الأسطوري والبيئي فى الوعاء التراثي.عند الفنانة الكبيرة الدكتورة ( زينب السجيني ).

الكنز ( 1 ) : الفنانة الكبيرة د . زينب السجينى ” 1930م ” .. الأسطورى والبيئى فى الوعاء التراثى

تظل الفوارق الثقافية بين الشعوب المختلفة خاضعة للتمايزات الجغرافية والتاريخية والعقائدية على مر الحقب المتتابعة ، بما يضمن تفرد الهوية وخصوصية الإنتماء عبر الأجيال المتوالية التى تتوارث تلك السمات بتطويرات متنوعة تتناسب مع الإرتحال عبر الزمن إلى الأمام كسهم لايقبل الإرتداد إلى الخلف .. وفى هذا السياق تفصل إكتشافات لغة الكتابة بين مواضع محورية فى تواريخ الشعوب ، حيث تتوهج آلية الأسطورة لتدوين الحقب الزمنية المطموسة بفعل جهل الحروف الشفوية والمكتوبة ، لتتحول إلى ميراث ممتد يلتحم بمثيله المدون بتلك اللغة العلمية المحفورة على الجدران ذات الدلالات الإشارية الواضحة ، لتكتمل الدائرة التراثية الحاملة لسمات الهوية بكل تجلياتها .. وربما كان التاريخ المصرى خير نموذج لهذا الطرح عبر ذلك المد الزمنى الضارب فى عمق دهاليز التاريخ وبطن التربة الجغرافية وتلك العقائد المتنوعة التى تبدلت غير مرة فى حقب متوالية ، ليبدو الميراث المصرى متنوعاً بين الأسطورى والبيئى داخل الوعاء التراثى .. وليس هناك شك فى ذلك التأثير الطاغى لهذا المفهوم على المخيلة الإبداعية المعاصرة سيما هذا الفيض من الفنانين التشكيليين المتنوعين بين ضروب تقنية مختلفة من التصوير والرسم والنحت والخزف والحفر والفوتوغرافيا وغيرها من الوسائط التى استقرت فى الحركة التشكيلية منذ تخرج أول دفعة من مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1911م ، قبل تخرج أول دفعة من كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية عام 1962م ، ليتتابع الخريجون من الكليات الأخرى فى المنيا والأقصر والمنصورة وأسيوط على مر السنين ، مع كليات أخرى إستطاعت تخريج فنانين آخرين فى تخصصات مختلفة من التربية الفنية والتربية النوعية والفنون التطبيقية وغيرها من الكليات المتخصصة وغير المتخصصة ، ليبدو السياق المتدفق داخل حركة الفن المعاصر كالشلال الذى لايتوقف ، عبر ضفيرة عتيدة بين الأسطورى والبيئى ساكنة فى الوعاء التراثى .. وربما فى دراستنا النقدية هنا سنعتمد على التتابع العمرى التاريخى فى رصد مجموعة من الفنانين العرب والمصريين الذين شيدوا معمار تاريخهم الفنى فى حضرة تلك الجديلة البيئية التراثية الساحرة .. لذا فإننا فى هذا المقام بصدد الإصدار الأول لسلسلة ” كنز الفن ” التى ترعاها مؤسسة ” أليكس أدف ” لقائدها المبدع أكرم أبو دنيا الذى يميل لجمع مساحة كبيرة من تراثنا التشكيلى الإبداعى فى مطبوعات فكرية تشكيلية متتالية ، مصحوبة ببناء نقدى ، لتتداولها الأجيال عبر ضفيرة عتيدة من الصورة والكلمة ترتكن إلى ذلك الإرث الحضارى السحيق المؤثر فى الإنجاز البصرى بين الرسم والتصوير والنحت والحفر ، بما يحفظ ذلك التاريخ الإبداعى بين ثنايا الوسائط المتنوعة .. وفى سلسلة ” كنز الفن ” التى يصدرها المبدع أكرم أبو دنيا سنجد كنوزاً تم صياغتها عبر عقود متواترة من الإبداع المتوهج المرتبط بجذوره بين الأسطورى والبيئى داخل الوعاء التراثى .
فإذا دققنا فى مشوار الفنانة الكبيرة د . زينب السجينى ” 1930م ” سنجدها قد تخرجت من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1956م ، قبل أن تحصل على دبلوم المعهد العالى للتربية الفنية عام 1957م ، ثم الدكتوراه فى فلسفة التربية الفنية عام 1978م ، لتجمع بين الإبداعى والتربوى فى بوتقة واحدة أثّرت على منتجها الفنى الذى تدرج فى النمو حتى ظهور بناتها المكتسيات بأردية من نور فى هيئة ثياب بيضاء ، مفترشات لأرض الواقع الجغرافى الجامع بين الحقيقة والخيال عبر تشييد الفنانة لأسلوب شديد الخصوصية ينتمى لما يسمى ب ” الواقعية السحرية ” ذات المسحة الأسطورية ، فى إطار استثمار ” حلم اليقظة ” من أجل تأسيس حالة تصويرية تحمل تجليات التفرد على أصعدة النسيج البنائى والمفردات الأنثوية والسياق الجغرافى ، عبر وصل فطن بين الذاتين الفردية والجمعية ، قبل غزل ذلك المعمار البصرى المحتشد بعناصر مألوفة لدى الوجدان الشعبى مثل الأسماك وشباك الصيد والطيور والدواب والأشجار والمراكب والجبال والبحار والأنهار والسهول والوديان ، وغيرها من المفردات التى تحتل الأنثى الصغيرة مكاناً رفيعاً بين ثناياها داخل الحيز الإبداعى ، فى دمج واع يشبع علاقة الجنين بالرحم ، عبر البنات من ذوات الأعمار المتفاوتة بين الطفولة والأنوثة بملامح متقاربة من سمار البشرة والشعر المجعد والشفائف الغليظة والأنوف المفلطحة والعيون اللوزية والأثداء المتأرجحة بين الطفولى الضامر والنسائى الناهد ، علاوة على الأردية البيضاء التى تبدو وكأنها وافدة من الجنة الخاصة بزينب السجينى نفسها .. وهنا يتجلى الجسر الواصل بين السردى والبصرى .. بين المسموع والمرئى ، عبر أجواء واقعية بمسحات حكائية أسطورية تشبه طقوس ” ألف ليلة وليلة ” التى ألهمت كثيراً من المبدعين على محورى الشرق والغرب .
ويعتبر عنصر الحركة فاعلاً فى المعمار التصويرى عند زينب السجينى بين الحيوانات والطيور والأسماك وألعاب الأطفال مثل العجلة والإسكوتر .. وأعتقد أن موطىء التفرد فى أعمالها هو قدرتها اللافتة على تشييد المعبر لديها بين طفولتها وأمومتها على بساط جغرافى بسيط ومختزل مثلما يبدو هذا فى علاقتها بالكائنات المتنوعة مثل العصفور والقطة والعروسة والبقرة والسمكة ، فى وجد يتسم بتدفقه العاطفى السيّال ، لتظل الفنانة الكبيرة زينب السجينى تعدو وراء أنوثتها الناضجة بطفولتها البريئة التى تتجلى فى الأردية البيضاء لبناتها المبتهجات دوماً ، بحثاً عن تلك الحياة المثالية الحبلى بالبراءة والطهر والسمو على جناحى البيئى الرابض فى الوعاء التراثى .
محمد كمال
الحلقة الأولى من نص كاتب هذه السطور فى موسوعة ” الكنز ” التى أصدرها الناشر أ أكرم أبو دنيا من خلال مؤسسة ” أليكس أدف ” _ هذا النص تحت عنوان ” الأسطورى والبيئى فى الوعاء التراثى ” ويضم مقدمة النص الكبير الشامل ونص عن الإبداعات التصويرية للفنانة الكبيرة د . زينب السجينى .
زينبالسجيني السجيني زينب السجينى Akram Abou Donia Eman El Nashar
🌺🎄🌻🌹

أخر المقالات

منكم وإليكم