لماذا يرى ابن سينا أن التناسخ مستحيل؟ النفس والجسد في الفلسفة السينوية
شكلت فرضية انتقال الروح من جسد هالك إلى جسد وليد، والمعروفة تاريخيا بعقيدة التناسخ، مسارا تفسيريا تبنته عدة مدارس روحية قديمة لتبرير الخلود. يتصدى ابن سينا لهذه العقيدة بمنهجية تحليلية تتجاوز الرفض اللاهوتي إلى التفكيك الميكانيكي والبيولوجي. يؤسس ابن سينا نقده على قاعدة التلازم التكويني بين “النفس” و”البدن”، مقررا استحالة الانفكاك التبادلي بينهما بناء على قوانين الاستعداد المادي والإفاضة الوجودية.تنطلق الحجة السينوية من مفهوم “المزاج البدني”. يرى ابن سينا أن الأجساد لا تُخلق كقوالب فارغة تنتظر من يحتلها، فتتطور المادة الجسدية للجنين في رحم الأم وتتفاعل عناصرها حتى تكتسب اعتدالا فسيولوجيا خاصا ومزاجا بشريا فريدا. هذا التهيؤ المادي يوجب إفاضة نفس جديدة ومفردة من العلل المفارقة لتدبير هذا الجسد بالتحديد. تخضع الإفاضة هنا لقانون التكافؤ؛ فكل جسد يولد باستعداد خاص يستدعي نفسا تُخلق معه وتلائمه حصرا.يضع ابن سينا أنصار التناسخ أمام معضلة منطقية تُعرف بـ”ازدواجية الأرواح”. إذا افترضنا صحة التناسخ، وأن روحا غادرت جسدا ميتا لتستقر في جسد جنين جديد، يبرز التناقض. فهذا الجنين الجديد يمتلك بطبيعته مزاجا متوازنا يستوجب هو الآخر إفاضة نفس جديدة له من المبدأ الإلهي. والنتيجة اجتماع نفسين في جسد واحد: النفس المتناسخة الوافدة من جسد سابق، والنفس المحدثة التي اقتضاها التكوين البيولوجي للجسد الجديد.ينقض ابن سينا هذه النتيجة بالاستناد إلى شهادة الوعي الفردي والتجربة الإنسانية المباشرة. الإنسان يستشعر ذاته ككيان واحد، ويدرك أفعاله وتوجهاته وانفعالاته عبر مركزية وعي مفردة توجه البدن وتدبره. يمتنع وجود مدبرين متمايزين يتنازعان السيطرة على كيان جسدي واحد دون أن يختل نظامه أو ينقسم وعيه. وبناء على هذا الانسجام التكويني ووحدة التجربة الشعورية، تنهار فرضية التناسخ عند ابن سينا، وتثبت قاعدته القائلة بأن لكل جسد نفسا تبدأ معه، وتستقل عنه بعد فنائه حاملة سماتها المكتسبة.[أبو علي بن سينا، أحوال النفس: رسالة في النفس وبقائها ومعادها، تحقيق: د. أحمد فؤاد الأهواني، آفاق للنشر والتوزيع، 2020] #ابن_سينا #التناسخ #فلسفة_الوعي#مجلة ايليت فوتو ارت .


