الجزء الثالث من دراسه تحليلية نقدية على عدة اجزاء ل سمية الاسماعيل ،لرواية “فهل كنت نذلا” لحبيبة المحرزي من تونس.

في علاقته” وسام” مع سيفدة يقول معترفًا:
“سحبتني ابنة الأكابر خلفها كجرو لا يحسن المشي. أكنت عاشقا أم طمّاعا؟ أكنت عاقّا أم جاحدا؟ لا هذا ولا ذاك. كنت ساقطا. ألم أقل لكم إنّني كنت نذلا؟ لكنّها نذالة صغيرة على الحساب، حتّى أنخرط في النّذالة الكبرى الباتّة.” ص67
إعلان السقوط القيمي لـ “وسام” في مدار “سيفدة”. إنه يثبت أن محركه الأساسي ليس القلب ولا حتى العقل، بل هو انجراف طوعي نحو القاع، واصفاً علاقته بها بأنها أولى خطواته الرسمية في عالم “النذالة” التي اختارها بملء إرادته. و إنها لحظة التنوير الصادمة أو “الاعتراف العاري” من البطل تجاه نفسه وتجاه علاقته بـ “سيفدة”، وهو يعكس فلسفة الرواية في تشريح النفس البشرية حين تسقط في فخ الطبقية والانتهازية.

سيفدة هي “المرآة” التي رأى فيها وسام فقره وبؤسه، وكان خذلانها له- أو شعوره بأنها لن تقبله بوضعه القديم- هو الدافع الأكبر للهجرة والتحول.
“كانت سيفدة تنتمي لعالم آخر… عالم الروائح الجميلة والسيارات الفاخرة، بينما كنت أنا أفوح برائحة العرق وخبز الطابونة.”ص16
تعود له بعد ثرائه في محاولةٍ منها أن تستعيد ما أعرضت عنه سابقًا،
“جاءت متزينة تلبس نفس الفستان الذي رأيتها به أول مرة… كانت تريد أن تذكرني بحبنا. جلست باكية حزينة ترجوني أن أصفح عنها.” ص180
“ارتمت بين أحضاني. استسلمت. نزعتُ فستانها. عرّيتُها كما عرّى ذاك المجرم تلك المرأة السّوداء وكما عرّتني هي أمام أهلي وأمام نفسي. صرختْ نشوة وصرختُ انتقاما.”
تنهي “سيفدة ” حياتها انتحارًا و هي حبلى سفاحًا:
“بعد ثلاثة أشهر تقريبا، وصلتني رسالة من هيام صديقة سيفدة على واتساب تقول لي» إنّ سيفدة انتحرت وهي حامل» ص81

  1. الأم “تركيّة”: شخصية طاردة/جاذبة
    لا يمكن اعتبار شخصية الأم في الرواية مجرد ضحية سلبية، بل هي الشخصية التي تمثل “البوصلة الأخلاقية” التي تذبذبت تحت وطأة الحاجة، ثم انتفضت رفضاً للثمن الباهظ الذي دفعه ابنها-كرامته وإنسانيته-
    سماتها: الكدح، الصبر، والحب غير المشروط. لعبت أدوارًا مختلفة عبر السردية
    👈الأم كمحفز للعلم تارة وللعمل -المادة-تارة أخرى
    عاشت الأم صراعاً بين رغبتها في رؤية ابنها متعلماً “سيد نفسه”، وبين حاجتها الماسة لسد الرمق، فكانت تدفعه تارة للصمود في الدراسة وتارة تشجعه على “تدبير الرأس”:
    كانت ترى في دراسته في معهد قرطاج بوابة للعبور من الفقر، فكانت تبيع خبز الطابونة لتوفير مصاريفه.
    “كانت تعجن الخبز وتبيعه لتوفر لي ثمن الكراس والكتب… وتقول لي: اقرأ يا وسام، العلم هو سلاحك الوحيد لتخرجنا من هذا الحفرة.” ص15
    و في لحظات العجز الشديد، كان صمتها أو تلميحاتها تدفعه للبحث عن المال بأي طريقة، مما شرعن له فكرة تركيز جهده على “المادة” كحل وحيد.
    “كانت عينا أمي تسألني عما جنيته من بيع الخبز قبل أن تسألني عما درسته في المعهد… لم تكن تلومني، بل كان الجوع هو الذي يلومنا معاً.” ص18
    و أيضًا..
    “- وسام، اسمعني ولدي، حالنا ضعيف، وبوك بطّال، وأنا تعبت. و«بالباك» تخدم معلّم، وإلاّ موظّف في شركة، «عيّش ولدي» أنت الكبير وواجب عليك تساعدنا على همّ الزّمان.”ص24
    “- … رؤوف ولد عمّك، لا يقرأ ولا يكتب، صار يلعب بالفلوس لعبا، وفك ضيقة دارهم، وبنى لهم طابقا آخر، بعدما شرى « كميونة» يخدم عليها في الأسواق. القراية باهية، أما حبالها طويلة، ونحن حالنا ضعيف، عيّش ولدي لا تكبّر راسك…”ص25
    👈الأم كرمز للرفض للتشوه والنذالة
    هذا هو التحول الأهم في شخصيتها؛ فبعد أن عاد وسام بالمال والسيارة المرسيدس -رمز الثراء السريع الناتج عن مسارات مشبوهة أو “نذالة” في التعامل-، لم تكن الأم فخورة بذلك الثمن.
    كانت موقفها جليًا في رفض المظاهر الزائفة عندما بدأ وسام يتباهى بسلطته وماله، كانت هي من يذكره بـ “وسام القديم”.
    “نظرت إليّ أمي نظرة لم أفهمها في البداية، لم تفرح بالسيارة الجديدة ولا بالثياب الفاخرة، قالت لي بصوت مخنوق: يا وسام، رائحة خبز الطابونة كانت أطهر من هذه الروائح التي تفوح منك الآن.” ص175
    واجهته بحقيقة أنه فقد روحه في سبيل المادة، وهي اللحظة التي تجسد ذروة المحور السوسيولوجي للرواية.
    “قالت لي: كنت أحلم ببيت نظيف، ولم أحلم بقلب متسخ… لقد صرت غريباً عني يا ابني، هل هذا أنت أم أن البحر قد غسل منك كل مروءتك؟” ص178
    و عندما أرسل لها “وسام” مفاتيح منزله الجديد رفضت :
    “أمّي رفضت الانتقال إلى المسكن الجديد رفضا باتّا قائلة «وسام مات…))”

الأم في الرواية هي “المرآة”التي يرى فيها وسام قبح تحوله. فبينما كان هو يظن أنه ينتقم لفقرها بجمع المال، كانت هي ترى أن “العدالة المفقودة” لا تُسترد بالدناءة، مما عمّق لديه الشعور بالذنب وأكد له حقيقة عنوان الرواية: “فهل كنت نذلاً؟”.

☑️دور الشخصيات الثانوية في مسار البطل والأحداث

لعبت الشخصيات الثانوية أدواراً مفصلية في دفع “وسام” نحو مصيره، سواء بالتحفيز أو بالإحباط:
👈خير الله-صاحب المطعم في المهجر-:
دوره: المنقذ والفرصة الأولى في الغربة.
التأثير: وفّر لوسام المأوى والعمل (غسل الأواني) في لحظة انكسار وشعور بالضياع، مما مكّنه من البقاء في إيطاليا.
“”كدت أجهش بالبكاء. باب الجنة فتح أمامي بغتة” عندما عرض عليه خير الله الاستحمام وتغيير ملابسه”
“…شكرته ولّمّا هممت بالخروج، استوقفني قائلا: -إن أردت أن تشتغل تعال بالّلّيل، لتساعد في الّتّنظيف وإعداد ما نستحّقّه في الغد.”
“…هناك خلف المطبخ دش صغير فيه الماء الّسّاخن. وفيه الّشّمبو والّصّابون. كدت أجهش بالبكاء. باب الجّنّة فتح أمامي بغتة.”
👈كلارا- السيدة الإيطالية-: الأرملة الإيطالية المريضة، تحمل ماضياً مع المافيا وخيانة زوج وابن بالتبني. هي “الأم البديلة” التي تمنح وسام فرصة جديدة، لكنها تموت تاركة إياه في حالة من اللايقين الأخلاقي.
دورها: الشخصية التي نقلت وسام من عامل بسيط إلى مدير أعمال وصاحب ثروة.
التأثير: وثقت به في إدارة شركاتها، وتحت إشرافها تحول وسام إلى رجل أعمال ناجح. انتهى دورها بتأثره بها إنسانياً لدرجة قراءة القرآن لها قبل وفاتها.
“…سنوات، تدّرّبت خلالها على إدارة أعمال شركتها للإيراد والّتّصدير، واستخرجت كّلّ الوثائق اّلّتي تبيح لي الّتّصّرّف في أملاكها بتوكيل عاّم،ّ بسبب مرضها وعدم قدرتها على الّتّنّقّل والعمل. في الأّوّل كنت أتواصل مع المسّيّرين عبر النت من داخل الّدّار، وكلارا معي توّجّهني وهي منبهرة بقدرتي على مسك حسابات الّشّركة، وأنشأُتُ لها فروعا في بلدان أخرى ومنها بلادي 176 177 تونس واّلّتي خّصّ صتها لتصدير زيت الّزّيتون …

“…كنت أحاول أن أخّفّف عنها بأن أقرأ لها آيات من القرآن، ورأيتها ترتاح إلى ذلك وتستمع إليه بانتباه.”

👈ابن العم- التاجر-:
دوره: الداعم المادي السري.
التأثير: هو من أقرضه مبلغ “الحرقة” (الهجرة غير الشرعية) وظل كاتم أسراره حتى عودته منتصراً.
“…عدت إلى بلدي. لم أذهب إلى أهلي. وأبقيت الّسّّرّ بيني وبين ابن عّمّي اّل ّذي أرجعت له المبلغ اّل ّذي اقترضته منه مضاعفا وأكثر. ووعدته بأن أجلب له شاحنة جديدة، مكافأة له على كّلّ ما قّدّمه لي من خدمات”
👈الحرّاق /الشخصية الظل
رغم أنه لا يظهر كثيراً كشخصية نامية، إلا أنه يمثل “المعبر” القاسي بين وطنه وبين ضياع الهوية. يمثل الجانب المظلم من التجربة السوسيولوجية، حيث يتحول البشر في نظره إلى أرقام ودنانير.
“أغفيت بعض الوقت في الخرابة التي أعدها لنا الحراق في جزيرة «قرقنة» لنتجمع فيها استعدادا للرحيل.” ص 77

تتحرك هذه الشخصيات في فلك “وسام” الذي يجسد “البطولة الفردية المأزومة” كعوامل دفع -الأم، ابن العم- أو عوامل جذب وصدمة -سيفدة- أو أدوات تمكين -خير الله، كلارا- كل شخصية ساهمت في تشكيل “نذالته” أو “انتقامه” كما يصفه، وصولاً إلى اللحظة التي عاد فيها ليشتري منزلاً في نفس حي سيفدة ليتفوق عليها طبقياً.
فكل شخصية قابلها كانت بمثابة محطة في طريق فقدانه لهويته القديمة واكتسابه لهوية “النذل” التي توج بها نهاية الرواية، كنوع من الاحتجاج على مجتمع لا يحترم إلا الأقوياء مادياً. كما يقول في مقدمة الرواية:
“إني فعلاً كنت نذلاً… ولكن هل سألتم أنفسكم من صنع هذا النذل؟” ص 11

سادساً: الحبكة (البناء الدرامي)
✅ملاحظة على البناء
الرواية مقسمة إلى ستة أجزاء، الأولان في تونس، والثالث والرابع في إيطاليا، والخامس والسادس يدمجان المكانين. هذا التقسيم يخلق إيقاعاً متناغماً.
تمر الرواية بخمس مراحل كلاسيكية:

  1. البداية (التهيئة): حيّ التضامن، الفقر، النجاح الدراسي، لقاء سيّفّدة.
  2. تصاعد الأحداث: العلاقة مع سيّفّدة، مساعدته لها دراسياً، زيارة منزلها.
  3. الذروة الأولى: إهانة أسرتها لوسام وأمه وأخته، هروبه، حرقه البحر.
  4. الذروة الثانية: اكتشافه لكلارا في القبو، إنقاذها، توكيله بإدارة أعمالها.
  5. النهاية: عودته إلى تونس غنياً، انتقامه من سيّفّدة (إغوائها وتركها)، انتحارها.

سابعاً: الأسلوب واللغة
👈اللغة:
تعد رواية “فهل كنت نذلاً؟” للكاتبة حبيبة المحرزي نموذجاً أدبياً حديثاً يطرح إشكاليات الهوية والطبقية من خلال هندسة لغوية دقيقة ومنهجية المزج بين الفصحى والعامية:

أولاً: مقدمة في لغة الرواية /المستوى السردي:
تعتمد الرواية في بنيتها الأساسية على الفصحى السردية الحديثة، وهي لغة تمتاز بالجزالة والوضوح، وتهيمن على المتن الحكائي ووصف المشاعر والمنولوجات الداخلية للبطل. تبرز لغة السرد كأداة لتحليل الواقع النفسي والاجتماعي للشخصية الرئيسية، حيث يستخدم البطل الفصحى لاستعراض صراعاته الفكرية وقناعاته حول مفاهيم مثل “النذالة” و”الكرامة”.

“أعلم أنكم ستلعنونني، ستسبّونني بكلّ الطّرق وبكلّ اللّغات وستتفّون على وجهي، إن صادفتكم ذات يوم. ولكي أكون صادقا معكم، وكي أحرّركم من الحرج في الجواب الّذي لن تتوصّلوا إليه، ولن تجزموا به، إلاّ إذا أتممت لكم القصّة. وقبل ذلك كلّه، أقول لكم، إنّني فعلا كنت نذلا.”ص11
“…. كنت نذلا بكلّ ما تخزّنه الكلمة من دلالات نتقارب أو تتباعد. نتفق أو تختلف مع ما جنيته من أفعال، ستبدو لكم مشينة حقيرة، وفق تصنيفاتكم التي تختلف حتما مع قناعتي بأنّني لم أرد سوءا بأحد، وإنّما انتقمت لكرامتي.”ص11
ثانياً: تقنيات المزج بين الفصحى والعامية التونسية
وظفت المحرزي العامية التونسية (الدارجة) بوعي فني، ولم تكن مجرد إقحام لغوي، بل تجلت في مستويين:
1.الحوار الواقعي: برزت العامية بشكل جلي في الحوارات التي تعكس البيئة الشعبية للبطل. فعندما يتحدث أهله أو جيرانه، تنساب الكلمات باللهجة التونسية لتعزيز “واقعية الحدث”، مثل استخدامه لمصطلحات “خبز الطابونة”، و”عّبّود بسيسة”، ووصف الأماكن كـ “الباساج” و”حي قصر السعيد”، “مذرّح”، “تو يڨردوك”، “ملاوي”، “عيّش وليدي”. مما يمنح النص “نكهة محلية” وصدقاً تمثيلياً.
“…وضعت في جيبي حفنة من الّدّنانير اّلّتي جمعتها من بيع خبز الّطّابونة للماّرّة والجيران.”ص13
“لأعود في نفس القطار الّذي سيكرّ عائدا، ليرجعني إلى محطّة «ت ج م» ومنها إلى محطّة الباساج لأركب الحافلة ((4c» كي توصلني إلى حيّي هناك.لا تسألوني عنه، فإنّني ألحقه بجاره «قصر السّعيد». ” ص14

  1. اللغة “الوسيطة” في الخطاب الاجتماعي: تظهر العامية أحياناً داخل السرد نفسه حين يتعلق الأمر بمفاهيم طبقية، مثل قوله: “جماعة هاي” أو “تْوْ يْڨْرْدوْكْ” (أي يحتالون عليك أو يبتزونك)، وهي عبارات تعكس الهوة الطبقية بين بطل قادم من حي فقير ومحيط المعهد العالي بقرطاج., « المذّرّح »- أي المقلد أو ذو الجودة السيئة.

“أريد أن أرى هذا المعهد الّذي حذّرني منه ابن خالي؟ قال لي: “فُكْ عْليكْ. جماعة هاي. تو يْقرْدوكْ”..”ص14
“…نزعت حذائي الّرّياضّيّ « المذّرّح » المنتفخ بالماء والّرّمال. جريت مبتعدا خائفا، لّمّا سمعت صّفّارة سّيّارات البوليس تلعلع بعنف مقتربة.”
“جريت إلى سوق المنصف باي، واشتريت هذا الحذاء بعلامة ماركة عالمّيّة شهيرة جّدّا،…”ص12

ثانيًا. النظرة الأدبية والنقدية لعملية المزج
ينظر النقد الأدبي الحديث إلى عملية المزج بين الفصحى و العامية، في العمل الروائي عامةً و في ” فهل كنت نذلًا؟” خاصةً كأنموذج لهذا التداخل ، من زوايا متعددة:
☑️الواقعية اللغوية: يرى النقاد و أتفق مع هذا الرؤية، أن استخدام العامية في الحوار يكسر “جمود الفصحى” ويمنح الشخصيات أبعاداً إنسانية حقيقية، فالبطل الذي يعاني من الفقر المدقع لا يمكنه التعبير عن أزمته اليومية بفصحى مقعرة أمام جيرانه.

☑️الوظيفة السوسيولسانيّة (Social Linguistics): المزج هنا ليس عفوياً، بل هو تعبير عن “ثنائية لغوية” تعكس الصراع الطبقي. فالفصحى هي لغة “المخ” والمتفوق دراسياً، بينما العامية هي لغة “الزقاق” والبؤس. هذا التراوح يجسد حالة التمزق التي يعيشها البطل بين طموحه الأكاديمي وواقعه الاجتماعي المرير.

  1. اللغة العامية التونسية
    اعتمدت الكاتبة على العامية التونسية الممزوجة بالفصحى، مما يمنح النص “نكهة محلية” وصدقاً تمثيلياً. أمثلة: “مذرّح”، “تو يڨردوك”، “ملاوي”، “عيّش وليدي”.
    ☑️ مبدأ “تعدد الأصوات” (Polyphony): فيما يخصّ اللغة و ليس الشخصيّات ..من منظور باختين النقدي، يساهم هذا المزج في خلق تعددية صوتية داخل النص، حيث تتصارع لغة المؤسسة (الفصحى/المعهد) مع لغة الشارع (العامية/الحي)، مما يعطي الرواية ثقلاً نقدياً يتجاوز مجرد الحكي.

نجحت الكاتبة في جعل اللغة مرآة عاكسة للانكسارات النفسية، حيث كانت الفصحى لغة المراجعة الفكرية، والعامية لغة الوجع اليومي المباشر.

👈الأسلوب:
يتسم أسلوب حبيبة المحرزي في روايتها “فهل كنت نذلاً؟” بخصائص فنية تجعلها تجربة سردية لافتة، ويمكن اختزال ذلك في النقاط التالية:

  1. الصدق الشعوري والجُرأة: تمتاز لغتها بقدرة فائقة على النفاذ إلى دواخل النفس البشرية، حيث تمزج بين الاعتراف والمكاشفة بأسلوب “البوح الصادم” الذي يورّط القارئ أخلاقياً ووجدانياً مع البطل.
  2. الواقعية المغمسة بالألم: نجحت الكاتبة في تطويع اللغة لتكون مرآة للمكان (تونس) وللطبقة الاجتماعية، فجاء أسلوبها “لحمياً” حياً، ينبض بتفاصيل الحارة الشعبية وهموم التهميش، بعيداً عن التجميل اللغوي الزائف.
  3. المرونة اللسانية: أبدعت في الانتقال السلس بين الفصحى السردية الأنيقة والعامية التونسية المثقلة بالدلالات، مما منح النص هوية محلية وانتماءً واقعياً، وجعل الحوارات تبدو وكأنها مقتطعة من صميم الحياة اليومية.
  4. التكثيف الدرامي: تميل الكاتبة إلى الجمل القصيرة والموحية، مما يضفي سرعة على الإيقاع السردي ويحافظ على توتر الحدث، خاصة في تصوير الصراعات النفسية والتحولات الطبقية.
    باختصار: أسلوبها هو “سهل ممتنع” يجمع بين “عنفوان الواقعية” و “رقّة التحليل النفسي”، لغةٌ لا تكتفي بنقل الحدث، بل تشكّل موقفاً نقدياً من المجتمع والإنسان.

ثامنًا: الرسالة والنهاية
👈الرسالة المركزية
الرواية لا تقدم إجابة أحادية عن سؤال “هل كان وسام نذلاً؟”، بل تترك السؤال مفتوحاً. الرسالة الضمنية هي: الكـرامة الإنسانية سلعة نادرة، والفقر قد يدفع إلى التخلي عنها، لكن الانتقام لا يعيدها، بل يضاعف المأساة.
👈النهاية: صدمة أخلاقية
انتحار سيّفّدة وهي حامل (من وسام) هو “الكارثة” التي تضع البطل أمام حقيقة أفعاله. لم يعد السؤال “هل كنت نذلاً؟” نظرياً، بل أصبح دموياً. وسام يكتب نهايته في “يوم عيد الحب”، وهو تناقض صارخ بين العاطفة والدمار.

👈سؤال مفتوح
علامات الاستفهام الثلاثة في النهاية (فهل كنت نذلاً!!!؟؟؟) تُظهر ارتباك البطل وعدم قدرته على الحكم على نفسه. القارئ مدعو للحكم، لكن الرواية لا تمنحه إجابة سهلة.

تاسعًا: تقييم عام:
يمكن اعتبار رواية ” فهل كنت نذلًا ” للأديبة “حبيبة المحرزي” رواية قوية، مؤثرة، ومثيرة للجدل، تستحق مكانة مرموقة في الأدب التونسي والعربي المعاصر. و لكن لنكون منصفين في النقد علينا أن نتخذ موقف المحايد ، لذكر ما للرواية و ما عليها، بناءً على محتوى المتن الحكائي و التقنيّة:

  1. نقاط الضعف السردية والتقنية
    👈”المباشرة الخطابية”: يميل السرد في بعض المواضع إلى تقريرية الحالات النفسية بدلاً من تجسيدها درامياً، حيث يعترف البطل مباشرة بنذالته منذ الأسطر الأولى. ربما ينظر إليها البعض بناءً على تقنية كسر الجدار الرابع بين الشخصيّة و المتلقي. و ما ذكرته من باب وجهة النظر ، لا أكثر
    👈”المصادفات القدرية”:تعتمد الرواية على “المصادفة” بشكل كبير لتطوير الحبكة، مثل انتقال البطل من “حارق” مشرد إلى مدير لشركة عالمية بفضل لقائه بـ “كلارا” التي منحته كل شيء، وهو تحول يراه بعض النقاد سريعاً وغير مبرر درامياً بما يكفي.
    👈”النمطية في رسم الشخصيات الثانوية”: إذ تظهر الشخصيات في بيئة البطل مثل: ابنة الجيران أو زملاء الجامعة- أحياناً كأنماط ثابتة -الفقير المحروم، الغني المتغطرس- دون غوص عميق في تعقيداتها البشرية.
  2. البطل الأحادي والدور الوظيفي للشخصيات
    👈البطل الأحادي: إذ اعتمدت الرواية على “الأنا الساردة”؛ فالبطل “وسام” هو المركز الذي تدور حوله الأحداث ويرى القارئ العالم من منظوره فقط.
    و لكن!! … إلام يشير ذلك؟: من وجهة نظري، أرى أن ذلك يشير إلى “الذاتية المفرطة” وانحصار الصراع في عالم البطل الداخلي، مما يعزز شعور القارئ بحصار الشخصية داخل عقدها النفسية ومراراتها الطبقية.
    👈الدور الوظيفي للشخصيات الأخرى: كان لابد من طرح السؤال الملح أثناء الاسترسال في المتن السردي، ما هو الدور الوظيفي الذي لعبته الشخصيّات الأخرى في سير الأحداث؟ أرى -و هذه وجهة نظرٍ خاصة غير ملزمة – أن الشخصيات الأخرى تعمل كـ “مرايا” أو “محفزات” لنمو شخصية وسام؛ فـ “سيفدة” تمثل الصدمة العاطفية والطبقية التي فجّرت نذالته، و”كلارا” هي “المنقذ الأسطوري” الذي وفر له الأدوات المادية للانتقام.
  3. إقناع الأحداث ودوافع الشخصيات: فمثلًا..
    👈”عدم رؤية وسام لوالدته بعد عودته”: قد يبدو هذا السلوك غير مقنع عاطفياً، لكن السرد يبرره بأن وسام عاد بـ “هوية جديدة”وشخصية ممسوخة، حيث طغى عليه هوس الانتقام وإثبات الذات أمام سيفدة على حساب الروابط الأسرية التي كان يراها جزءاً من ماضيه “البائس”.
    👈”العلاقة مع سيفدة كنوع من الانتقام”:هي مبررة سيكولوجياً في سياق الرواية؛ فوسام الذي أُهينت كرامته بسبب فقره، رأى أن امتلاك الشخص الذي رفضه وإذلاله لاحقاً هو السبيل الوحيد لاستعادة “رجولته” الجريحة.
    👈”انتحار سيفدة”: يظل انتحار سيفدة-أو نهايتها المأساوية- نقطة جدلية؛ ففي حين يراه البعض تعبيراً عن سحقها تحت وطأة ذنبها أو تحت ثقل التحول المرعب في شخصية وسام، قد يراه آخرون نهاية “ميلودرامية” تهدف لخدمة غرض المؤلفة في إظهار عواقب “النذالة” أو “الظلم الطبقي”.

الرواية بشكل عام هي”مونولوج طويل” حول الكرامة والفقر، حيث تبرر “الغاية”- الانتقام للكرامة- عند البطل “الوسيلة” -النذالة-.

و لكن!!… هل النظر إلى الرواية على أنها عبارة عن مونولوج طويل، مدح أم ذم؟

الجواب:
وصف الرواية بأنها “مونولوج طويل” ليس بالضرورة مدحاً أو ذماً في حد ذاته، بل هو توصيف لـ “خيار أسلوبي” اتخذته الكاتبة. ومع ذلك، يحمل هذا الخيار في النقد الأدبي وجهين يعتمدان على مدى نجاح الكاتبة في استخدامه:

#المنتدى العربي للنقد المعاصر#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم