شادية الأتاسي.. حين تعود الرواية من المنفى محمّلةً بذاكرة الوطن
من حمص إلى الاغتراب، ومن جراح الحرب إلى «تانغو الغرام» و«إعصار عذب».. رحلة أدبية في أعماق الإنسان السوري
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين تصبح الكتابة وطناً آخر
ليست الغربة في حياة الكاتب مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، ولا هي مسافة تُقاس بالكيلومترات والحدود الجغرافية؛ إنها، في كثير من الأحيان، تجربة داخلية طويلة يعيد الإنسان خلالها اكتشاف علاقته بالمكان والذاكرة والهوية. وبين الحنين إلى الوطن ومرارة الابتعاد عنه، تتشكل أسئلة الكتابة، وتتبدل صورة الماضي في الوعي، ويغدو الأدب محاولةً لاستعادة ما تسرب من الحياة تحت ضغط الزمن والحرب والتحولات الاجتماعية.
في هذا الأفق تتبدى تجربة الروائية والأديبة السورية شادية الأتاسي، ابنة مدينة حمص، التي تتناول في أعمالها قضايا الوطن والمرأة والحب والاغتراب، وتقترب من التصدعات النفسية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب السورية في حياة الإنسان. فمن خلال الجمع بين الواقعية والحس الرومانسي، تسعى كتابتها إلى استكشاف المناطق الخفية في النفس البشرية، حيث تتقاطع الرغبات الشخصية مع القيود الاجتماعية، ويتشابك المصير الفردي مع الأسئلة الوطنية الكبرى.
وتبرز روايتاها «تانغو الغرام» و«إعصار عذب» بوصفهما محطتين أساسيتين في مسارها الإبداعي؛ ففي الأولى تضع الحب أمام امتحان الحرب واضطراب الحياة، وفي الثانية تتسع الرؤية لتشمل المنفى والشتات السوري وأسئلة الهوية والنجاة وإعادة بناء الذات. وبين العملين تتشكل مساحة سردية تتجاور فيها العاطفة مع الصراع، والأمل مع الخسارات، والذاكرة مع الرغبة في بداية جديدة.
أما عودتها إلى حمص بعد سنوات طويلة من الغياب، فتمنح سيرتها بعداً إنسانياً إضافياً، إذ تفتح باب التأمل في العلاقة بين الكاتب ومدينته، وبين الذاكرة التي تصونها الكتابة والواقع الذي يعود إليه الإنسان محمّلاً بتجارب السنين.
حمص.. المدينة التي تسكن الذاكرة والنص
تحمل حمص، بما تختزنه من ذاكرة اجتماعية وثقافية وإنسانية، مكانةً خاصة في وجدان أبنائها، ولا سيما أولئك الذين أبعدتهم الظروف عن مدينتهم لسنوات طويلة. فالمدينة ليست في الوعي الأدبي مجموعة شوارع وأحياء فحسب؛ إنها شبكة من العلاقات والوجوه والأصوات والتفاصيل اليومية التي تظل حاضرة حتى حين يغيب أصحابها عنها.
ومن هذا المنظور، تبدو حمص خلفيةً وجدانية مهمة لقراءة تجربة شادية الأتاسي، من دون اختزال أدبها في حدود المكان وحده. فالكاتب الذي يغادر مدينته لا يغادرها بالضرورة من داخله؛ إذ تواصل الذاكرة عملها في استعادة الأمكنة ومراجعة العلاقات ومقارنة ما كان بما أصبح.
وتمنح تجربة الاغتراب الكاتب فرصةً لرؤية وطنه من مسافة مختلفة. فقد تكشف المسافة ما كانت الألفة اليومية تحجبه، كما يمكنها أن تضاعف الحنين وتجعل العلاقة بالماضي أكثر تعقيداً. وبين هذين الاحتمالين تتحول المدينة إلى عنصر حي في الوعي، وإلى سؤال يتجدد كلما حاول الكاتب أن يحدد موقعه من ذاته ومن العالم.
إن الكتابة عن الوطن من خارج حدوده ليست كتابةً عن الحنين وحده؛ فقد تكون أيضاً مساءلةً للمجتمع، وتأملاً في التحولات التي أصابت الإنسان والمكان، ومحاولةً لفهم الأسباب التي جعلت العودة حلماً أو ضرورةً أو مواجهةً مع ذاكرة مثقلة بالتجارب.
الاغتراب.. من المسافة الجغرافية إلى المنفى الداخلي
تُعدّ الغربة أحد المفاتيح المهمة لفهم كثير من التجارب الأدبية العربية المعاصرة، وخصوصاً تلك التي ارتبطت بالحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. فهي لا تقتصر على فقدان المكان المألوف، بل تمتد إلى الشعور بالانقطاع عن العلاقات الأولى، وتبدل صورة الذات، وصعوبة التوفيق بين حياة جديدة وذاكرة لم تتوقف عن استعادة الماضي.
ارتبطت سنوات الاغتراب في حياة شادية الأتاسي، ومنها فترة إقامتها في باريس، بتجربة إنسانية وإبداعية تركت أثرها في علاقتها بالوطن والإنسان. ويمكن قراءة هذه التجربة في ضوء التوتر الذي يعيشه المبدع بين حاجته إلى الانتماء ورغبته في الاحتفاظ بمسافة نقدية تسمح له برؤية الأشياء على نحو مختلف.
فالاغتراب لا يمنح الكاتب معرفةً جديدة بالمكان فحسب، وإنما يدفعه أيضاً إلى إعادة النظر في مفاهيم الاستقرار والهوية والحرية. وفي المنفى، قد يصبح الوطن حاضراً بقوة أكبر مما كان عليه في الحياة اليومية، لأن الذاكرة تعيد بناءه من شذرات متفرقة، وتمنح بعض التفاصيل العادية قيمةً استثنائية بعد أن تصبح بعيدة المنال.
لكن الأدب لا يكتفي بتسجيل الحنين؛ إنه يسأل أيضاً: ماذا يفعل الزمن بالإنسان؟ وكيف تتغير علاقته بوطنه بعد الغياب؟ وهل تكون العودة استعادةً للماضي، أم بدايةً لاكتشاف واقع مختلف لا يمكن التعامل معه إلا بوعي جديد؟
هذه الأسئلة تمنح تجربة الاغتراب بعدها الفكري، وتساعد على فهم الصلة بين السيرة الإنسانية للكاتبة والعوالم التي تصنعها في رواياتها. فالكتابة، في أحد وجوهها، مقاومة للنسيان، ووسيلة لنقل التجربة من عزلتها الفردية إلى مجال إنساني أوسع.
«تانغو الغرام».. الحب حين تتعثر الرقصة في زمن الحرب
صدرت رواية «تانغو الغرام» عن الدار العربية للعلوم ناشرون، واتخذت من الحب مدخلاً إلى قراءة التحولات التي أصابت العلاقات الإنسانية في ظل الحرب السورية. ولا يقتصر حضور الحب فيها على كونه عاطفةً شخصية أو علاقةً بين طرفين، بل يتجاوز ذلك ليصبح اختباراً لقدرة الإنسان على الاحتفاظ بحريته الداخلية، وسط واقع يضغط على خياراته ويهدد استقراره النفسي والاجتماعي.
يحمل عنوان الرواية طاقةً رمزية لافتة؛ فالتانغو رقصة تقوم على التفاعل بين شريكين، وعلى التوازن بين الاقتراب والابتعاد، والتقدم والتراجع، والإصغاء إلى حركة الآخر من دون فقدان الإيقاع الخاص. وحين ينتقل هذا المعنى إلى عالم الرواية، تصبح الرقصة استعارةً للعلاقات التي تحتاج إلى مساحة من الحرية والثقة والتفاهم كي تستمر.
لكن الحرب، بما تفرضه من خوف وفقدان واضطراب، تقطع الإيقاع الطبيعي للحياة، وتضع العاطفة أمام اختبارات قاسية. وهكذا تتحول العلاقة الإنسانية من مساحة للطمأنينة إلى ساحة تتصارع فيها الرغبة مع الخوف، والأمل مع الخيبة، والحلم مع الشروط التي يفرضها الواقع.
وتتداخل في الرواية الحقيقة مع الحلم، فيما تبحث المرأة عن مسار مختلف للوصول إلى الحب، وتخلق في مخيلتها حياةً موازية تستطيع من خلالها تجاوز بعض حدود الواقع. ومن هنا لا يكون الخيال هروباً بسيطاً من الحقيقة، بل محاولةً لاستعادة القدرة على الحلم حين تضيق الخيارات المتاحة في الحياة اليومية.
وعلى المستوى الفني، يتيح هذا البناء الانتقال بين التجربة الواقعية والمستوى النفسي للشخصيات، ويمنح السرد فرصةً لاستكشاف المسافة الفاصلة بين ما يعيشه الإنسان فعلاً وما يتمنى أن يعيشه. وهذه المسافة إحدى المناطق التي يستطيع الأدب أن يكشف فيها هشاشة النفس البشرية، كما يستطيع أن يُظهر قدرتها على ابتكار وسائلها الخاصة لمقاومة الانكسار.
بهذا المعنى، يمكن قراءة «تانغو الغرام» بوصفها روايةً عن الحب، لكنها في الوقت نفسه رواية عن الحرية التي تحتاج إليها العاطفة كي تنمو، وعن العلاقات التي قد تعجز عن الاستمرار عندما يتحول العالم المحيط بها إلى مصدر دائم للاضطراب.
«إعصار عذب».. عاصفة المنفى والبحث عن وطن بديل
إذا كانت «تانغو الغرام» تضع الحب في مواجهة تداعيات الحرب، فإن رواية «إعصار عذب» توسّع دائرة الرؤية لتشمل الشتات السوري في أوروبا، وما يرافقه من اغتراب ووحدة وحنين ومحاولات متكررة لبناء حياة جديدة.
صدرت الرواية عام 2023 عن الدار العربية للعلوم ناشرون، وتقع في 276 صفحة. وهي عمل واقعي يتناول قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية، مع اهتمام بحرية التعبير وحق الإنسان في العيش بأمان وتحقيق ذاته.
يحمل العنوان مفارقة شعرية غنية؛ فالإعصار في دلالته المألوفة قوة عاتية تقلب الأشياء وتخلخل استقرارها، بينما توحي العذوبة بالرقة والهدوء والقدرة على التخفيف من القسوة. ومن جمع المفردتين تتولد صورة أدبية تلائم عالماً تتجاور فيه المأساة مع الرغبة في النجاة، وتتشابك فيه الخسارات مع محاولات استعادة الحياة.
إن العذوبة هنا لا تعني إنكار الألم أو تجميل الوقائع على نحو يلغي حقيقتها، بل تشير إلى قدرة اللغة الأدبية على الاقتراب من التجربة القاسية من دون أن تتحول إلى تقرير جاف عن المعاناة. فالكاتبة تمنح التجربة شكلاً فنياً، وتحول الوقائع المتفرقة إلى تجربة إنسانية قابلة للتأمل، من غير أن تسلبها ثقلها أو دلالتها.
تتمحور الرواية حول سليمى، المرأة السورية التي تتقاطع حياتها مع مصائر أفراد أسرتها وشخصيات أخرى حملتها الحرب إلى أماكن متباعدة. وتنتقل الأحداث بين دمشق وأوروبا، فيما تتكشف حكايات السجن والرحيل والفقدان، وتتداخل التجارب الفردية لتكوّن صورة أوسع عن مجتمع وجد نفسه أمام تحولات هائلة، وعن أشخاص يحاولون التكيف مع واقع جديد من دون أن يستطيعوا قطع صلتهم بماضيهم.
ولا تقدم الرواية المنفى بوصفه خلاصاً مضموناً من المعاناة، كما لا تجعل العودة إلى الوطن حلاً سهلاً لجميع الجراح. فالمكان الجديد قد يوفر الأمان والفرص، لكنه قد يفرض في المقابل تحديات اللغة والاندماج والوحدة، فيما يظل الوطن الأول حاضراً في الذاكرة، حتى عندما تصبح العودة إليه متعذرة أو شديدة التعقيد.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ينتهي الألم بمجرد عبور الحدود، أم أن الإنسان يحمل معه إلى المكان الجديد أجزاءً من التجربة التي يحاول الهرب منها؟
تتيح شخصية سليمى استكشاف هذا السؤال من زاوية المرأة التي تحاول إعادة بناء حياتها واكتشاف ذاتها في بيئة مختلفة، والتوفيق بين حاجتها إلى الاستقرار ورغبتها في الاحتفاظ باستقلالها الفكري والعاطفي. فالمنفى لا يغير عنوان الإقامة وحده، بل يعيد ترتيب علاقة الإنسان بجسده وذاكرته ولغته ومعتقداته وتصوراته عن المستقبل.
ومن خلال الحكايات المتفرعة عن مسار البطلة، تتسع الرواية لتشمل مصائر أخرى، وتكشف أن الشتات ليس تجربةً متجانسة؛ فلكل شخصية طريقتها في التعامل مع الفقدان، ولكل فرد قدرة مختلفة على التكيف أو المقاومة أو الانسحاب. وبذلك يتحول السرد من حكاية شخصية إلى مساحة تتقاطع فيها تجارب متعددة، من دون أن تفقد كل حكاية خصوصيتها الإنسانية.
البنية السردية.. من الحكاية الفردية إلى الذاكرة الجماعية
تكتسب «إعصار عذب» أهميتها الفنية أيضاً من الطريقة التي تتشابك بها الحكاية الرئيسية مع الحكايات الفرعية. فالسرد لا يسير في خط واحد منعزل، بل يتنقل بين تجارب الشخصيات، ويعود من التفاصيل الفردية إلى القضايا الأوسع التي تحيط بها.
وتتيح تقنية الاسترجاع والانتقال بين مستويات الحكاية للقارئ التعرف إلى الشخصيات من الداخل، ومتابعة أثر الماضي في الحاضر، واكتشاف الروابط التي تصل التجربة الشخصية بالتحولات العامة.
ومن منظور تقني، يمكن النظر إلى هذا البناء باعتباره شبكةً من المسارات السردية التي تتقاطع حول مركز إنساني مشترك. فالحكاية الرئيسية تمنح العمل تماسكه، بينما تضيف الحكايات الفرعية طبقات من المعنى، وتكشف جوانب مختلفة من التجربة السورية في ظل الحرب والاغتراب.
ويؤدي صوت البطلة وظيفة تتجاوز نقل الأحداث؛ فهو يتيح مساحة للبوح والتأمل والمراجعة، ويجعل التجربة الروائية أقرب إلى الذاكرة وهي تستعيد ما جرى، لا إلى سجل محايد يكتفي بترتيب الوقائع. ومن هنا تتجاور حركة الأحداث مع حركة الوعي، وتصبح طريقة الحكي جزءاً من المعنى الذي تنتجه الرواية.
كما تمنح اللغة ذات النزعة الشاعرية التجربة الواقعية بعداً وجدانياً، فتخفف من جفاف التوثيق من دون أن تتخلى عن ملامسة الوقائع. وهذا التوازن بين الواقعية والحس الشعري يمثل أحد المسارات التي يمكن من خلالها قراءة خصوصية الأتاسي السردية.
المرأة في قلب السرد.. من موضوع للحكاية إلى صاحبة القرار
تحتل المرأة موقعاً مهماً في العالم الروائي لشادية الأتاسي، لا باعتبارها شخصيةً تتحرك داخل الأحداث فحسب، بل بوصفها ذاتاً تسعى إلى فهم نفسها وتحديد موقعها من المجتمع والعلاقات والقيود المحيطة بها.
وفي «إعصار عذب»، تتقاطع تجربة سليمى مع أسئلة الحرية والتعبير والاستقلال، ومع التحديات التي تواجهها المرأة حين تحاول إعادة بناء حياتها بعد الخسارات والتحولات الكبرى. ولا تنفصل هذه الأسئلة عن السياق الاجتماعي والسياسي؛ إذ تتأثر خيارات الفرد بالبيئة التي يعيش فيها، وبالفرص المتاحة له، وبالحدود التي يفرضها المحيط على قدرته في التعبير عن ذاته.
وتتسع هذه الرؤية لتشمل مفهوم القمع في مستوياته المختلفة، سواء اتخذ صورة مباشرة أو ظهر من خلال الأعراف الاجتماعية والضغوط الاقتصادية أو القيود التي تعوق الاختيار الحر. فالإنسان لا يفقد حريته دائماً بقرار صريح يُفرض عليه؛ قد تتآكل حريته أيضاً عندما تصبح بعض الخيارات مستحيلة، أو حين يضطر إلى التضحية بأجزاء من ذاته كي يحافظ على استقراره.
ومن هنا، تكتسب شخصية المرأة دلالتها بوصفها مركزاً للتجربة الإنسانية، ومجالاً لاختبار العلاقة بين الرغبة والواقع، وبين الحاجة إلى الانتماء والحق في الاختلاف.
إن تحقيق الذات، في هذا السياق، ليس مسألة فردية معزولة عن مصير المجتمع؛ فكل مساحة تُمنح للإنسان كي يفكر ويختار ويعبّر عن نفسه تسهم في توسيع إمكانات الحياة المشتركة. ولهذا يتصل الرمز الأنثوي في الرواية بفكرة أوسع تتعلق بإعادة بناء الإنسان، وبإمكانية استعادة الحياة قدرتها على النمو بعد فترات من الانكسار.
«الحرب الناعمة مع الذات».. الكتابة بوصفها طريقاً إلى النجاة
تصف شادية الأتاسي الكتابة بأنها وسيلة للنجاة، وبأنها تخوض من خلالها «حربها الناعمة مع ذاتها». وتكشف هذه العبارة عن جانب مهم من رؤيتها إلى الإبداع؛ فالكتابة ليست مجرد صناعة حكايات أو ترتيب للأحداث، بل هي محاولة لمواجهة التناقضات الداخلية، وفهم الألم، واستعادة التوازن بين ما يريده الإنسان وما تفرضه عليه الحياة.
وتبدو هذه الفكرة وثيقة الصلة بطبيعة الموضوعات التي تشتغل عليها الأتاسي؛ فالحرب الخارجية قد تنتهي بالنسبة إلى بعض الشخصيات بمغادرة المكان، لكن آثارها تستمر في الذاكرة، وفي العلاقات، وفي الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين.
ومن هنا يمكن فهم الكتابة بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة، لا لأنها تمحو ما حدث، بل لأنها تمنح التجربة لغةً يمكن من خلالها مواجهتها. فالكاتبة تعيد تنظيم الفوضى التي خلفتها الوقائع، وتبحث عن الروابط بين أسبابها ونتائجها، وتمنح الشخصيات فرصةً للكلام في عالم قد لا يكون قد أتاح لها الإصغاء الكافي.
إن هذه المقاربة تجعل من الرواية مجالاً لاختبار قدرة الفن على تحويل التجربة الشخصية إلى معرفة إنسانية مشتركة. فالقارئ الذي لم يعش المنفى قد يكتشف، عبر شخصية روائية، شيئاً من وحدته وأسئلته؛ والذي لم يختبر الحرب قد يقترب من آثارها النفسية والاجتماعية من خلال مصائر أشخاص يواجهون الخوف والفقدان ومحاولات البدء من جديد.
وهكذا لا تكون الكتابة بديلاً من الحياة، بل وسيلة لفهمها، ولا تكون الذاكرة سجناً للماضي بالضرورة، بل يمكن أن تصبح أداةً لإعادة النظر فيه، واستخلاص ما يساعد الإنسان على مواصلة الطريق.
بين الواقعية والرومانسية.. ملامح الرؤية الفنية
تجمع تجربة شادية الأتاسي بين الاهتمام بالواقع الاجتماعي والسياسي وبين الحس العاطفي والشعري. فهي تنطلق من ظروف ملموسة يعيشها الإنسان، لكنها لا تكتفي بتسجيل الوقائع الخارجية، بل تقترب من آثارها في الوعي والوجدان والعلاقات.
وتتمثل الواقعية في الاهتمام بمصائر الشخصيات وبالتغيرات التي تصيب حياتها تحت ضغط الحرب والقيود الاجتماعية والاغتراب. أما النزعة الرومانسية، فلا تعني الابتعاد عن الواقع، بل تظهر في إبقاء مساحة للحب والحلم والبحث عن الجمال، حتى حين تبدو الظروف المحيطة بالشخصيات شديدة القسوة.
ويمنح التداخل بين الاتجاهين الرواية إمكانات تعبيرية متعددة؛ فالواقعية تضع الشخصيات في مواجهة العالم كما هو، فيما تسمح الرومانسية بالكشف عن العالم الذي تتمنى الشخصيات أن تعيش فيه. وبين الواقع والرغبة تتشكل الدراما، ويتولد الصراع الذي يمنح الحكاية حركتها.
كذلك تحضر الرمزية في عناوين العملين؛ فـ«تانغو الغرام» يستدعي صورة العلاقة الثنائية التي تحتاج إلى توازن وإيقاع ومساحة مشتركة، بينما يجمع «إعصار عذب» بين العنف والعذوبة في تركيب يكشف عن التناقض بين قسوة التجربة وإمكان تحويلها إلى مادة أدبية ذات حس شعري.
ومن الناحية النقدية، تتيح هذه العناوين مدخلاً إلى فهم رؤية الكاتبة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على تقنياتها السردية؛ إذ يتطلب التقييم المتكامل دراسة بناء الشخصيات، وتطور الأحداث، وإيقاع اللغة، ووجهة النظر، ومدى التوازن بين الوصف والحوار والتأمل.
ومع ذلك، فإن حضور هذه المفارقات في عناوين أعمالها يشير إلى اهتمام بالعلاقة بين التجربة الإنسانية وصياغتها الفنية، وبين ما يعيشه الإنسان وما يستطيع الأدب أن يكشفه من معانٍ كامنة وراء الوقائع.
من الرواية إلى المشهد البصري.. أدب يلتقط ما وراء الوجوه
ومن منظور مجلة متخصصة في الفنون والتصوير، يمكن الاقتراب من تجربة شادية الأتاسي عبر مقاربة بصرية للسرد، لا باعتبار الرواية صورة فوتوغرافية، بل لأن الفنون المختلفة تلتقي في قدرتها على اختيار التفاصيل وتحويلها إلى علامات دالة.
فالمصور لا يكتفي بتسجيل ما يقع أمام عدسته؛ إنه ينتقي زاوية الرؤية، ويضبط العلاقة بين الضوء والظل، ويحدد ما يظهر في الإطار وما يبقى خارجه. والروائي، بدوره، يختار موقع الراوي، ويرتب المشاهد، ويوزع المعلومات، ويقرر متى يكشف عن حدث ومتى يؤجله، وكيف يوجه انتباه القارئ إلى تفصيل قد يبدو صغيراً لكنه يحمل دلالة كبيرة.
في «إعصار عذب»، تتيح المسافة بين دمشق والمدن الأوروبية قراءةً بصرية متخيلة لعالم يتوزع بين فضاءات متباعدة: المدينة التي تحمل الذاكرة الأولى، والطريق الذي يفضي إلى المنفى، والمدينة الجديدة التي تعد بالأمان لكنها لا تستطيع محو الحنين. وهذه الفضاءات ليست مجرد خلفيات للأحداث، بل تحمل دلالات تتصل بالانتماء والاغتراب وتغير الهوية.
كما أن التوتر بين عنوان «إعصار عذب» ومحتوى التجربة يذكّر بالعلاقة بين التكوين البصري والمضمون النفسي في الصورة الفنية؛ فقد يبدو المشهد هادئاً في ظاهره، بينما يحمل في أعماقه تاريخاً من الخوف والفقدان. وقد تختصر نظرة واحدة أو مساحة فارغة أو باب مغلق ما تعجز صفحات من الوصف عن نقله بالوضوح نفسه.
أما في «تانغو الغرام»، فإن الحركة الثنائية التي يوحي بها العنوان تستدعي مفهوم الإيقاع والتوازن داخل التكوين، حيث لا تتحقق العلاقة إلا بتفاعل عنصرين، ولا يستمر الانسجام إذا فقد أحدهما القدرة على الإصغاء إلى الآخر.
وهذه المقارنة لا تفترض تطابق الأدب والتصوير، بل تكشف عن أرضية جمالية مشتركة بينهما: كلاهما يختبر العلاقة بين المرئي والمضمر، وبين التفاصيل المحدودة والمعنى الأوسع، وبين اللحظة الفردية والتجربة الإنسانية.
ومن هنا، يستطيع القارئ المهتم بالفنون أن يجد في روايات الأتاسي مجالاً للتأمل في كيفية تشكل الصورة داخل اللغة، وفي قدرة السرد على بناء مشاهد نفسية واجتماعية تتجاوز حدود الوصف المباشر.
العودة إلى حمص.. لقاء الذاكرة بالمكان
في سبتمبر 2026، عادت شادية الأتاسي إلى مدينة حمص بعد غياب طويل، وفق المعلومات الواردة عن مسيرتها، وشاركت في لقاء أدبي احتفائي في رابطة الخريجين الجامعيين، بالتعاون مع فرع اتحاد الكتاب العرب. وتناول اللقاء تجربة الغربة وما تركته من آثار في حياتها الإنسانية والإبداعية، إلى جانب استعادة بعض أعمالها ومناقشة علاقتها بالكتابة والوطن والذاكرة.
ولا يمكن النظر إلى هذه العودة بوصفها حدثاً مكانياً فحسب؛ فهي تكتسب دلالتها من المسافة الزمنية التي تفصل بين الغياب واللقاء، ومن التغيرات التي قد تطرأ على المدينة وعلى الإنسان خلال سنوات الابتعاد.
فالعودة بعد غياب طويل تضع الذاكرة أمام اختبار الواقع. قد يجد العائد بعض الأماكن كما تركها، وقد يكتشف أن أشياء كثيرة تغيرت، وأن المدينة التي احتفظ بها في ذاكرته لم تعد مطابقة تماماً للمدينة التي يراها أمامه. وبين الصورتين تنشأ تجربة جديدة، لا تلغي الماضي ولا تستطيع استعادته كاملاً.
وبالنسبة إلى الكاتبة، يمكن أن يتحول هذا اللقاء بين الذاكرة والمكان إلى مادة أدبية غنية؛ فالأمكنة التي غابت عنها طويلاً تستعيد حضورها من خلال الوجوه والحوارات والتفاصيل اليومية، فيما تمنحها سنوات الاغتراب القدرة على النظر إليها بعين مختلفة.
إن عودة الكاتب إلى مدينته لا تعني بالضرورة نهاية الغربة؛ فقد تكون بدايةً لفهم جديد لها. فالمنفى تجربة تستمر آثارها أحياناً بعد العودة، كما أن الوطن قد يصبح أكثر اتساعاً في الوعي حين يُرى من الخارج، وأكثر تعقيداً حين يُستعاد من الداخل.
ومن هذه الزاوية، تبدو العودة إلى حمص محطةً ذات قيمة إنسانية وأدبية في مسيرة شادية الأتاسي، لأنها تجمع بين صاحبة التجربة ومكان ظل حاضراً في ذاكرتها، وتعيد فتح الأسئلة التي اشتغلت عليها رواياتها: ماذا يبقى من الوطن في الإنسان؟ وكيف تتحول الذاكرة إلى كتابة؟ وهل تستطيع العودة أن تمنح الماضي معنىً جديداً؟
خاتمة: حين تصبح الكتابة جسراً بين المنفى والذاكرة
تقدم تجربة شادية الأتاسي نموذجاً للكتابة التي تجعل من الإنسان مركزاً لأسئلتها، ومن التحولات الاجتماعية والسياسية خلفيةً لاختبار الحرية والحب والهوية والانتماء. ففي «تانغو الغرام» تتقدم العلاقات العاطفية إلى واجهة الصراع مع واقع مضطرب، فيما توسع «إعصار عذب» الدائرة لتشمل الشتات السوري، وتجربة المرأة في المنفى، ومحاولات إعادة بناء الحياة في بيئة جديدة.
وتمنح هذه الموضوعات أعمالها صلةً مباشرة بالواقع السوري المعاصر، من دون أن تنحصر دلالتها في حدود الجغرافيا المحلية؛ فالغربة والخوف وفقدان المكان والبحث عن الحرية أسئلة تتجاوز الحدود، وتلامس تجارب بشرية متعددة.
كما تكشف عودتها إلى حمص، بعد سنوات طويلة من الاغتراب، عن استمرار العلاقة بين الكاتب ومكانه الأول، وعن قدرة الذاكرة على الاحتفاظ بحضور الوطن حتى حين يبتعد الإنسان عنه. فالعودة ليست محواً للسنوات الماضية، بل مواجهة جديدة معها، وفرصة لإعادة النظر في معنى الانتماء وفي المسافة التي تفصل الإنسان عن صورته القديمة.
إن القيمة التي يمكن أن تستخلصها القراءة من تجربة الأتاسي تكمن في النظر إلى الأدب بوصفه مساحةً لمقاومة النسيان، ومساءلة الواقع، وحماية حق الإنسان في أن يحلم ويحب ويعبّر عن ذاته. فالرواية لا تعيد الحياة إلى ما كانت عليه، لكنها تمنح التجربة صوتاً، وتحوّل الألم إلى حكاية، والحكاية إلى ذاكرة قابلة للمشاركة.
وبين «تانغو الغرام» و«إعصار عذب»، تبقى الكتابة محاولةً للعثور على إيقاع إنساني وسط الفوضى، وعلى قدر من العذوبة في مواجهة الإعصار، وعلى وطن قد يتغير مكانه في الخريطة، لكنه يظل حاضراً في اللغة والذاكرة والوجدان.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


