الاقتراب من الكمال المدهش، ليس فكرة عابرة بل تجسيد،هيدي لامار العبقرية والجمال.

هيدي لامار: المرأة التي لم يخلق مثلها اثنان – عقل عبقريّ في جسدٍ ساحرفي سجلات التاريخ، ثمّة أسماء قليلة تتحدّى التصنيف، وأرواح تأبى إلّا أن تسير في مسارين متباعدين، لتثبت للعالم أنّ العظمة لا تعرف حدّاً. من بين هذه الأسماء، يبرز اسم هيدي لامار (Hedy Lamarr)، المرأة التي وُصفت مراراً بـ”أجمل امرأة في العالم”، والتي حاكت قصصاً من السحر على الشاشة الفضية. ولكن تحت هذا الجمال الآسر، الذي خطف أنفاس الملايين، كان يكمن عقل عبقريّ فذّ، هو من وضع اللبنات الأولى لثورة الاتصالات اللاسلكية التي نعيشها اليوم. هذه هي قصتها، قصة امرأة استثنائية بلغت الكمال عقلاً وشكلاً، لكنّ العالم لم يمنحها حقّ قدرها إلّا بعد فوات الأوان.النشأة: حيثُ يولد التمرّد والعبقريةفي التاسع من نوفمبر عام 1914، وفي قلب العاصمة النمساوية فيينا، وُلدت هيدويغ إيفا ماريا كيزلر (Hedwig Eva Maria Kiesler) التي سيعرفها العالم لاحقاً بهيدي لامار. كانت الطفلة الوحيدة لعائلة يهودية ثريّة، فوالدها إميل كيزلر كان مديراً مصرفياً ناجحاً، ووالدتها غيرترود عازفة بيانو من الطبقة الراقية.منذ نعومة أظفارها، بدت هيدي طفلة غير عادية. والدها، الرجل الفضولي بطبيعته، كان يأخذها في جولات طويلة، يشرح لها خلالها كيفية عمل الآلات من حولهما، بدءاً من المطابع وحتى عربات الترام. هذا الشغف الذي زرعه فيها جعلها، في سنّ الخامسة فقط، تفكّك صندوقها الموسيقي وتعيد تجميعه، ليس بدافع التخريب، بل فضولاً جامحاً لفهم جوهر الأشياء. في المقابل، غرست فيها والدتها حبّ الفن والموسيقى، وتلقت دروساً في الباليه والعزف على البيانو، مما صقل روحها الفنية.هذا المزيج المبكر بين العلم والفن، بين دقةّ الهندسة وسحر الإبداع، هو ما شكّل شخصية لامار الفريدة.الوجه الذي أسر العالم: رحلة الصعود إلى المجد السينمائيلم يكن جمال هيدي لامار جمالاً عادياً، بل كان من الطراز الذي يصنع الأساطير. بشعرها الأسود كالغراب، وعينيها الواسعتين اللامعتين، وبشرتها المرمرية، لفتت الأنظار وهي في سنّ الثانية عشرة، عندما فازت بأول مسابقة جمال في فيينا. درست التمثيل لاحقاً في برلين على يد المخرج المسرحي الأسطوري ماكس راينهاردت، الذي لم يتردد في إطلاق لقب “أجمل فتاة في العالم” عليها، واصفاً إياها بأنها تمتلك “جمالاً غريباً داكناً يضرب بقوة”.بدأت مسيرتها السينمائية في أوروبا في سن المراهقة، لكنّ الانطلاقة الحقيقية، المثيرة للجدل، جاءت في عام 1933 مع فيلم “إكستاسي” (Ecstasy) للمخرج التشيكي جوستاف ماتشاتي. كانت هيدي في الثامنة عشرة عندما قدّمت أول مشهد عارٍ في تاريخ السينما التجارية، والأكثر جرأة من ذلك، مشهد محاكاة للنشوة الجنسية، وهو أمر غير مسبوق تماماً في ذلك العصر. أحدث الفيلم ضجة هائلة، وأدانه البابا في الفاتيكان، ومنعه هت.لر، بينما اعتُبر في أوساط فنية عملاً إبداعياً رائداً حصل على جائزة في مهرجان فينيسيا السينمائي!. بهذا الدور، لم تكن هيدي مجرد ممثلة صاعدة، بل أصبحت أيقونة للجرأة والتحرر، ونجمة تُعرف باسمها.هروبٌ من نير الطغيان: قصة لائقة بفيلم سينمائيّجمال لامار الفاتن وسيرتها المثيرة جلبا إليها أحد أقوى الرجال ونفوذاً في النمسا، قطب صناعة السلاح الثري فريدريش ماندل، الذي كان على صلات وثيقة بالنظامين النازي والفاشي. في عام 1933، تزوجها ماندل الذي كان يكبرها بخمسة عشر عاماً، ليحوّل حياتها إلى ما يشبه السجن المذهّب. كان شديد الغيرة، يمنعها من التمثيل، بل وحاول شراء وتدمير جميع نسخ فيلمها “إكستاسي”. كانت أشبه بدمية جميلة، أو تحفة فنية ثمينة في قصره، حُرمت من أن يكون لها رأيها أو حياتها الخاصة.لكنّ الأهم من ذلك، كان ماندل يأخذها معه إلى عشاء العمل مع نخبة رجال الصناعة العسكرية من النازيين والإيطاليين. وبينما كان الرجال يتحدثون بحرية أمام “الزوجة الجميلة” التي لا يفترضون أنها تفهم، كانت هيدي، بعقلها المتّقد، تلتقط كل كلمة عن تقنيات الطوربيدات وأنظمة التوجيه اللاسلكي. كان هذا أسوأ خطأ ارتكبه ماندل.إذ لم تكن هيدي تحتمل العيش مع رجل يدعم الن ازيين، ناهيك عن كونها من أصول يهودية. في عام 1937، وفي مشهدٍ لا يقلّ إثارة عن أي فيلم من أفلامها، خططت لهروبها. تقول الحكايات إنها خدّرت خادمتها، وارتدت ملابسها، وتسللت من القصر هاربةً إلى لندن، تاركةً وراءها حياة البذخ والقهر، وحاملة معها شيئاً أغلى من أيّ مجوهرات: معرفة ثمينة بتقنيات الحرب.هوليوود تحت الأضواء: أكثر من مجرّد وجه جميلفي لندن، التقى جمالها الآسر وحضورها الطاغي برجل آخر يصنع النجوم، هو لويس بي. ماير، رئيس استوديوهات MGM الأسطورية. وقّعت معه عقداً واتجهت إلى هوليوود، ليتمّ تتويجها بنجمة سينمائية تحت اسمها الفني الجديد “هيدي لامار”. هناك، ازدهرت مسيرتها وشاركت في أكثر من 25 فيلماً خلال العصر الذهبي لهوليوود، إلى جانب ألمع النجوم مثل كلارك غيبل وسبنسر تريسي.على الرغم من موهبتها التمثيلية، إلا أن جمالها الطاغي كان غالباً ما يضعها في قالب “المرأة الفاتنة” أو “الفاتنة الغريبة”. تألقت في أدوار مثل فيلم “الجزائر” (Algiers) عام 1938، و”بلدة الازدهار” (Boom Town) عام 1940، و”البضائع البيضاء” (White Cargo) عام 1942. وكان أعظم نجاحاتها التجارية فيلم “شمشون ودليلة” (Samson and Delilah) عام 1949 للمخرج سيسيل بي. ديميل.ومع ذلك، شعرت هيدي بالاختناق من هذا القالب. عبّرت عن إحباطها ذات مرة بعبارة لاذعة: “أي فتاة يمكنها أن تكون فاتنة، كل ما عليك فعله هو أن تقف هناك وتبدو غبية”. لم تكن هيدي راضية عن هذا الدور السطحي، فعقلها كان يشتعل بأفكار أكبر بكثير.العقل المخترع: عندما يلتقي الجمال بالعبقرية وتتغير قواعد الحرببينما كانت هوليوود ترى فيها وجهاً جميلاً، كانت هيدي ترى في نفسها مخترعة. كانت هوايتها المفضلة هي تفكيك الأشياء وإعادة تركيبها، وغالباً ما كانت تنشئ مختبراً صغيراً في زاوية غرفة معيشتها، وتستمر في تجاربها داخل مقطورتها أثناء فترات الراحة من التصوير. صمّمت أجنحة محسّنة للطائرات لصالح صديقها الملياردير الطيار هوارد هيوز، بعد أن درست أشكال أسرع الطيور والأسماك لتستلهم تصاميمها.ولكنّ أهم اختراعاتها كان بدافع وطني عميق خلال الحرب العالمية الثانية. كانت هيدي تكره الن ازيين، وأرادت المساعدة في إلحاق الهزيمة بهم. وهنا، استرجعت المعرفة التي التقطتها من أحاديث العشاء في قصر زوجها السابق ماندل، وكانت المشكلة واضحة في ذهنها: طوربيدات الحلفاء الموجّهة لاسلكياً كان يمكن التشويش عليها بسهولة لتنحرف عن مسارها.جاءتها الفكرة العبقرية بينما كانت تعزف على البيانو مع صديقها الملحن الموسيقي الطليعي جورج أنثيل (George Antheil). أدركت أنه بدلاً من إرسال إشارة التوجيه على تردد واحد ثابت، يمكن لهما جعل التردد “يقفز” بشكل عشوائي بين 88 تردداً مختلفاً، وهو عدد مفاتيح البيانو!. طالما أن المُرسِل (في السفينة) والمُستقبِل (في الطوربيد) يعرفان النمط العشوائي للقفزات، فسيكون من المستحيل على العدو التشويش على الإشارة أو اعتراضها.لتنفيذ هذه الفكرة، استخدم الثنائي العبقري آلية “بكرات البيانو المثقبة” (Player Piano Rolls) لإنشاء النمط العشوائي للقفز بين الترددات، وهو تصميم مدهش في بساطته وعبقريته. حصلا معاً على براءة الاختراع رقم 2,292,387 في عام 1942 لنظام “الاتصالات السرية” (Secret Communications System) الذي اخترعاه. لقد كان هذا الاختراع هو أول نظام عملي لتقنية “الطيف المنتشر بالقفز الترددي” (Frequency-Hopping Spread Spectrum)…. الإرث الخالد: العالم الذي نعيشه اليومبكل وطنية، قدّمت هيدي لامار وجورج أنثيل براءة اختراعهما للبحرية الأمريكية لاستخدامها في الحرب ضد النازيين، دون مقابل مادي. لكنّ البحرية، بمنتهى السخرية، لم تأخذ اختراع “نجمة هوليوود الجميلة” على محمل الجدّ. وبدلاً من استخدام نظامها، أخبروها أنها تستطيع خدمة المجهود الحربي بشكل أفضل من خلال… بيع القبلات في حملة لجمع سندات الحرب! وهو ما فعلته، ونجحت في جمع ملايين الدولارات. تمّ تصنيف براءة اختراعها ووضعتها البحرية على الرف، ولم يتمّ استخدامها إلّا بعد انتهاء صلاحيتها بسنوات طويلة، أثناء أزمة الصواريخ الكوبية في الستينيات.لعقود، ظلّ إسهام لامار العلمي طيّ النسيان. ولكن مع الثورة الرقمية، أدرك العالم أخيراً القيمة الحقيقية لاختراعها. تُعتبر تقنية “القفز الترددي” التي شاركت في اختراعها هي الأساس العلمي لجيل كامل من التقنيات التي نعتمد عليها يومياً، بما فيها الواي فاي (Wi-Fi)، والبلوتوث (Bluetooth)، ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS) .لم تحصل هيدي على أي مقابل مادي من اختراعها الذي تبلغ قيمته اليوم مليارات الدولارات. لكن الاعتراف الرمزي جاء متأخراً جداً، ففي عام 1997، قبل وفاتها بثلاث سنوات، كرّمتها “مؤسسة الجبهة الإلكترونية” (Electronic Frontier Foundation) بجائزتها الريادية المرموقة…. خاتمة : أخيراً، العالم يعتذرتوفيت هيدي لامار في 19 يناير عام 2000 عن عمر يناهز 85 عاماً. رحلت وهي تشعر بمرارة الإهمال لسنوات طويلة، حيث قال ابنها أنتوني لودر: “لقد كانت شخصية مبدعة للغاية، أعني أنها كانت تجد الحلول بلا توقف. إذا تحدثت عن مشكلة ما، كانت تجد لها حلاً”.لكن إرثها باقٍ. في كل مرة نهتدي فيها إلى طريقنا عبر نظام GPS، أو نستمع إلى الموسيقى عبر سماعات بلوتوث، أو نتصفح الإنترنت عبر شبكة Wi-Fi، فإن لحظة من الامتنان الصامت تصبح واجبة لهذه المرأة الاستثنائية. لم تكن هيدي لامار مجرد وجه جميل عابر في عالم السينما، بل كانت عبقرية فذّة، ومخترعة ثورية أثبتت للعالم أن العقل الأكثر إشراقاً يمكنه أن يسكن في أكثر الأجساد إبهاراً. إنها الشاهدة الحية على أن الكمال، عقلاً وشكلاً، ليس مجرد أسطورة .. R-A

#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم