استخدم الانسان القديم عظام الحيوانات زمنها اسنان وحيد القرن. لشحذ الادوات الحجرية .

هل استخدم إنسان نياندرتال أسنان وحيد القرن كأدوات؟
إن استخدام عظام الحيوانات العاشبة الكبيرة (بما في ذلك وحيد القرن) لصقل وشحذ الأدوات الحجرية موثق جيداً في أوروبا منذ المراحل الأولى للعصر الحجري القديم. كما تُعد أسنان وحيد القرن من السمات الشائعة في مواقع العصر الحجري القديم في جميع أنحاء أوروبا وآسيا، ولم تُشر سوى دراسات قليلة إلى أن جماعات بشرية من عصور ما قبل التاريخ ربما تكون قد جمعتها واستخدمتها عمداً.
قبل أكثر من 200 ألف عام، في مواقع أثرية مثل باير في جنوب شرق فرنسا وبانشيان دادونغ في الصين، عثر علماء الآثار على مئات من أسنان وحيد القرن، بعضها يحمل كسورًا متكررة وعلامات سطحية مميزة. دفعت هذه الملاحظات الباحثين إلى دراسة ما إذا كانت هذه الأسنان قد استُخدمت كأدوات، وإلى فحص مجموعات أخرى غنية بأسنان وحيد القرن من الفترة نفسها في أنحاء أوروبا. ولكن هل يُمثل هذا سلوكًا غير معروف سابقًا لدى إنسان نياندرتال؟
شكّل هذا السؤال نقطة انطلاق مشروع RINO ودراسة نُشرت مؤخرًا في مجلة التطور البشري، بعنوان “توضيح استخدام أسنان وحيد القرن من قِبل إنسان نياندرتال: بين التجارب والسجل الأحفوري”. يُعدّ هذا البحث ثمرة تعاون علمي دولي. وهي أول دراسة معمّقة ومتعددة التخصصات تتناول الاستخدام المحتمل لأسنان وحيد القرن من قِبل إنسان نياندرتال. تجمع الدراسة بين تحليل البقايا الأحفورية والتجارب الأثرية التي أُجريت على أسنان وحيد القرن الحديثة، مما يُتيح فرصة فريدة لمقارنة الآثار المُستخلصة تجريبيًا بتلك المحفوظة في السجل الأثري. تمتلك أسنان وحيد القرن العديد من الخصائص المورفولوجية، بما في ذلك حجمها ووزنها وسهولة التعامل معها وسطحها الإطباقي المسطح ومقاومتها للكسر، مما قد يجعلها مناسبة بشكل خاص للاستخدامات التقنية.
في إطار مشروع RINO، تم اختيار 12 موقعًا أثريًا بناءً على أدلة النشاط البشري ووفرة أسنان وحيد القرن ضمن مجموعاتها الحيوانية. ولإنشاء إطار مقارن قادر على التمييز بين التغيرات الطبيعية والتعديلات التي يُحتمل أن تكون من صنع الإنسان، أدرجنا أيضًا بقايا أسنان من مواقع أحفورية في أوروبا الغربية ومجموعات عظمية لحيوانات وحيد القرن الحديثة. إجمالًا، فحصت الدراسة 168 سنًا من أسنان وحيد القرن من أربعة مواقع أحفورية تعود للعصر البليستوسيني: فاسربيليغ (لوكسمبورغ)، وأوترانج (لوكسمبورغ)، وكوفا ديل رينوسيرون (إسبانيا)، ولي بلوميت (سون ولوار، فرنسا). بالإضافة إلى ذلك، تم تحليل 236 سنًا من المجموعة المقارنة المحفوظة في معرض التشريح المقارن بالمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس. أُجريت تحليلات دقيقة لتآكل أسنان وحيد القرن الأحفورية لتحديد ما إذا كانت العلامات المرصودة ناتجة عن أنشطة المضغ والتغذية، بدلاً من التدخل البشري. وقد مكّننا ذلك من تحديد التغيرات التي ربما أثرت على أسنان وحيد القرن خلال حياته.
خُصص جزء كبير من المشروع لعلم الآثار التجريبي. وباستخدام أضراس وحيد القرن وأضراسه الأمامية كأدوات قرع في تجارب مضبوطة أجراها علماء آثار ذوو خبرة، سعى فريق البحث إلى بناء مجموعة مرجعية شاملة للآثار المنتجة تجريبياً وتحديد الوظائف المحتملة وسهولة استخدام هذه الأدوات. كان الحصول على أسنان وحيد القرن الحديثة لإجراء التجارب أحد أكبر التحديات. بعد بحثٍ مُطوّل وبمساعدة ألكسيس ليكو (طبيب بيطري في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي)، وافقت ثلاث حدائق حيوان على توفير الأسنان: حديقة حيوان بوغر (أرديش)، ومحمية سيجان الأفريقية (أود)، وحديقة حيوان مونبلييه (هيرولت). أجرى بنجامين درويه عملية خلع الأسنان في بوغر، وأنطوان جوريس في سيجان. أُجريت التجارب على 18 سنًا من أسنان وحيد القرن الحديثة. استُخدمت هذه الأسنان في أنشطة الطرق، بما في ذلك صقل الأدوات الحجرية، وتشكيلها، واستخدام السندان مع الكوارتز والصوان. كان الهدف هو توثيق الآثار الناتجة عن النشاط البشري ومقارنتها بتلك المُلاحظة في السجلات الأثرية. بالإضافة إلى ذلك، هدفت مجموعة من التجارب إلى محاكاة العمليات الطبيعية، مثل التآكل وتراكم الرواسب، التي قد تتعرض لها الأسنان أثناء عملية التحجر.
أظهرت النتائج أن العلامات التي تم تحديدها في موقع باير، بالإضافة إلى تلك التي لوحظت في موقعين آخرين لإنسان نياندرتال، وهما إل كاستيلو (إسبانيا) وبيش دو لازي 2 (فرنسا)، كانت مشابهة لتلك التي نتجت خلال التجارب الأثرية. علاوة على ذلك، أكد تحليل التآكل المجهري أن هذه الآثار تشكلت بعد نفوق الحيوانات، إذ لم يُعثر على أي علامات تدل على التغذية في هذه العلامات. في المقابل، تختلف هذه الآثار اختلافًا واضحًا عن التغيرات السطحية الموثقة في كل من المجموعات المرجعية الأحفورية والحديثة، وكذلك عن تلك التي نتجت من خلال اختبارات الكشط والضغط التجريبية. في موقعي إل كاستيلو وبيش دو لازي 2، اللذين يعودان إلى العصر الحجري القديم الأوسط، قمنا بتحليل 281 سنًا، تعود إلى وحيد القرن السهبي (Stephanorhinus hemitoechus) ووحيد القرن ميرك (Stephanorhinus kirchbergensis). يمثل هذا الأخير أكبر أنواع وحيد القرن الأحفوري المعروفة في أوروبا خلال هذه الفترة. بناءً على ذلك، نستنتج أن الآثار التي عُثر عليها على أسنان وحيد القرن في هذين الموقعين من العصر الحجري القديم الأوسط – إل كاستيلو (إسبانيا) وبيش دو لازيه 2 (فرنسا) – هي من أصل بشري. ويُرجّح أن إنسان نياندرتال استخدم هذه الأسنان كأدوات طرق في صناعة الأدوات الحجرية (الصوان والكوارتز)، ما ساهم في سلسلة العمليات خلال العصر الحجري القديم الأوسط. وبناءً على درجة التآكل الملحوظة على الأسنان، يبدو أن إنسان نياندرتال كان يُفضّل أسنان وحيد القرن الأكبر سنًا. ومن المحتمل أنهم ركّزوا على الحيوانات الأكبر سنًا لأنها كانت فريسة أسهل أو مصدرًا أفضل للجيف. كما أن أسطح أسنانهم الأكثر استواءً ربما جعلتها أكثر ملاءمة للاستخدام كأدوات.
تُوسّع هذه الدراسة فهمنا لسلوك إنسان نياندرتال، وخياراته التقنية، وتنوّع المواد الخام التي جمعها واستخدمها، كما تُقدّم رؤى جديدة حول استغلاله للموارد الحيوانية. ورغم هذا التقدّم المعرفي الكبيرتُبرز هذه النتائج غير المسبوقة أهمية هذا البحث، الذي، كما ذُكر آنفًا، يُثير العديد من التساؤلات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
في الوقت الراهن، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا سلوكًا عامًا أم أنه خاص بمجموعات إنسان نياندرتال في أوروبا الغربية. نعتقد أنه من غير المرجح أن يكون استخدام أسنان وحيد القرن كمادة خام سلوكًا محدودًا زمنيًا ومكانيًا. يفتح هذا الاكتشاف آفاقًا جديدة حول مدى انتشار هذه الممارسة ووظيفتها وبُعدها الرمزي المحتمل. ولهذا السبب، ينبغي إعادة تقييم شاملة لبقايا أسنان وحيد القرن من مواقع مختلفة تعود إلى العصر الحجري القديم في ضوء هذه الملاحظات الجديدة.

تاريخ الانسان# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم