الهجرات اليمينية إلى المغرب العربي عربته قبل الفتوحات الإسلامية المباركة بسبعة عشر قرنا
… … … … عبد العزيز بنعبد الله
… … … عضو أكاديمية المملكة المغربية والمجامع العربية
إن الجزيرة العربية انطلاقا من الربع الخالي اليميني إلى الشام هي منبثق الحضارات العربية التي كيفت أقاليم الهلال الخصيب وما وراءه اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ولذلك يمكن القول بأن العرب البائدة الأرامية التي ترجع إلى إرم بن سام بن نوح ومنهم قبائل إبراهيم الخليل هم العرب الأصليون الذين وضعوا لجميع الشعوب العربية لغتهم العربية الأم وقد
(1/6859)
نزحوا حوالي أوائل الألف الثانية قبل الميلاد إلى جنوب العراق واستقروا في المناطق بابل وارتباط الخليل بجزيرة العرب وبالحجاز (أي بيت الله العتيق) لم يرد في القرآن وحده بل أبرزته الكشوف الأثرية واللسانيات المقارنة حول الهجرات العربية .
وقد اعتمدنا في دراستنا هذه على المصادر الإنجليزية خاصة والعربية عامة. ويرى المؤرخون العرب أن الأراميين من أصل واحد مع العرب البائدة أو العرب العاربة ويؤكد ذلك ما ورد من أن الملك الأشوري أسرحدون (668-625 ق.م.) يشير في كتاباته إلى أن حزائيل ملك العريبي أي العرب جاء
(1/6860)
خاضعا إلى نينوي(1) وحزائل اسم أرامي وقد ذكر الدكتور هوميل أن الأراميين والعرب من عنصر واحد(2).
وبخصوص اللغة الكنعانية (الفينيقية) ذكر ابن خلدون ج 1 , ص. 58 ط. مصر 1936) أن إبراهيم الخليل عليه السلام تزوج بعد سارة بقنطورة بنت يقطان الكنغانية فولدت له ستة
(1) Rogers, Cuneiform Parallels …, p. 353
(2) كتاب التقاليد العربية القديمة، F. Hommel, The Ancien Hebrew Tradition, p. 202 ولاحظ كروهمان أيضا في بحثه عن تاريخ العرب أن الأراميين هم أسلاف العرب (دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الجديدة، ص. 524).
(1/6861)
أولاد منهم يقشان الذي من نسله جيل البربر وقد انتقل البربر من جنوب فلسطين عن طريق مصر حوالي 1300 ق.م. ثم تتابعت الجاليات التي منها الفراعنة من الاستيطان بمصر حسب يوسف بن عبد البر القرطبي وفي عام 1095 ق.م. أجلى طالوت (وهو شاوول الذي باركه نبي الله صمويل كأول ملك لبني إسرائيل بعد عصر القضاة) الكنعانيين عن فلسطين وأخرج من بقي منهم بها نبي الله داود عام 1055 ق.م. وفي عام 1215 ق.م. انتصر الإسرائليون على الكنعانيين بفلسطين زأجلوهم فانتقل بعضهم إلى فينيقسة ومنها إلى إفريقية حيث التحقوا بإخوانهم
(1/6862)
الأقدمين عن طريق برزج السوس صحبة مصريين فروا من الاضطرابات السياسية بمصر آنذاك فكونوا الجيل الفينيقي العربي ومنهم فريق كنعاني مر بإيطاليا وصقلية فصحبهم إلى إفريقيا ……
وقد تغلغلت اللغة الآرامية فيما بين النهرين وفارس ووادي النيل وآسيا الصغرى
وشمال جزيرة العرب حتى الحجاز وبقيت اللغة الرسمية طوال قرون قبل الميلاد في بابل
وآشور وفارس ومصر والشام وبها كتب الإنجيل على الأرجع وقد قامت الآرامية محل
الكنعانية وظلت اللغة السائدة في القرن السابع ق.م. حيث أخذت العربية تحل
محلها وعزز الأستاذ دايرنجر(1) هذه النظرية مؤكدا سيادة اللغة الآرامية من مصر إلى آسيا الصغرى إلى الهند وقد أبرز كروهمان علاقة الأراميين وقبائل “العبيرو” بالعرب
(1) D. Diringer, The Alphabet, 1943, p. 253
(1/6865)
قائلا :
ومن المؤكد أن العنصر البدوي في شبه جزيرة العرب هو على الأرجح مصطلح مرادف مع تسمية آرام وعبيرو وخبيرو وجد في الأصل في المنطقة التي تمتد بين سورية وبلاد ما بين النهرين والتي تعد أقدم مركز للعرب(1) .
وكانت القبائل العربية التي نزحت من الجزيرة العربية تتكلم كلها لغة واحدة هي العربية الأصلية التي تفرعت إلى لهجات احتفظت بخصائصها وسميت باللهجات أو اللغات السامية تمييزا لها عن اللغات الآرية والطورانية ومن مميزات اللغة
(1) Grohmann, « The Arabs », The Encyclopedia if ISLAM, New Ed, p. 525
(1/6866)
العربية أصولها الثلاثية الأحرف واشتقاقها الناتج عن مجرد تغيير الحركات.
ولم يعد هنالك ريب بعد الحفريات والكشوف الأثرية أن عنصر إبراهيم الخليل وهو بداية الألاف الرابعة قبل العصر الحاضر (القرن التاسع عشر قبل الميلاد) هو عصر عربي لغتة هي السامية العربية الأم فقد انبثق الجفاف الشديد الذي اكتسح شبه جزيرة العرب عن سلسة من الهجرات نقلت الكنعانيين والفنيقيين والعمورين العمالقة منذ أزيد من ألف عام قبل عصر الخليل وقد لخص الدكتور أحمد سوسة(1)
(1) وفي كتابه العرب واليهود في التاريخ (طبعة وزارة الإعلام العراقية، 1972)
(1/6867)
هذه المعطيات مبرزا تفرعات اللغة العربية الأم إلى لهجات قسمها السنيون إلى مجموعات هي العربية الغربية بعناصرها الكنغانية والفينيقية والمؤابية والعبرانية والسامية الغربية الشمالية (العمورية والأرامية) والسامية الشرقية (الأكدية البابلية والأشورية) وأخيرا لهجات جنوبي الجزيرة العربية وهي المعينية والسيئة والأثيوبية والعربية والأمهرية والذي يدل دلالة واضحة في نظر الكثير من خبراء اللغة واللسانيات على أن العربية هي اللغة الأصلية أي لغة بدو الجزيرة العربية مازالت إلى الآن أقرب كل اللهجات
(1/6868)
المذكورة إلى اللغة العربية الأم.
وتعتبر هجرة الأكديين نحو الفرات في العراق أقدم هجرة من هجرات الساميين العرب الذين انتقلوا من الجزيرة العربية إلى ضفاف الفرات وقد نزحت جماعات أخرى من جزيرة العرب إلى وادي النيل في حدود الألف الرابعة قبل الميلاد ويقال بأنها حملت معها حضارة أرقى من حضارة مصر وهي التي جاءت بفن التحنيط والكتابة الهروغليفية(1) التي يكون أصلها أيضا عربيا مثل الكتابة الكنعانية وعمموا لغتهم مطبوعة بالطابع العربي كما يتجلى ذلك …. يتبع
(1) الدكتور محمد عزة دروزة، تاريخ الجنس العربي، ج. 1، ص. 26.
(1/6869 # الاطلس# مجلة ايليت فوتو ارت.


