
التصوير بالدرون والتصوير الحاسوبي: من الفوتون إلى البكسل إلى الخوارزمية
فصل من «موسوعة كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة»
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
تمهيد: عندما غادرت الكاميرا مستوى العين
لم يعد المصوّر اليوم يقف بالضرورة خلف الكاميرا، ولم تعد الكاميرا مرتبطة بارتفاع الإنسان أو بموقع عينه. لقد صعدت الصورة إلى السماء، وتحركت في الفضاء، ودارت حول الموضوع، وانخفضت إلى سطح الأرض، ثم عادت لتبني مشهداً لم تكن العين البشرية قادرة على رؤيته من ذلك الموقع.
هنا تبدأ أهمية التصوير بالدرون؛ ليس بوصفه مجرد استخدام طائرة صغيرة تحمل كاميرا، وإنما باعتباره مرحلة جديدة في تاريخ العلاقة بين الإنسان والمشهد.
فالدرون لم يغيّر مكان الكاميرا فقط، بل غيّر هندسة الرؤية نفسها.
وفي التصوير التقليدي كانت العلاقة تبدو واضحة:
العين ← العدسة ← الضوء ← الفيلم أو المستشعر ← الصورة.
أما في التصوير الجوي المعاصر فقد أصبحت السلسلة أكثر تعقيداً:
المشهد ← الفوتونات ← العدسة ← المستشعر ← البكسلات ← المعالجة الرقمية ← الخوارزمية ← الصورة النهائية.
وهذا التحول هو الذي يجعل التصوير بالدرون جزءاً طبيعياً من تاريخ الصورة الذي ترصده «موسوعة كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة»: من الصورة بوصفها أثراً للضوء، إلى الصورة بوصفها نتيجةً لحسابات رقمية.
أولاً: من العين إلى السماء
منذ أن عرف الإنسان الصورة، ظلّ موقع الرؤية أحد أهم عناصر تكوينها.
كانت العين البشرية هي المرجع الأول. ومن ثم جاءت الكاميرا لتقلّد العين جزئياً، ثم تجاوزتها في بعض المجالات.
الكاميرا التقليدية ثبتت الرؤية في نقطة محددة؛ أما الدرون فأدخل مفهوماً جديداً:
الرؤية المتحركة في الفضاء.
أصبح بالإمكان تصوير المكان من أعلى، أو الاقتراب منه، أو الابتعاد عنه، أو الدوران حوله، أو تتبّع جسم متحرك، أو الانتقال بين مستويات مختلفة من الارتفاع.
وهكذا لم يعد المشهد مجرد موضوع أمام المصور، بل أصبح فضاءً ثلاثي الأبعاد تتحرك داخله الكاميرا.
ومن هنا يمكن النظر إلى الدرون باعتباره انتقالاً من:
التصوير من مكان → إلى التصوير داخل فضاء.
وهذه النقلة لها دلالة فلسفية عميقة؛ لأن الصورة لم تعد تسجل فقط ما يراه الإنسان، وإنما أصبحت تسمح له باكتشاف ما كان خارج مجال رؤيته المباشرة.
ثانياً: الدرون ليس كاميرا طائرة فقط
من الخطأ اختزال الدرون في كونه منصة طائرة تحمل كاميرا.
فالمنظومة الحديثة تتكون عادةً من مجموعة مترابطة من الأنظمة:
منصة طيران.
نظام تثبيت وتحكم.
وحدة معالجة.
كاميرا.
عدسة.
مستشعر رقمي.
نظام تحديد الموقع والملاحة.
نظام نقل البيانات.
برمجيات للتحكم والتصوير.
خوارزميات لمعالجة الصورة والفيديو.
وهذا يعني أن الصورة التي تنتجها الدرون هي نتيجة تفاعل بين البصريات والإلكترونيات والبرمجيات والفيزياء والرياضيات.
لذلك فإن المصور المعاصر لا يتعامل فقط مع كاميرا، بل مع منظومة تصوير حاسوبية محمولة في الفضاء.
ثالثاً: الفوتون هو البداية
قبل أن يصبح المشهد بكسلات، وقبل أن يصبح ملفاً رقمياً، وقبل أن يدخل إلى الخوارزمية، هناك شيء أكثر بدائية وأعمق:
الفوتون.
الفوتون هو الوحدة الكمومية للإشعاع الكهرومغناطيسي، والضوء المرئي الذي يصل إلى المستشعر يحمل المعلومات التي ستتحول لاحقاً إلى صورة.
يمكن تصور الرحلة الأساسية للصورة على النحو التالي:
المشهد → انعكاس الضوء → الفوتونات → العدسة → المستشعر → الشحنة الكهربائية → البيانات الرقمية → البكسل → المعالجة → الصورة.
وهنا تظهر إحدى الأفكار المركزية في فلسفة الصورة:
الصورة الرقمية ليست الضوء نفسه، وإنما أثرٌ مقاسٌ للضوء، ثم إعادة بناء لهذا الأثر بواسطة نظام بصري وإلكتروني وحاسوبي.
وهذا فارق جوهري بين الواقع البصري والصورة التي تمثله.
رابعاً: من الفوتون إلى الإلكترون
عندما تصل الفوتونات إلى المستشعر الرقمي، سواء كان من نوع CMOS أو غيره من التقنيات المستخدمة في الكاميرات الحديثة، تبدأ عملية التحويل الكهروضوئي.
كل عنصر حساس في المستشعر يستقبل كمية من الضوء، وتتحول الطاقة الضوئية إلى إشارة كهربائية.
وبعد ذلك تقوم دوائر إلكترونية بتحويل الإشارة التناظرية إلى بيانات رقمية.
وهنا تحدث إحدى أهم لحظات تاريخ الصورة:
الضوء يتحول إلى رقم.
إن ما كان في الماضي أثراً كيميائياً على مستحلب الفيلم، أصبح الآن سلسلة من القيم الرقمية.
وبالتالي يمكن كتابة المعادلة المفاهيمية:
ضوء → إشارة كهربائية → رقم → بكسل.
وهذه النقلة تمثل أحد أعظم التحولات في كرونولوجيا الصورة.
خامساً: البكسل ليس الصورة
كثيراً ما نتعامل مع البكسل باعتباره أصغر جزء من الصورة، لكن البكسل في الحقيقة ليس «نقطة صغيرة» بالمعنى البصري البسيط.
إنه قيمة رقمية تمثل معلومات عن الضوء واللون في موضع معين.
وعندما تتجمع ملايين القيم الرقمية، تتشكل الصورة.
فإذا كان المستشعر يحتوي على ملايين العناصر الحساسة، فإن المشهد يتحول إلى شبكة هائلة من القياسات.
يمكن تبسيط العملية:
المشهد الحقيقي
↓
الفوتونات
↓
المستشعر
↓
قياسات ضوئية
↓
قيم رقمية
↓
بكسلات
↓
صورة.
لكن الصورة التي نراها على الشاشة ليست مجرد مجموع هذه البكسلات؛ لأن ما نراه هو أيضاً نتيجة معالجة حسابية.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة.
سادساً: عندما تدخل الخوارزمية إلى الكاميرا
في الكاميرات الرقمية الحديثة، وخصوصاً كاميرات الهواتف والدرونات، لم تعد الصورة النهائية مجرد نتيجة مباشرة لما سجله المستشعر.
تدخل البرمجيات في عمليات عديدة، منها:
تقليل الضوضاء.
تصحيح اللون.
ضبط التعريض.
زيادة الحدة.
تصحيح التشوه البصري.
معالجة النطاق الديناميكي.
دمج عدة تعريضات.
تحسين التفاصيل.
تثبيت الصورة.
معالجة الفيديو.
دمج الإطارات.
أحياناً استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وهنا تظهر نقطة التحول الأساسية:
الكاميرا لم تعد تسجل الصورة فقط؛ بل تحسبها.
ومن هنا يأتي مفهوم التصوير الحاسوبي Computational Photography.
سابعاً: الدرون والتصوير الحاسوبي
التصوير بالدرون والتصوير الحاسوبي يلتقيان في نقطة جوهرية:
كلاهما يحرر الصورة من حدود الكاميرا التقليدية.
فالدرون يحرر الكاميرا من:
ثبات المكان.
والتصوير الحاسوبي يحرر الصورة من:
حدود الالتقاط الواحد.
قد تُلتقط عدة صور، ثم تدمج حسابياً في صورة واحدة.
وقد تُسجل سلسلة من الإطارات، ثم تُحلل وتُعالج للوصول إلى صورة أكثر ثباتاً أو وضوحاً.
وقد تستخدم الخوارزمية بيانات المستشعرات والحركة والموقع لتصحيح الصورة.
وهكذا تصبح الصورة:
نتاجاً لعملية حسابية، لا مجرد تعريض ضوئي منفرد.
ثامناً: HDR — عندما يصبح الضوء مجموعة من القياسات
في المشاهد ذات التباين الضوئي العالي قد لا يستطيع تعريض واحد تسجيل التفاصيل الكاملة في المناطق شديدة الإضاءة والمناطق شديدة الظلام.
هنا يمكن استخدام التصوير عالي المجال الديناميكي HDR.
تُلتقط عدة تعريضات، ثم تُدمج بياناتها بطريقة حسابية لإنتاج صورة ذات مجال ديناميكي أوسع.
والأهم فلسفياً أن الصورة النهائية لم تكن موجودة بهذا الشكل في أي تعريض منفرد.
إنها صورة مُركبة حسابياً.
وهنا ينتقل مفهوم «الأصل» من سؤال:
أي صورة هي الأصل؟
إلى سؤال أكثر تعقيداً:
هل الأصل هو الضوء الذي وصل إلى المستشعر، أم البيانات، أم الخوارزمية التي أعادت بناء الصورة؟
تاسعاً: الصورة الجوية بوصفها خريطة
تتجاوز بعض تطبيقات الدرون مفهوم الصورة الجمالية إلى التصوير المساحي والعلمي والهندسي.
ومن خلال التصوير المتعدد يمكن إنتاج:
نماذج ثلاثية الأبعاد.
خرائط جوية.
نماذج تضاريس.
أرثوفوتوموزاييك Orthomosaic.
قياسات مكانية.
نماذج رقمية للسطح.
توثيق أثري ومعماري.
هنا تتغير وظيفة الصورة جذرياً.
لم تعد الصورة فقط:
«انظر إلى هذا المشهد».
بل أصبحت:
«اقرأ هذا المكان من خلال البيانات البصرية».
وهكذا تنتقل الصورة من الجماليات إلى القياس، ومن التمثيل إلى المعرفة.
عاشراً: الدرون والأثر الأثري وذاكرة المكان
في مجال التراث والآثار يمكن للدرون أن يمنح الباحث رؤية لا توفرها الصورة الأرضية وحدها.
فالموقع الأثري يمكن تصويره من زوايا متعددة، وربط الصور مكانياً، وبناء نماذج رقمية تساعد على دراسة البنية والتغيرات.
ومن منظور «موسوعة كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة»، تكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة.
فالصورة هنا لا تحفظ مظهر المكان فقط، بل قد تحفظ:
هندسته، وموقعه، وعلاقاته المكانية، وحالته في لحظة تاريخية معينة.
وبذلك تصبح الصورة الجوية جزءاً من ذاكرة المكان الرقمية.
الحادي عشر: من المنظور إلى البيانات
في تاريخ الفن، كان المنظور وسيلة لبناء فضاء بصري على سطح ثنائي الأبعاد.
أما التصوير الجوي الحاسوبي فيضيف طبقة جديدة.
فالدرون يستطيع التقاط عدد كبير من الصور من مواقع مختلفة، ويمكن للبرمجيات تحليل نقاط مشتركة بينها وإعادة بناء العلاقات المكانية.
وهنا لا تعود الصورة مجرد «منظر».
بل تصبح نافذة إلى نموذج مكاني.
إننا ننتقل من:
Perspective — المنظور
إلى:
Spatial Data — البيانات المكانية.
وهذه النقلة تستحق أن تُقرأ داخل تاريخ الصورة بوصفها تحولاً من تمثيل الفضاء إلى حساب الفضاء.
الثاني عشر: العين البشرية والكاميرا والخوارزمية
يمكن اختصار تطور الرؤية في ثلاث مراحل رمزية:
1. العين
الإنسان يرى العالم مباشرة عبر جهازه البصري والعصبي.
2. الكاميرا
الإنسان يجعل جهازاً خارجياً يسجل الضوء.
3. الخوارزمية
الإنسان يجعل النظام الحاسوبي يعالج ما سجلته الكاميرا ويعيد بناءه.
وهنا يظهر السؤال الفلسفي:
من الذي يرى في الصورة المعاصرة؟
هل هو المصور؟
أم العدسة؟
أم المستشعر؟
أم البرمجية؟
أم الخوارزمية؟
أم الإنسان الذي يختار النتيجة النهائية؟
الإجابة ليست بسيطة؛ لأن الصورة المعاصرة أصبحت نتاجاً شبكياً تشترك فيه العين والآلة والبيانات والخوارزمية.
الثالث عشر: المصور في عصر الصورة الحاسوبية
لم يفقد المصور دوره عندما دخلت الخوارزمية إلى الكاميرا، لكنه انتقل إلى مستوى آخر.
لم يعد دوره محصوراً في:
اختيار الموضوع.
تحديد زاوية التصوير.
ضبط التعريض.
اختيار العدسة.
بل أصبح عليه أيضاً أن يفهم:
خصائص المستشعر.
النطاق الديناميكي.
معالجة RAW.
إدارة الألوان.
تقنيات الدمج.
التثبيت.
التصوير المتعدد.
الذكاء الاصطناعي.
حدود المعالجة الرقمية.
المصور المعاصر أصبح، بصورة ما، مخرجاً لعملية بصرية حاسوبية.
فهو لا يلتقط فقط؛ بل يقرر أيضاً كيف تُحسب الصورة.
الرابع عشر: الصورة بين الوثيقة والتفسير
هنا تبرز قضية فلسفية مهمة.
كانت الصورة الفوتوغرافية التقليدية تُقدَّم طويلاً بوصفها وثيقة مرتبطة بالواقع المادي.
لكن الصورة الرقمية المعالجة حاسوبياً تضع هذه العلاقة تحت سؤال جديد.
فكل صورة هي نتيجة اختيار:
ماذا نصور؟
من أين نصور؟
متى نصور؟
بأي عدسة؟
بأي تعريض؟
كيف نعالج اللون؟
ماذا نحذف؟
ماذا نُبرز؟
كيف ندمج البيانات؟
ومن ثم فإن الصورة ليست الواقع نفسه.
إنها صياغة بصرية للواقع.
والتصوير الحاسوبي يجعل هذه الصياغة أكثر وضوحاً.
الخامس عشر: الدرون وتغيير معنى «وجهة النظر»
من أهم ما قدمته الدرونات للفن الفوتوغرافي أنها أعادت تعريف زاوية النظر.
الصورة الأرضية التقليدية غالباً ما ترتبط بارتفاع الإنسان.
أما الدرون فيقدم:
منظوراً عمودياً.
منظوراً مائلاً.
مسارات دائرية.
حركة اقتراب وابتعاد.
حركة صعود وهبوط.
تتبعاً مكانياً.
وهذا يفتح أمام المصور لغة جمالية جديدة تعتمد على:
الهندسة، والتكرار، والأنماط، والظلال، والعلاقات المكانية، والتجريد.
فالطريق قد يتحول إلى خط هندسي.
والأشخاص إلى نقاط.
والسيارات إلى أشكال.
والحقول إلى شبكات.
والمدينة إلى بنية تجريدية.
وهنا لا تعود الدرون مجرد وسيلة للحصول على «صورة أعلى»، بل وسيلة لاكتشاف جماليات لم تكن ظاهرة من مستوى العين.
السادس عشر: من الصورة إلى الفيديو ومن الإطار إلى الزمن
لا تقتصر الدرونات الحديثة على التصوير الثابت.
فهي تستطيع إنتاج الفيديو، وبذلك تنتقل الصورة من المكان إلى المكان والزمن معاً.
يمكن للكاميرا أن تتحرك في الفضاء بينما يسجل المستشعر سلسلة متصلة من الإطارات.
وهكذا يصبح لدينا:
بكسل + مكان + زمن + حركة.
وفي هذه المرحلة تصبح الصورة جزءاً من منظومة السينما والفيديو.
فالدرون لا يصنع فقط «صورة جوية»، بل يمكن أن يصنع جملة بصرية متحركة في الفضاء.
السابع عشر: من الفيلم إلى البكسل إلى الخوارزمية
إذا أردنا وضع التصوير بالدرون داخل المسار العام لـ«موسوعة كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة»، يمكن اقتراح السلسلة التالية:
جدار الكهف
↓
الصورة الرمزية
↓
الكتابة والصورة
↓
الرسم والمنظور
↓
الكاميرا المظلمة
↓
الفوتوغرافيا الكيميائية
↓
الفيلم
↓
المستشعر الإلكتروني
↓
البكسل
↓
الصورة الرقمية
↓
التصوير الحاسوبي
↓
الدرون
↓
الرؤية المكانية
↓
الخوارزمية
↓
الصورة المولدة والذكاء الاصطناعي.
وبهذا يصبح الدرون ليس نقطة منفصلة في تاريخ التصوير، وإنما حلقة انتقالية بين الصورة الرقمية والرؤية الحاسوبية والمكانية.
الثامن عشر: الفوتون → البكسل → الخوارزمية
يمكن اختزال فلسفة هذا الفصل في ثلاث كلمات:
الفوتون
يمثل المادة الضوئية الخام.
إنه بداية الرحلة الفيزيائية للصورة.
البكسل
يمثل التحول الرقمي للضوء.
إنه اللحظة التي يصبح فيها الضوء بيانات.
الخوارزمية
تمثل إعادة تفسير البيانات.
إنها المرحلة التي لا تكتفي فيها الآلة بتسجيل ما وصل إليها، بل تقوم بتحليل البيانات ودمجها وتصحيحها وإعادة بنائها وفق قواعد حسابية.
لذلك يمكن صياغة المعادلة المركزية لهذا الفصل:
الفوتون → القياس → البكسل → البيانات → الخوارزمية → الصورة.
وهذه المعادلة تختصر جانباً أساسياً من انتقال الصورة من العالم الفيزيائي إلى العالم الحاسوبي.
التاسع عشر: الصورة بوصفها ذاكرة قابلة للحساب
كانت الصورة الفوتوغرافية في عصر الفيلم نوعاً من الذاكرة المادية.
كان السالب يحتفظ بأثر بصري يمكن الرجوع إليه.
أما الصورة الرقمية فقد أصبحت ذاكرة قابلة للنسخ والتحليل والمعالجة.
والصورة الجوية تضيف بعداً آخر:
ذاكرة المكان.
أما الصورة الحاسوبية فتضيف:
ذاكرة قابلة للحساب.
ومن هنا تتسع فكرة الذاكرة في الموسوعة:
ليست الذاكرة مجرد شيء محفوظ، بل قد تصبح بيانات يمكن تحليلها وإعادة تركيبها واستنتاج معلومات جديدة منها.
العشرون: من «أرشيف الصورة» إلى «الصورة التي تصنع الأرشيف»
في الماضي كان الأرشيف يجمع الصور.
أما اليوم فقد أصبحت الصور نفسها جزءاً من أنظمة تنتج قواعد بيانات مكانية وزمنية.
صور الدرون يمكن أن تتراكم لتصبح أرشيفاً بصرياً لمكان ما عبر الزمن.
وعند مقارنة الصور الملتقطة في سنوات مختلفة يمكن دراسة التغيرات في:
المدن.
الغابات.
السواحل.
المواقع الأثرية.
الأراضي الزراعية.
البنية العمرانية.
وهنا تتحول الصورة من:
وثيقة للماضي
إلى:
أداة لمقارنة الماضي والحاضر واستشراف التغير.
وهذه إحدى أهم التحولات التي تجعل التصوير الجوي جزءاً من فلسفة الذاكرة الحديثة.
الحادي والعشرون: حدود الحقيقة البصرية
كلما أصبحت الصورة أكثر اعتماداً على الخوارزمية، ازدادت الحاجة إلى التمييز بين:
ما التقطته الكاميرا
و
ما أعادت الخوارزمية بناءه.
وهذا لا يعني أن الصورة الحاسوبية «زائفة»؛ بل يعني أن علينا معرفة طبيعة العملية التي أنتجتها.
فالصورة العلمية، والصورة الفنية، والصورة التوثيقية، والصورة المعالجة حاسوبياً، والصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي، ليست جميعها من النوع نفسه من حيث علاقتها بالمرجع الواقعي.
ومن هنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية في فلسفة الصورة:
أمانة الصورة لا تعني غياب المعالجة؛ بل تعني معرفة طبيعة المعالجة وعلاقتها بالغاية.
فالصورة الفنية قد تبحث عن التعبير.
والصورة العلمية عن القياس.
والصورة التوثيقية عن الإثبات.
والصورة الحاسوبية قد تبحث عن استخراج معلومات لا تستطيع اللقطة المفردة تقديمها.
الثاني والعشرون: نحو أنطولوجيا جديدة للصورة
تضعنا الدرون والتصوير الحاسوبي أمام سؤال أنطولوجي:
ما هي الصورة؟
هل هي أثر للضوء؟
أم ملف رقمي؟
أم شبكة بكسلات؟
أم بيانات؟
أم خوارزمية؟
أم نتيجة للتفاعل بين هذه العناصر جميعاً؟
ربما لم تعد الصورة المعاصرة شيئاً واحداً.
لقد أصبحت عملية.
فاللقطة ليست النهاية؛ إنها بداية سلسلة:
التقاط → قياس → تخزين → معالجة → تفسير → عرض → ذاكرة.
وبهذا تنتقل الصورة من كونها «شيئاً» إلى كونها حدثاً بصرياً حاسوبياً.
الثالث والعشرون: موقع هذا الفصل في «موسوعة كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة»
ينتمي هذا الفصل مباشرة إلى المحور الذي ينتقل فيه تاريخ الصورة من التكنولوجيا الضوئية إلى التكنولوجيا الرقمية.
ويمكن وضعه في منطقة التقاء أربعة مسارات:
المسار الأول: تاريخ الضوء
من الفوتون والعدسة إلى المستشعر.
المسار الثاني: تاريخ التسجيل
من الفيلم الكيميائي إلى البكسل.
المسار الثالث: تاريخ الرؤية
من العين البشرية إلى الكاميرا ثم إلى الرؤية الحاسوبية.
المسار الرابع: تاريخ الذاكرة
من الأثر المادي إلى الملف الرقمي ثم إلى الأرشيف القابل للحساب.
ومن هذا المنظور، فإن الدرون ليس مجرد تطور في معدات التصوير، بل هو تطور في مفهوم الرؤية نفسه.
خاتمة: عندما تصبح السماء جزءاً من الكاميرا
بدأ تاريخ الصورة عندما حاول الإنسان أن يترك أثراً لما رأى.
ثم اخترع الرسم، والرمز، والمنظور، والكاميرا، والفيلم، والمستشعر الرقمي.
واليوم يحمل الدرون الكاميرا إلى مكان لم تكن العين البشرية تستطيع الوصول إليه بسهولة، بينما تحمل الخوارزمية الصورة إلى مستوى آخر لم يعد فيه التسجيل كافياً.
لقد أصبح لدينا عالم يبدأ من الضوء وينتهي بالحساب:
فوتون → مستشعر → بكسل → بيانات → خوارزمية → صورة → ذاكرة.
وهذه السلسلة لا تمثل تطوراً تقنياً فحسب، بل تختصر تحولاً فلسفياً في معنى الصورة.
فالصورة القديمة كانت تقول:
«هذا ما رأيته».
والصورة الفوتوغرافية قالت:
«هذا ما سجلته الكاميرا».
أما الصورة الحاسوبية فتقول شيئاً أكثر تعقيداً:
«هذه هي النتيجة التي أمكن حسابها من الضوء والبيانات والخوارزمية».
وعندما تحلق الكاميرا فوق المدن والجبال والآثار والبحار، فإنها لا تغيّر زاوية النظر فحسب؛ إنها تعيد صياغة علاقتنا بالمكان.
وعندما تدخل الخوارزمية إلى قلب الكاميرا، فإنها لا تغيّر الصورة فحسب؛ إنها تعيد تعريف علاقتنا بالحقيقة البصرية.
من هنا يصبح التصوير بالدرون والتصوير الحاسوبي فصلاً طبيعياً في «موسوعة كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة»:
فهو الفصل الذي تتحول فيه الصورة من أثر للضوء إلى بنية من البيانات، ومن تسجيل للمشهد إلى حساب للرؤية، ومن ذاكرة تحفظ ما حدث إلى منظومة تستطيع أن تقارن وتحلل وتعيد بناء ما حدث.
وهنا، ربما، تبدأ المرحلة الجديدة من تاريخ الصورة:
لم تعد الكاميرا تكتفي بأن ترى العالم؛ لقد بدأت تحسبه.


