه وقوة مفعوله، كان يُقال عنه في الريف السوري: “الحرمل.. شعرة بين الشفاء والسم”. فالجدات يعرفن فطرياً أن استخدام الحرمل هو استخدام خارجي عبر التبخير فقط، وأن بلع بذوره أو شربها بجرعات خاطئة قد يؤدي إلى الهلوسة والسمية الشديدة.ما وراء السحر: ماذا يقول العلم الحديث؟حين أخذ العلماء بذور الحرمل السوري إلى المختبرات، أصيبوا بالذهول؛ فالأساطير الروحانية لم تأتِ من فراغ!مركبات الدماغ: تحتوي البذور على قلويدات قوية مثل Harmine) و (Harmaline. هذه المواد تعمل كمثبطات طبيعية لإنزيمات الأكسدة في الدماغ، مما يؤدي إلى تأثير مهدئ قوي جداً، يزيل القلق والتوتر ويجلب الاسترخاء النفسي. وهذا يفسر علمياً لِمَ يشعر أفراد البيت بالراحة والهدوء النفسي بعد عملية “التبخير”.معقم طبيعي للهواء: أثبتت الدراسات أن الدخان المتصاعد من حرق الحرمل يحتوي على مركبات طيارة تقتل البكتيريا والميكروبات العالقة في الهواء. الفلاح القديم كان يعتقد أنه يطرد الشياطين، بينما كان في الواقع يطهر منزله من الفيروسات!الحرمل السوري هو همزة الوصل بين ما نراه وما لا نراه. إنه إرث أرضٍ صلبة، يختزل في رائحة دخانه حكايات الجدات، وخوف الأمهات على أطفالهن، وحكمة الأجداد الذين عرفوا كيف يستخلصون من قسوة البادية سراً يجلب السكينة للأرواح والبيوت.(تنويه طبي: نبات الحرمل يحتوي على مركبات شديدة الفعالية؛ لذا يجب الاكتفاء باستخدامه كبخور خارجي وتجنب تناوله تماماً دون إشراف طبي متخصص)المصدر :دراسة مجلة نيتشر العالمية (Nature – Communications Biology): دراسة أثرية ومخبرية حديثة حللت بقايا المركبات العضوية في واحات المنطقة، وأثبتت بالدليل الكيميائي استخدام نبات الحرمل كبخور وتطهير (Fumigation) لأغراض علاجية وحسية منذ العصر الحديدي، نظراً لخصائصه المضادة للميكروبات والبكتيريا المحمولة في الجو.#سوريات_souriatفادي الناقولا..#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم