احد اشف الافلام الاجتماعية واكثر معالجة منطقية، فيلم “دعه يرحل”Let Him Go.

فيلم “دعه يرحل”Let Him Goيعد فيلم “دعه يرحل” من أجمل الأفلام الاجتماعية ذات الطابع الإنساني، إذ يستند إلى رواية حملت العنوان نفسه للروائي الأمريكي لاري واتسون، صدرت عام 2013، وشكلت تتويجاً لمسيرة أدبية امتدت أكثر من ثلاثة عقود. فمنذ أن لفت الأنظار بروايته الشهيرة مونتانا 1948 التي اصدرها عام 1993، واصل واتسون الكتابة دون انقطاع، متخذاً من ولايات الغرب الأمريكي فضاءً لأعماله، ومن العلاقات العائلية والصراعات الأخلاقية محوراً دائماً لرواياته. وقد جاءت رواية Let Him Go لتؤكد نضجه الأدبي، فنالت إشادة نقدية واسعة، قبل أن تجد طريقها إلى الشاشة الكبيرة، محتفظة بالروح الإنسانية التي ميزت الرواية.ورغم أن الفيلم أُنتج عام 2020، فإن أحداثه تدور عام 1963، وهي مرحلة انتقالية في تاريخ الولايات المتحدة، انتهى فيها عصر الغرب الأمريكي التقليدي، بينما بقيت قيمه الصارمة، مثل سلطة العائلة، والاعتماد على السلاح، والعزلة التي تفرضها الحياة الريفية، حاضرة بقوة. ولم يكن اختيار هذا الزمن مجرد حنين إلى الماضي، بل ضرورة درامية فرضتها الرواية المقتبس عنها الفيلم ، ففي عالم يخلو من الهواتف المحمولة والإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة، يصبح الخطر أكثر واقعية، وتبدو مواجهة زوجين مسنين لعائلة متجبرة أكثر إقناعاً وتأثيراً، في أجواء تستحضر روح أفلام الويسترن الجديد، حيث يمتزج الصراع الإنساني بالتوتر النفسي في فضاء ريفي موحش.أخرج الفيلم وكتب سيناريوه توماس بيزوتشا، المخرج وكاتب السيناريو الأمريكي المعروف بفيلمه الناجح حجر العائلة The Family Stone، لكنه يقدم هنا عملاً أكثر نضجاً وعمقاً، يمزج بين الدراما العائلية والتشويق النفسي، فيلم فيه نكهة الافلام الهندية لكن بواقعية السينما الامريكية دون اسراف في العنف.تبدأ الحكاية بوفاة ابن زوجين مسنين، ليصبح حفيدهما الوحيد تحت سلطة عائلة زوجة الابن الجديدة، وهي عائلة غامضة وعنيفة تعيش في منطقة نائية. ومنذ لحظة وصول الجدين، يتحول الفيلم تدريجياً من دراما عائلية إلى مواجهة نفسية مشحونة، حيث يصبح الخوف نابعاً من الشخصيات نفسها أكثر مما هو نابع من الأحداث.يعتمد توماس بيزوتشا على إيقاع هادئ، فلا يقدم العنف منذ البداية، بل يتصاعد في بناءه السينمائي ، من خلال القلق المتصاعد ومن خلال النظرات والصمت والمسافات بين الشخصيات. هذا الأسلوب يجعل المشاهد يشاهد سينما رعب واقعية ليس فيها فانتازيا مسرفة ، فهو يبقى مشدوداً متوتراً يشاهد ويترقب في توتر متصاعد مما يمنح الانفجار الدرامي في الفصل الأخير تأثيراً عبقرياً.يؤدي كيفن كوستنر دور جورج بلاكليدج، الجد المتقاعد الذي يخوض رحلة محفوفة بالمخاطر لاستعادة حفيده، ويقدم أداءً متزناً ينسجم مع حضوره الراسخ في أفلام الغرب الأمريكي. أما دايان لين فتجسد شخصية مارغريت بلاكليدج، الجدة التي تقود المواجهة بدافع الأمومة والإصرار، وتمنح الفيلم ثقله العاطفي وتحمل معظم مشاهده المؤثرة. في المقابل، تقدم ليزلي مانفيل شخصية بلانش ويبي، زعيمة العائلة المتسلطة، في أداء بارد ومخيف، يؤكد أن الشر قد يكون أكثر رعباً حين يتخفى خلف الهدوء والابتسامة.وتخدم المناظر الطبيعية الواسعة في مونتانا وداكوتا الشمالية المتعة السينمائية للفيلم، مانحةً إحساساً دائماً بالعزلة، وكأن الشخصيات محاصرة في فضاء مفتوح لا مهرب منه. كما ينجح مدير التصوير والموسيقى في تعميق هذا الإحساس، بعيداً عن المؤثرات الصاخبة المعتادة في أفلام العنف.فيلم “دعه يرحل” ليس من افلام العنف بقدر ما هو فيلم عن الأسرة، والخسارات الاجتماعية، وغريزة حب الابناء وحماية الاحفاد . ولهذا يخرج المشاهد بانطباع أن قوة الفيلم الحقيقية لا تكمن في مشاهد إطلاق النار، بل في الصراع الإنساني العميق الذي يسبقها ويمنحها معناها.سنة الإنتاج: 2020مدة الفيلم: 114 دقيقةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

#سينما العالم#مجلة ايايت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم