الانطواء على الذات واجترار الذكريات في مسرحية شريط كراب الأخير لصمويل بيكيت

تعد مسرحية الشريط الأخير من أكثر مسرحيات صمويل بيكيت – ومسرحيات كتاب مسرح العبث بصفة عامة – قتامة وسوداوية، فلا يلوح فيها أي بصيص من الفكاهة، بخلاف ما نراه في كثير من مسرحيات صمويل بيكيت، وأكثر مسرحيات كتاب مسرح العبث.

وتعد مسرحية شريط كراب الأخير مونودراما، فلا يظهر فيها غير شخص واحد، وهو كراب الذي طعن في السن، وصار سجين بيته، ويبدو فيه قذر الهيئة، كما أنه يتصرف فيه ببوهيمية وفوضوية، كأكله قرون الموز، ورميه قشورها في أرضية بيته، كما لو كان بيته برميل قذارة، وقد تآلف على أن يتعايش فيه بهذا الوضع، حتى صار كان جزاء من هذه القذارة التي به.

ولا يفعل كراب أي شيء مهم طوال أحداث هذه المسرحية، كما أن حركته قليلة فيها، ومما يفعله كراب فيها أن يذهب لركن مظلم في الحجرة التي هو بها، ونعرف من فتحه سدادات زجاجات أنه يشرب الخمر، لا سيما أنه يمسح فمه بعد خروجه من هذا المكان المظلم، ويكرر كراب هذا الأمر عدة مرات في هذه المسرحية.

وكذلك من الأعمال القليلة التي يقوم بها كراب في هذه المسرحية نطقه بعض الكلمات بطريقة غير مفهومة؛ ولا شك أن أثر السن له علاقة في عدم قدرته على إيضاح حروف هذه الكلمات التي ينطقها، كما أن عزلته وحيدا في بيته، وقلة حديثه مع غيره لها دخل في ذلك.وأهم شيء يفعله كراب في هذه المسرحية أن يستمع إلى شرائط كان قد سجل كل شريط منها في عيد ميلاد له، ويقوم باسترجاعها، أو باسترجاع فقرات منها، ومن خلال عرضه فقرات من هذه الأشرطة نتعرف على جوانب بسيطة من حياته، فهو كان قصاصا، ولكنه صار في طي النسيان، وكان قد عشق بعض النساء، وأعجبه منهن أعينهن على وجه الخصوص، ويفهم من مسمع من أحد هذه الأشرطة أيضا أنه كان قد أعجب على – وجه الخصوص – بفتاة قد رافقته في قارب.ويحاول كراب أن يسجل شريطا في عيد ميلاده الحالي، ولكن ماذا عساه يقول وهو سجين بيته بلا أحداث مهمة، وصار لا يحسن نطق حروف الكلمات؟ولا شك أن بيكيت قد أراد أن يعكس من خلال شخصية كراب عزلة الإنسان المعاصر، وعدم قدرته – أو عدم رغبته – على التواصل مع أحد، وليس أمامه غير أن يجتر ذكرياته، لا ليحكيها لشخص آخر يؤنس وحدته، ولكن من خلال جهاز التسجيل الذي اعتاد أن يكلم فيه نفسه!

وهذه الصورة القميئة التي يقدم من خلالها بيكيت صورة إنسان هذا العصر تعكس نظرته البائسة للبشرية، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية التي مات بسببها ملايين البشر، كما أن هذه الصورة تعكس أثر التكنولوجيا على الإنسان في أنها صارت بديله عن التواصل الحميمي مع الآخرين من البشر.

بقلم د.علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم