الجزء الثاني من دراسه تحليلية نقدية على عدة اجزاء ل سمية الاسماعيل ،لرواية “فهل كنت نذلا” لحبيبة المحرزي من تونس.

“قذف أستاذه بفردة حذائه الرث، عندما طلب منه مغادرة القسم، لأنه لم يدفع مقابل دروس التدارك، مدة شهرين. كان فقيراً.”ص 14-15″أزداد ضآلة وخوفاً. غريب أمري. هذا الإحساس ولد للتو عندي.” ص 16👈تعريف البؤس والعجز السوسيولوجي:يضع البطل تعريفاً سوسيولوجياً للبؤس، يربطه بالعجز عن حماية الذات والأسرة في مجتمع غير عادل:”للبؤس درجات، أولها أن تظل عاجزاً عن حماية أهلك ونفسك، وثانيها أن تخذلك من همت بحبها، لتهوي بك إلى وضعيات الضعف والمهانة والعجز.” ص119″أنا الذي لم أكن أريد إلا أن أكون إنساناً عادياً، يسكن حياً باسم جميل، كالبساتين والواحات والرياض… الأسماء الجميلة المتفائلة، لا تكلفهم شيئاً.” ص163إنها بنية سوسيولوجية مهترئة، حيث يجد الفرد نفسه محاصراً بفقره، ومنبوذاً من الفضاءات “المنمقة” التي يشعر أنها ليست من “طينته”، مما يمهد الطريق لقرار “الحرقة” كفعل احتجاجي أو يائس ضد هذه العدالة المفقودة. 3. المحور الفني /الاستهلال والمفارقة/: تبدأ الرواية باعتراف صادم ومواجهة مع القارئ “أعلم أنكم ستلعنونني”، وهو تكنيك سردي يهدف إلى توريط المتلقي في محاكمة أخلاقية للبطل، ثم تبدأ المفارقة في كشف المبررات الإنسانية خلف تلك الأفعال.”يقول أبو الطيب المتنبي لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل أعلم أنّكم ستلعنونني، ستسبّونني بكّلّ الطّرق وبكّلّ اللّغات وستتّفّون على وجهي، إن صادفتكم” ص 7 “…كنت متفّوّقا، خاصّة في الّرّياضيّات والفيزياء. كانوا ينادونني » المخ« هذه التّسمية عشّمتني في أن أكون من أفضل أبناء الحّي، وأحسن من أبناء خالي وعّمّتي.قد أكون محاسبا أو أستاذا أو موّظفا، أقبض مرّتّبا،…””… تتفق أو تختلف مع ما جنيته من أفعال، ستبدو لكم مشينة حقيرة، وفق تصنيفاتكم التي تختلف حتما مع قناعتي بأنّني لم أرد سوءا بأحد، وإنّما انتقمت لكرامتي.”و أيضًا…”أرى أنكم بدأتم في تصنيفي ضمن الوقحين القاسين. أعرف أنّني مازلت بعيدا، مازلت لم أقترب بعد من شعبة الأنذال، لأنّ النّذالة الحقيقية العميقة، تحتاج شهادة تضاهي الشهادات الجامعيّة العليا.تحتاج عدّة صفات مجتمعة، تحتاج التّضلّع في الكذب والطّمع والحوف، والأهمّ من كلّ ذلك الاستغلال والانتهازيّة. ما زال الطّريق طويلا. لا نتسرعوا في الحكم علي، بتصنيف يبدو مهينا، لكنّه مرضيّ بالنّسبة إليّ، بل إنّني أراه تشريفا يرفعني ويضمن لي الرّضا عن نفسي المعقّدة المريضة.”ص17 4.محور الهوية والتحول: تستعرض الكاتبة حبيبة تحولات الهوية التي يعيشها بطل الرواية “وسام”، بدءاً من شعوره بالدونية في وطنه، وصولاً إلى فقدان الهوية والاغتراب التام بعد الهجرة. تجلّى ذلك 👈الوعي المبكر بالهوية الطبقية /البداية/: بدأت أزمة الهوية لدى وسام عندما غادر حيه الفقير ليدرس في “معهد قرطاج”، حيث اصطدم بواقع مغاير تماماً لبيئته:”لم أكن أشعر بأنني دون الآخرين من الأقارب والجيران، إلا عندما دخلت هذا المعهد.” ص 12 “فرشت السجاد السحري للغرور والطمع فيما ليس من طينتي ولا من انتمائي.” ص12تعبر الشخصية من هوية “الضحية” المستكينة في “سلم مغشوش” إلى هوية “المستغل” الذي تعلم إدارة الثروة والتخفي وراء الوثائق القانونية والتوكيلات.”…كنت أعيش في سلم مغشوش، تنسج القناعة الصّرفة خيوطه المهترئة. كنت مستكينا راضيا على مضض.””…سنوات، تدّرّبت خلالها على إدارة أعمال شركتها للإيراد والتّصدير، واستخرجت كلّ الوثائق التي تبيح لي التّصّرّف في أملاكها بتوكيل عامّ بسبب مرضهاوعدم قدرتها على التّنّقّل والعمل.””…لكّنّني خرجت منها بموقف حآّدّ ربّما، وهو أَنّ الانسان يتخلّى عن حَرّيّته، ويصبح أوضع من سمكة صغيرة حاصلة في شباك, إذا فقد كرامته.”👈التمزق بين واقعين (قبل الهجرة):يصف “وسام” حالة التذبذب التي عاشها بين انتمائه لبيئته الفقيرة وطموحه للالتحاق بطبقة “الأعيان”:”نظرت حولي. وجدتني في وضع بائس. السّيّارات فحمة. الأحذية الرياضية البيضاء والسّوداء والرّماديّة، تمرّ أمامي وتتعاقب مسرعة. أعدّها. يسرح بصري خلفها. يقفز معها «نايك وريبوك وأديداس وفيلا…) أطفال ينطّون ويجرون فرحين مقهقهين.كيف يستطيعون الدّوس بها على الأرض؟ هي قطْعا بمئات الدّنانير. بعضها مشتراة من أوروبّا أو أمريكا. أولياؤهم أغنياء يجوبون العالم كله. تصوّرتها مركونة في خزانة الأحذية في ركن من أركان أفنيتهم الرّخاميّة.”ص15″أزداد ضآلة وخوفاً. غريب أمري. هذا الإحساس ولد للتو عندي. ربّما لأنّ الحال هناك متشابه. ربّما لأنّ حذاء ابن خالتي زكيّّة وابن عمّّتي محبوبة، لم يكن أفضل من حذائي. ” ص16″”لم أكن راضيا تمام الرّضا عن هذه الخطوة، كنت أحسّ بشيء من الخسّة والأنانيّة، وأنا أرى نفسي أحلّق بعيدا عن أسرتي، وعن أمّي الّتي ضربت موعدا مع الشّقاء والتّعب ألوانا.”ص54-55″أنا الذي لم أكن أريد إلا أن أكون إنساناً عادياً، يسكن حياً باسم جميل، كالبساتين والواحات…” ص163بلغ ذاك الإحساس بالدونيّة دروته في مشهد التعارف في بيت “سيفدة” و كأنها كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، إنها ذروة من ذروات الحبكة، و نقطة تبئير ذات أثر بُنيت على إثرها الأحداث القادمة:”ظلّت سيفدة تنظر إلى الأرض حينا، وإلى أمّي وأختي حينا آخر، وساد صمت ثقيل، لم تقطعه إلاّ وشوشات بين جدّتها وخالتها وأمّها. ثمّ تنجنحت سيفدة وقالت لي محاولة تخفيض صوتها:- وسام، سامحني. لا يمكن أن يلتقي أهلك مع أصدقائي وعائلة vraiment désolée قبل أن أصحو من الصّدمة وجدت أمّها تقول:- يا بنتي، لسنا من نفس المستوى. فضيحة قدّام الأهل والجيران والأصحاب. تمنّيت لو توقّفت أنفاسي في تلك اللّحظة. كلّ شيء حولي انهار فيأة ورأيتني عاريا أرتجف. استفقت على ضجيج مريع، وأمّي تجذبني من رقبة سترتي، تحاول صفعي، وهي تكّز على أَضراسها.ابتعدت عنها، مسرعا نحو باب الحروج، وتبعتني أختي تلغو بالسّبّ والشّتم وأمّي تبكي بحرقة.”ص64👈 الهوية المفقودة بعد “الحرقة”: بعد وصوله إلى الضفة الأخرى عبر الهجرة غير النظامية، يتجلى التحول الجذري في فقدان الكرامة والهوية الشخصية:”إن الإنسان يتخلى عن حريته، ويصبح أوضع من سمكة صغيرة حاصلة في شباك، إذا فقد كرامته.” ص73″شعرت بالعجز والدونية. كنت أشبه بجرذ خرج من المواسير العفنة، هرباً من تدفق مياه الأمطار الموسمية المفاجئة.” ص74قد يدهشنا و قد يخيفنا أن نشهد كيف تحولت هوية البطل من شاب “متفوق” يطمح لمساعدة أهله إلى شخص يشعر بـ”النذالة” والانكسار بعد أن جرفته رياح الحاجة والغربة.”قد أكون محاسبا أو أستاذا أو موظّفا، أقبض مرتّبا، يضمن لي حدّا أدنى من العيش بكرامة، وقد أساعد أهلي على تحسين المسكن الّذي مازالت جدرانه تفتقر إلى الطّلاء، وأرضيّته إلى البلاط، ومطبخه إلى الجصّ وقطعة الرّخام.”ص15و هذا 👈مراحل “التشوه” والتحول النهائي:يصل البطل إلى لحظة إدراك بشاعة التحول الذي طرأ على شخصيته، وهو ما أطلق عليه اسم “مراحل التشوه”:”نظرت في المرآة. شعرت بخجل مقيت. بدوت فيها مشوهاً. بدت لي سلسلة التشوهات كشريط يلاحق بعضه بعضاً… وضعت لها عنواناً «مراحل التشوه».” ص159رابعًا: التقنيات السردية⭐️ما هي التقنيات السردية التي اعتمدت عليها الكاتبة في الرواية؟ هل واجهنا تقنية البطل الأوحد؟ ما شأن الشخصيّات الأخرى من خلال العلائق البينية مع البطل؟تعتمد الكاتبة “حبيبة المحرزي” في رواية “فهل كنت نذلاً؟” على مجموعة من التقنيات السردية التي تخدم الثيمة الأساسية للعمل، وهي رحلة التحول من الانكسار إلى “النذالة” أو الانتقام.أولاً: التقنيات السردية في الرواية1. السرد بضمير المتكلم (الأنا):*اعتمدت الكاتبة أسلوب “الاعتراف”؛ حيث يروي البطل حكايته بنفسه مباشرة إلى القارئ، مما يخلق نوعاً من المواجهة أو المحاكمة الوجدانية.*يبدأ النص بعبارات استهلالية تكسر الجدار الرابع مع القارئ: “أعلم أنكم ستلعنونني… لكي أكون صادقاً معكم… إني فعلاً كنت نذلاً”. 2. الاسترجاع (Flashback)* ينطلق السرد من لحظة زمنية متقدمة-لحظة شعور البطل بنجاحه أو استقراره المادي- ليعود بنا إلى الماضي، مسترجعاً تفاصيل حياته في الحي الشعبي، دراسته في قرطاج، ورحلة “الحرقة”.3. المفارقة الطبقية (Contrast):* توظف الكاتبة تقنية المقارنة السردية لإبراز الفجوة السوسيو-اقتصادية، مثل المقارنة بين حذاء البطل “المذرح” وأحذية طلاب قرطاج “نايك وأديداس”، أو بين روائح البسيسة في منزله وروائح الشواء لدى الجيران الأغنياء.4. المونولوج الداخلي/ تداعي الأفكار):* يكثر البطل من التساؤلات النفسية العميقة التي تعكس صراعه الداخلي وهزيمته الروحية، مثل قوله: “أزداد ضآلة وخوفاً… هذا الإحساس ولد للتو عندي”.ثانياً: هل اعتمدت الكاتبة نظام “البطل الأوحد”؟ نعم، إلى حد كبير ، الرواية تندرج تحت تصنيف “رواية البطل” أو السيرة الروائية الذاتية، وذلك للأسباب التالية:* مركزية الشخصية: تدور الأحداث بالكامل حول “وسام” البطل، فكل الشخصيات الأخرى (الأم، سيفدة، كلارا، الحراق) تظهر من خلال منظوره هو وعلاقتهم بتطوره الشخصي.*وحدة المنظور: نحن لا نرى الأحداث إلا بعيني البطل، ولا نعرف عن مشاعر الشخصيات الأخرى إلا ما يقرره هو أو يفسره لنا، مما يجعل صوته هو المهيمن على الفضاء السردي.*الرحلة الوجدانية: الرواية هي سجل لتحولات بطل واحد من “المخ” المتفوق في حيه، إلى “حراق” تائه في إيطاليا، وصولاً إلى شخصية “النذل” المنتقم. ومع ذلك، تبرز شخصية “سيفدة” وشخصية “الأم” كأقطاب محركة للأحداث، لكنهما يظلان في فلك البطل الأساسي ولا يمتلكان مسارات سردية مستقلة بعيداً عنه.

#المنتدى العربي للنقد المعاصر#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم