


فاتح المدرّس.. حين تحوّلت الأرض السورية إلى ذاكرةٍ على قماش
فنانٌ كتب الشعر باللون، واستعاد الأسطورة والإنسان والوجع في لغة تشكيلية تتجاوز حدود الواقعية والتجريد
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: فنانٌ لم يرسم الأشياء بل رسم ذاكرتها
ثمة فنانون يرسمون ما تراه العين، وثمة فنانون يحاولون أن يرسموا ما تختزنه الذاكرة. وبين الاثنين يقف فاتح المدرّس (1922–1999) بوصفه واحداً من أكثر التجارب فرادة في تاريخ الفن السوري الحديث؛ فلوحته لم تكن مجرد مساحة للألوان والأشكال، وإنما فضاءً تتجاور فيه الأرض والإنسان والأسطورة والطفولة والحرب والذاكرة.
وُلد المدرّس في ريف حلب، في بيئة ريفية متعددة الثقافات، ثم انتقل في طفولته إلى حلب، قبل أن تقوده رحلته الفنية إلى روما وباريس. وهناك تعرّف إلى اتجاهات الحداثة الأوروبية، لكنه لم يتحول إلى نسخة من الفن الغربي؛ بل عاد إلى سورية وهو يحمل سؤالاً أكثر تعقيداً: كيف يمكن للفنان العربي أن يكون حديثاً من دون أن يفقد ذاكرته؟
وهذا السؤال يكاد يكون مفتاحاً أساسياً لقراءة تجربته كلها. فقد جمع بين الواقعية والسريالية والتجريد التعبيري، وبين الصورة والأسطورة، وبين الرسم والشعر والقصة والنقد. وتصفه مؤسسات فنية وبحثية بأنه من الشخصيات المحورية في حركة الحداثة الفنية السورية، فيما تؤكد المصادر المتحفية أن أعماله مزجت بين التراث السوري وتقنيات الفن الحديث الأوروبي.
من ريف حلب بدأت الحكاية
لم تكن طفولة فاتح المدرّس مجرد مرحلة زمنية عابرة في سيرته، بل تحولت لاحقاً إلى مخزون بصري وروحي ظل يرافقه حتى نهاية حياته.
وُلد عام 1922 في منطقة حريتان شمال حلب، في محيط ريفي ضم العرب والكرد والتركمان، وعاش طفولة قاسية بعد مقتل والده، متنقلاً بين قرى الشمال، قبل أن ينتقل إلى حلب في سن مبكرة. وتشير الموسوعة العربية إلى أن هذه التجربة المبكرة تركت أثراً عميقاً في وجدانه وفي إنتاجه الفني والأدبي.
في حلب بدأ اكتشاف موهبته الفنية، وتلقى مبادئ الرسم على أيدي عدد من المدرسين والفنانين، كما اتسعت اهتماماته لتشمل الموسيقى والشعر والقصة والرحلات. ولم يكن غريباً، بعد ذلك، أن تصبح تجربته الفنية عابرة للتخصصات؛ فالرسم عنده لم يكن منفصلاً عن الكلمة، والشعر لم يكن بعيداً عن اللون.
لقد حمل معه من الريف صوراً لا تنتمي إلى الطبيعة وحدها: القرية، الأم، الجبل، الحقول، الوجوه، الحكايات الشعبية، الموروث والأسطورة. وكلها ستعود لاحقاً في أعماله، ولكن بعد أن تمر عبر مختبر الذاكرة والحداثة.
من حلب إلى روما: عندما التقت الذاكرة بالحداثة
بدأ المدرّس عرض أعماله في أربعينيات القرن العشرين، وأقام معرضه الفردي الأول في حلب عام 1950، لتبدأ منذ ذلك الحين مسيرة طويلة داخل المشهد التشكيلي السوري والعربي.
وفي منتصف الخمسينيات، انتقل إلى إيطاليا للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة في روما، حيث امتدت دراسته بين عامي 1954 و1960 وفق مصادر فنية ومؤسساتية متعددة. وبعدها تابع دراساته في باريس خلال أواخر الستينيات وبداية السبعينيات.
كانت روما محطة مهمة في بناء لغته الفنية؛ إذ أتاحت له الاحتكاك المباشر بالفنون الأوروبية الحديثة، وبالسريالية واتجاهات التجديد في الرسم.
لكن أهمية هذه الرحلة لم تكن في انتقاله من سورية إلى أوروبا فقط، وإنما في عودة أوروبا معه إلى سورية بصورة مختلفة.
لقد تعلّم الأدوات الحديثة، لكنه ظل يبحث عن موضوعه في الذاكرة السورية. ولهذا لم تتحول الحداثة عنده إلى قطيعة مع الماضي، بل إلى طريقة جديدة لاستعادته.
وهنا تكمن إحدى أهم خصائص تجربته:
الحداثة عند فاتح المدرّس لم تكن نسياناً للتراث، وإنما إعادة اكتشاف له.
من الواقعية إلى السريالية ثم التجريد التعبيري
يمكن النظر إلى تجربة المدرّس باعتبارها مساراً متدرجاً لاختبار حدود الصورة.
في بداياته، ظهرت تأثيرات الواقعية، ولا سيما في المناظر الطبيعية والموضوعات المستمدة من البيئة المحلية. ثم دخلت السريالية إلى تجربته، بما تحمله من تحرير للخيال وتجاوز للمنطق الواقعي المباشر.
لكن المدرّس لم يتوقف عند السريالية بوصفها مدرسة مغلقة؛ فقد أخذ منها طاقتها الحلمية والتلقائية، ثم بدأ بتكوين عالمه الخاص.
ومع مرور الوقت، اتجه بصورة أوضح نحو التجريد التعبيري، حيث لم تعد الشخصية الإنسانية شخصية مكتملة الملامح بالضرورة، ولم تعد الأرض مجرد منظر طبيعي. أصبح الاثنان يتداخلان في بنية واحدة.
تصفه مؤسسة برجيل للفن بأنه أحد الفنانين المحوريين في الحداثة والسريالية السورية، وتشير إلى أن أعماله تطورت لاحقاً باتجاه أكثر تعبيرية، مع استمرار حضور أشكال مربعة مميزة في بناء الشخصيات.
الوجه الذي خرج من الأرض
من أكثر العناصر اللافتة في أعمال المدرّس الوجه الإنساني.
لكن الوجه لديه لا يظهر دائماً بوصفه بورتريهاً بالمعنى التقليدي. إنه كيان تختلط فيه ملامح الإنسان بملامح المكان.
الوجوه الصلبة أو ذات البنية المربعة، والخطوط السوداء، والكتل اللونية الثقيلة، تجعل الشخصية تبدو أحياناً وكأنها منحوتة من صخر قديم أو خرجت من جدار أثري.
وهذا الأسلوب ليس منفصلاً عن مصادره البصرية؛ فقد أشارت دراسات فنية إلى حضور تأثيرات من الفن الآشوري، والشخصيات التدمرية، والأيقونوغرافيا المسيحية في تكويناته.
ومن هنا يمكن فهم الإنسان في لوحته باعتباره أكثر من فرد؛ إنه ذاكرة جماعية.
وجه المرأة قد يكون أماً، ووجـه الرجل قد يحمل ملامح الفلاح، والكتلة الصخرية قد تتحول إلى جسد، والجبل قد يبدو كأنه وجه بشري.
في عالم المدرّس، لا توجد حدود نهائية بين الإنسان والطبيعة.
الأم والمرأة والأرض: ثلاثية الذاكرة
احتلت المرأة مكانة خاصة في عالمه التشكيلي، كما ارتبطت صورة الأم لديه بصورة الأرض.
الأم ليست فقط شخصية عائلية، بل تتحول إلى رمز للحماية والفقد والخصوبة والذاكرة. والأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل ذاكرة تنتمي إليها الشخصية الإنسانية كما تنتمي إليها الجذور.
لهذا تظهر المرأة في عدد من أعماله محاطة بحضور الأرض والأسطورة والحزن.
يمكن قراءة ذلك في سياق طفولته وعلاقته بوالدته والبيئة الريفية التي نشأ فيها، لكن الأهم أن المدرّس نجح في تحويل التجربة الشخصية إلى رمز إنساني واسع.
فالأم في لوحته يمكن أن تكون أماً سورية، لكنها في الوقت ذاته صورة للأم التي تحمل تاريخ الفقد، وللأرض التي تحفظ أسماء الذين مروا عليها.
تدمر وآشور والأسطورة: الماضي بوصفه حاضراً
لم يكن التراث القديم لدى المدرّس مادة زخرفية يستعير منها الأشكال، وإنما كان جزءاً من بحثه عن جذور الهوية.
حضرت تدمر والأساطير السورية القديمة والرموز الدينية والتاريخية في أعماله، إلى جانب استلهامات من الحضارات السورية القديمة.
وفي هذا السياق، تبدو شخصياته وكأنها تأتي من طبقات زمنية متعددة: إنسان معاصر، لكنه يحمل في وجهه أثراً آشورياً أو تدمرّياً أو أيقونياً.
إنها محاولة لاستعادة الزمن المفقود داخل الصورة.
فاللوحة عنده ليست نافذة على لحظة واحدة، بل نافذة على أزمنة متراكبة.
وهذه الخاصية تحديداً تجعل أعماله قريبة من مفهوم الأنطولوجيا البصرية؛ أي البحث في ماهية وجود الإنسان والصورة والأرض والذاكرة، لا الاكتفاء بوصف مظاهرها الخارجية.
«كفر جنة»: المكان عندما يتحول إلى ذاكرة
تُعد لوحة «كفر جنة» من الأعمال البارزة المرتبطة بمسيرته المبكرة؛ وهي مستوحاة من قرية في ريف حلب، وحصلت على جائزة في معرض الفنون التشكيلية بالمتحف الوطني في دمشق عام 1952 وفق توثيق صحفي أرشيفي.
وتكمن أهمية العمل في دلالته أكثر من كونه مجرد منظر طبيعي.
فالمكان عند المدرّس لا يبقى مكاناً. إنه يتحول إلى ذاكرة شخصية وجماعية.
القرية هنا ليست مجموعة بيوت وطرقات، وإنما فضاء تختزن فيه طفولة الفنان وذاكرته الريفية وارتباطه بالأرض.
وبذلك تصبح اللوحة وثيقة وجدانية، لكنها في الوقت نفسه تتجاوز الوثيقة الواقعية نحو إعادة صياغة المكان في لغة تشكيلية.
اللون: حين كتب المدرّس الشعر بالفرشاة
إذا كان الخط أحد مفاتيح قراءة عالم فاتح المدرّس، فإن اللون هو مفتاح آخر لا يقل أهمية.
الألوان الترابية، والبني، والرمادي، والأزرق، والألوان الداكنة، تظهر في عدد كبير من أعماله، مع حضور قوي للملمس والكتلة.
وتشير مصادر فنية إلى استخدامه أحياناً الرمل والمواد المختلفة مع اللون، الأمر الذي منح سطح اللوحة ملمساً مادياً واضحاً.
وهنا تقترب اللوحة من مفهوم المادة نفسها.
فاللون لا يكتفي بأن يكون لوناً؛ إنه يصبح تراباً وذاكرة وجداراً وصخراً.
ولذلك يمكن القول إن المدرّس لم يكن يستخدم اللون لتجميل الموضوع، بل كان يجعل اللون جزءاً من معنى الموضوع.
الأرض لونها، والوجع لونه، والذاكرة لونها، والحرب لها أيضاً لونها.
الحرب والإنسان: اللوحة في مواجهة المأساة
مع التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في المنطقة، أصبحت أعمال المدرّس أكثر انشغالاً بالإنسان وبالمآسي الجماعية.
وتشير مؤسسات فنية إلى أن موضوعاته أخذت منحى سياسياً أكثر وضوحاً بعد عام 1967، كما تناولت أعماله أزمات الريف والحروب والصراعات الإقليمية، ومنها الحرب الأهلية اللبنانية.
لكن المدرّس لم يتعامل مع الحرب كخبر صحفي.
إنه لا يرسم المعركة بقدر ما يرسم أثرها في الإنسان.
تتحول الشخصيات إلى كتل مثقلة، وتصبح الألوان أكثر قتامة، ويبدو الوجه وكأنه يحمل عبء تاريخ كامل.
وهنا تلتقي الصحافة بالفن من زاوية مختلفة:
فالصحفي يوثق الحدث، أما الفنان فيحاول أحياناً أن يوثق ما يفعله الحدث داخل الروح الإنسانية.
الأدب في قلب اللوحة
من الخطأ اختزال فاتح المدرّس في كونه رساماً فقط.
كان شاعراً وقاصاً وناقداً وكاتباً في قضايا الفن والجمال، وقد ارتبط منذ بداياته بالحياة الأدبية والثقافية في حلب. وتشير المراجع إلى مشاركته في الصالونات الأدبية وكتابته الشعر والقصة والمقالات النقدية.
وله مؤلفات وكتابات في الشعر والنقد وفلسفة الفن، ومن بينها أعمال شعرية ودراسات في النقد الفني، إضافة إلى كتابات مرتبطة بالفنون وتاريخها.
وهذا الجانب الأدبي يفسر شيئاً من طبيعة لوحته.
فهو لا يرسم فقط؛ بل يسرد.
والشخصية في لوحته تشبه أحياناً جملة لم تكتمل، واللون يشبه مفردة، والخط يشبه إيقاعاً، والتكوين كله يبدو قريباً من القصيدة.
ولهذا ارتبطت تجربته بما يمكن تسميته شعرية الصورة: حين لا يعود اللون مجرد مادة بصرية، بل يصبح حاملاً لمعنى أدبي وفلسفي.
الفنان المعلّم
لم يكتف المدرّس بإنتاج الفن، بل أسهم في صناعة أجيال جديدة من الفنانين السوريين.
بعد عودته إلى سورية، عمل في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وتولى عمادتها حتى عام 1993 وفق مصادر فنية، وأسهم خلال سنوات التدريس في التأثير في أجيال من الفنانين الشباب.
وهنا تكتسب تجربته بعداً آخر:
فالفنان الذي يترك لوحات يمكن أن يُذكر بسبب أعماله، أما الفنان الذي يترك أثراً في تلاميذه، فإنه يواصل حضوره من خلال الأجيال.
كان المدرّس واحداً من أولئك الذين تعاملوا مع التعليم بوصفه جزءاً من المشروع الثقافي، لا مجرد وظيفة أكاديمية.
حضور عالمي يتجاوز الحدود السورية
لم تبق تجربة المدرّس محصورة في سورية.
شارك في عدد من المعارض والبيناليات الدولية، من بينها بينالي البندقية عام 1961، وبينالي ساو باولو عام 1963، وبينالي سيول عام 1980، وبينالي القاهرة عام 1986، كما أقيم له معرض استعادي مهم في معهد العالم العربي بباريس عام 1995.
كما توجد أعماله في مجموعات ومؤسسات فنية دولية، منها المتحف البريطاني، ومتحف: المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة، والمتحف الوطني بدمشق، ومؤسسات فنية عربية ودولية أخرى.
وهكذا خرجت صورة الإنسان السوري من مرسمه إلى فضاءات الفن العالمي، لا بوصفها صورة فولكلورية أو محلية، وإنما بوصفها تجربة إنسانية قادرة على الحوار مع الحداثة العالمية.
فاتح المدرّس والتجربة السورية الحديثة
تكمن أهمية المدرّس في أنه لم يكتفِ باستيراد الحداثة الأوروبية.
كان السؤال عنده أكثر عمقاً: كيف نصنع حداثتنا الخاصة؟
ولهذا ظل الريف السوري حاضراً حتى بعد روما وباريس. وظلت تدمر وآشور والرموز الدينية حاضرة إلى جانب التجريد والتعبيرية.
لقد أقام جسراً بين عالمين:
الشرق والغرب،
القديم والحديث،
الأسطورة والواقع،
الكلمة والصورة،
الأرض والإنسان،
الذاكرة والحاضر.
ومن هذه الثنائيات خرجت لغته الخاصة.
وقد لخّصت دراسات حديثة مكانته بوصفه من رواد الحداثة السورية، بينما تؤكد موسوعات ومؤسسات فنية دولية أن تجربته شكلت مزيجاً فريداً من التراث السوري والتقنيات والأساليب الحديثة.
أعمال وموضوعات في ذاكرة التجربة
ارتبط اسم فاتح المدرّس بعدد من الأعمال والموضوعات التي أصبحت جزءاً من قراءة تجربته، ومن بينها «كفر جنة»، وأعمال مرتبطة بتدمر، والأمومة، والشخصيات الإنسانية، والرموز الدينية والتاريخية، إضافة إلى أعمال ذات مضامين سياسية وإنسانية.
كما تُظهر المجموعات المتحفية نماذج مثل «نساء الانتفاضة» (1989) و**«طفل فلسطين» (1981)**، إلى جانب أعمال مثل «جبل الشيخ» و«أشخاص».
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأعمال بوصفها عناوين منفصلة؛ فثمة خيط داخلي يصل بينها: الإنسان في مواجهة الزمن.
الإنسان الذي يعيش على الأرض، ثم يصبح جزءاً من تاريخها، ثم تتحول صورته إلى ذاكرة فنية.
الصورة والذاكرة: قراءة فوتوغرافية لتجربة المدرّس
ومن زاوية مجلة متخصصة في التصوير، تبدو تجربة فاتح المدرّس مثيرة للاهتمام بصورة خاصة.
فالفوتوغرافي ينطلق غالباً من لحظة مرئية، بينما ينطلق المدرّس من أثر اللحظة في الذاكرة.
الكاميرا تستطيع أن تحفظ ملامح الوجه، أما لوحة المدرّس فتبحث عن الوجه الذي بقي بعد أن غاب صاحبه.
الكاميرا تسجل المكان، بينما اللوحة تعيد تخيّل المكان.
الكاميرا تقول: هكذا كان المشهد.
أما المدرّس فيسأل: ماذا بقي من المشهد داخل الإنسان؟
وهنا تلتقي الفوتوغرافيا مع فلسفة الصورة.
فالصورة ليست دائماً مجرد نسخة عن الواقع؛ قد تصبح أثراً، ووثيقة، وذاكرة، وشهادة، وأحياناً كياناً جمالياً مستقلاً.
وهذه إحدى النقاط التي تجعل تجربة المدرّس قابلة للقراءة من منظور بصري معاصر يتجاوز حدود الرسم التقليدي.
فاتح المدرّس: بين الوثيقة والقصيدة
في أعماله لا نجد وثيقة بالمعنى الفوتوغرافي الصارم، ولا نجد تجريداً منفصلاً عن العالم.
بل نجد منطقة وسطى تتشكل فيها الوثيقة والقصيدة.
فالقرية موجودة، لكن الفنان لا يقدمها كما تراها العين فقط.
والإنسان موجود، لكنه لا يظهر كجسد فحسب.
والأسطورة موجودة، لكنها لا تظهر بوصفها حكاية قديمة، وإنما كذاكرة حية.
والحرب موجودة، لكن اللوحة لا تتوقف عند الحدث، بل تنتقل إلى الجرح الإنساني.
وهكذا يصبح الفن عند المدرّس نوعاً من إعادة بناء الذاكرة.
خاتمة: حين يصبح الفنان أرضاً تمشي على هيئة لوحة
رحل فاتح المدرّس في دمشق في 28 يونيو/حزيران 1999، لكن تجربته لم تدخل إلى الماضي بالمعنى الكامل؛ لأنها بقيت حاضرة في المتاحف والمجموعات الفنية، وفي ذاكرة الفن السوري الحديث، وفي أعمال أجيال من الفنانين الذين تأثروا به.
لقد ترك وراءه أكثر من لوحات.
ترك طريقة في النظر.
نظر إلى الأرض فلم يرَ تراباً فقط، بل رأى ذاكرة.
ونظر إلى الإنسان فلم يرَ وجهاً فقط، بل رأى تاريخاً.
ونظر إلى الأسطورة فلم يرَ ماضياً منتهياً، بل رأى جذراً لا يزال حاضراً.
ونظر إلى الحرب فلم يرَ حدثاً عابراً، بل رأى جرحاً يترك ظله على الروح.
لهذا يصعب وضع فاتح المدرّس في خانة واحدة: واقعي أو سريالي أو تجريدي أو تعبيري. فهذه المراحل ليست سوى محطات في رحلة أطول، رحلة البحث عن لغة سورية حديثة تستطيع أن تستوعب الماضي والحاضر معاً.
وربما كانت أعظم قيمة في تجربته أنه لم يحاول أن يهرب من ذاكرته المحلية كي يصبح فناناً حديثاً؛ بل فعل العكس تماماً: حمل ذاكرته معه إلى الحداثة، وأعاد صياغتها بلغة بصرية جديدة.
وهكذا بقيت لوحته، بعد عقود من رحيله، أشبه بمرآة لا تعكس وجه الفنان وحده، بل تعكس وجوهاً كثيرة: وجه القرية، وجه الأم، وجه الإنسان، وجه سورية، ووجه زمن كامل كان يبحث عن نفسه بين التراث والحداثة.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


