مؤخرًا، وكجزء من مقرر التصوير في جامعتي، كُلّفتُ بتصوير لفتين من الفيلم تحت عنوان “وجهة نظر”. كان الموضوع مفتوحًا للتأويل، لكن شُجعتُ على تجربة شيء جديد. فكرتُ في المهمة مليًا لبضعة أيام، وكدتُ أقرر تصوير لفة من الصور التجريدية التقليدية، لكن فكرة أخرى بدأت تثير اهتمامي: هل يُمكنني، ببذل جهد كافٍ، التقاط صور واقعية للمناظر الطبيعية من طاولة مطبخي؟
تذكرتُ أنني رأيتُ بعض المصورين يُنشئون مجسمات مُتقنة على الطاولة، تتطلب إضاءة استوديو وعدة أيام من العمل. لسوء الحظ، لم يكن لديّ سوى بضع ساعات، ولم أكن أعرف ما هي العناصر التي ستبدو جذابة في مثل هذه الصورة. اشتريتُ بعض المنتجات من متجر بقالة قريب، من ضمنها رطل من الدقيق؛ والذي أصبح في النهاية موضوع الصور الثلاث. استخدمتُ أيضًا بعض الأشياء التي كانت موجودة في غرفتي، وقائمة المواد الكاملة كالتالي:
مصباح
مصباح هاتفي
قميص أسودمرآة
صندوق من الكرتون
ملاعق وسكاكين وشوك
رطل من الدقيق.
قررتُ البدء بأبسط فكرة خطرت ببالي: جبل مُضاء من الجانب. كانت هذه الصورة سهلة الالتقاط في النهاية. بعد اختيار المصباح لإضاءة المشهد، سكبتُ الدقيق على الجزء الأمامي من ورقة. رفعتُ الطرف الآخر من الورقة ولصقته بصندوق من الكرتون، مُشكلاً خلفية مصغرة.
كان الجزء الأصعب هو تشكيل الدقيق. في البداية، لم أكن متأكدًا مما إذا كانت الصورة ستبدو واقعية، وقضيتُ وقتًا طويلاً في تحريك الدقيق وإعادة تشكيله على الطاولة. مع بعض الممارسة، اتضح أن الطريقة الأكثر واقعية لتشكيل الدقيق هي ترك الجاذبية تقوم بالعمل؛ ففي النهاية، تحدث العملية نفسها في العالم الحقيقي. بعد تشكيل الدقيق على هيئة هرم صغير، استخدمت ملعقتي لنحت شكل أكثر نعومة. لم تكن هذه العملية سريعة، لكنها كانت سهلة نسبيًا؛ فبعد عدة محاولات، بدأ الدقيق يشبه الجبل نوعًا ما.
بما أنني كنت سأصور المهمة على فيلم، فقد جربت أولًا عدة إعدادات باستخدام كاميرا رقمية. من خلال هذه الصور التجريبية، كوّنت فكرة جيدة عن كيفية جعل الجبل يبدو واقعيًا قدر الإمكان؛ والأهم من ذلك، أنني ركزت على إعداد الإضاءة. في هذه الحالة، لم يوفر مصباح مكتبي واحد عمقًا كافيًا للصور، ولم تكن تشبه المنظر الطبيعي كثيرًا. جربت عدة إعدادات مختلفة، واستقريت في النهاية على الرسم بالضوء. باستخدام مصباح هاتفي، أضأت جبل الدقيق من أسفل اليمين، مما أدى إلى ظهور ظلال بدت واقعية إلى حد ما. النتيجة النهائية (المصورة على فيلم) معروضة أدناه:

كانت محاولتي الأولى مُشجّعة. لا تبدو الصورة مُقنعة تمامًا، لكن نظرة سريعة تُوحي بـ”جبل” و”دقيق”. ساعدني غياب الألوان – وحبيبات فيلم ASA 400 – في جعل الصورة تبدو أكثر واقعية. مع ذلك، كان لا يزال أمامي طريق طويل.
في صورتي الثانية، قررتُ استغلال ميزة طبيعية للدقيق: فهو يبدو كالرمل من مسافة قريبة. كنتُ أتصور صورةً لكثبان رملية ممتدة في المقدمة، مع غروب الشمس في السماء. بدا هذا الإعداد أكثر تعقيدًا من الأول، لكن حتى أنا تفاجأتُ بالوقت الطويل الذي استغرقته في إنجازه. شاهدوا صورة كواليس التصوير أدناه:

كما ترون في هذه الصورة، قمت بتشكيل الدقيق ليُحاكي منظرًا صحراويًا. أسفل الدقيق وخلفه، وضعتُ ورقةً سلطتُ من خلالها ضوء هاتفي لخلق ما يُشبه الشمس. معظم الإضاءة في هذه الصورة تأتي من المصباح الموجود أعلى الصورة، والذي سلطتُه على جدار لتخفيف حدة الضوء.
استغرقتُ ساعتين لتشكيل الدقيق بهذه الطريقة! قد يبدو الأمر بسيطًا، ولكنه كان عمليةً مُرهقةً للغاية. في النهاية، شعرتُ أن الكثبان الرملية بدأت تبدو واقعية. بدأتُ بالتقاط صور رقمية لاختبار إعداداتي، ثم انتقلتُ إلى التصوير الفوتوغرافي التقليدي.
اكتشفتُ أن جزءًا من الصعوبة يكمن في تحديد موضع الشمس بدقة. بما أن معظم الضوء كان من الجانب الأيسر للصورة، كان لا بد من توجيه الشمس بزاوية مماثلة. كان عليّ أيضًا أن أكون بزاوية منخفضة، مما يسمح للكثبان الرملية بحجب بعضها البعض كما لو كنتُ أقف في قلب المنظر الطبيعي. النتيجة النهائية معروضة أدناه:

في رأيي، كان هذا تحسناً واضحاً عن الصورة الأولى. بدت الكثبان الرملية – خاصةً على الجانب الأيمن من الصورة – واقعية إلى حد كبير، وذكّرتني عيوب المشهد ببدايات التصوير. لسوء الحظ، اكتسبت السماء بعضاً من نسيج الورقة، فلم تبدُ واقعية كما كنت أتمنى. وبالمثل، بدت الكثبان الرملية على اليسار أكثر فوضوية من تلك الموجودة على اليمين، لأنها كانت مضاءة بمصدرين قويين للضوء (مصباح المكتب والشمس الاصطناعية). بعد قضاء وقت طويل على هذه اللقطة، حان الوقت للانتقال إلى التالية.
أما بالنسبة للصورة الثالثة والأخيرة، فقد أردت تصوير مشهد ليلي. بدأتُ في التفكير في الاحتمالات، وفكرتُ في عكس درب التبانة في “بركة” مصغرة مصنوعة من مرآة. لم أجد مادة مناسبة للنجوم، لذا فكرتُ في عكس القمر بدلاً من ذلك. وقد أثبتت هذه الفكرة جدواها، إذ تمكنتُ من صنع قمر واقعي بتسليط ضوء مصباحي اليدوي على قميص أسود أملكه.
كانت لديّ الآن الفكرة الرئيسية، لكنني كنت لا أزال بحاجة إلى عنصر في المقدمة لتثبيت التكوين. بدأت بتشكيل الدقيق ليبدو كخط ساحلي، محاولًا خلق مشهد شاطئي عند شروق القمر. لكن أثناء ذلك، لاحظت أن الدقيق بدأ يشبه جبلًا جليديًا؛ في الواقع، كان التشابه واضحًا جدًا. تخليت عن فكرة الشاطئ وبدأت بالتركيز على إنشاء منظر طبيعي قطبي.
كانت هذه الصورة أسرع بكثير من الصور الأخرى، لأن الدقيق كان قد اتخذ الشكل المناسب بالفعل. جربت عدة زوايا تصوير مختلفة، واستقريت على زاوية سمحت للقمر الاصطناعي بانعكاس واقعي قدر الإمكان. الصورة النهائية معروضة أدناه:

أعتقد أن هذه الصورة هي الأنجح بين الثلاث. فالدقيق فيها يحمل نفس أشكال الجليد، والقمر في الخلفية يُضفي على السماء واقعيةً مُقنعةً أكثر من الصور الثلاث. حتى الانعكاس يبدو مُقنعًا إلى حدٍ ما، مُستحضرًا صور التعريض الطويل للبحر ليلًا. جديرٌ بالذكر أن الصورة أعلاه هي في الواقع صورتي الرقمية للمشهد، لأن النسخة الفيلمية لم تُمسح ضوئيًا بدقة الصورتين السابقتين.
في النهاية، ما رأيي بهذه الصور؟ من جهة، لن أضعها بالتأكيد في معرض أعمالي أو أعرضها على موقعي الإلكتروني؛ ما زلتُ بحاجةٍ إلى الكثير من التدريب قبل أن أتمكن من ابتكار شيءٍ يبدو واقعيًا تمامًا. من جهةٍ أخرى، استمتعتُ كثيرًا بمحاولة التقاط هذه الصور. ساعدتني هذه العملية برمتها على التفكير في ظروف الإضاءة في العالم الحقيقي، وأظهرت لي بعض الطرق التي يُمكن أن تُضلل بها الصور الفوتوغرافية دون استخدام برنامج فوتوشوب. ولكن الأهم من كل ذلك، أنني استمتعتُ بالعملية نفسها. أحيانًا، أفضل طريقة للحفاظ على شغفك بالتصوير هي تجربة شيءٍ جديد.


