إياد بلال: النحت شغفٌ والرسم فسحةُ راحة “الجزء الاول’

حاورته يمامة حمص 

 الفنان إياد بلال في حضرته لا يبدو الفن خياراً عابراً، بل قدراً تشكّل مبكراً في الذاكرة، منذ الطفولة الأولى حين كان درس الرسم مساحة لاكتشاف العالم، وكانت المواد البسيطة تتحوّل بين يديه إلى حكايات بصرية نابضة، بين الرسم والنحت، وبين حساسية اللغة وصرامة المادة، بنى بلال تجربته كمن يبحث عن جوهر الأشياء لا عن شكلها فقط؛ يمنح الكتلة روحاً، ويترك للوحة أن تكون مساحة تأمل وراحة.

في هذا الحوار، نقترب من بداياته الأولى، من اللحظة التي أدرك فيها أن الفن ليس موهبة أو هواية مدرسية، بل طريق حياة، ونتوقف عند علاقته بالنحت بوصفه شغفًا يتطلب جهدًا فكرياً ونفسياً وجسدياً، وعند الرسم كفضاء أكثر هدوءاً واسترخاءً. حديث يكشف ملامح فنان يرى في كل مادة احتمالاً جديداً، وفي كل شكل قصة تنتظر أن تُروى، معا لنبدأ الحكاية:

متى أدركت أن الفن هو طريقك الحقيقي، لا مجرد موهبة أو هواية؟

أدركت أن الفن طريقي الحقيقي منذ الطفولة، لا بوصفه موهبة عابرة أو هواية مدرسية، بل كحاجة داخلية كانت تكبر معي وتشكّل علاقتي بالعالم. 

تعود بي الذاكرة، أحيانًا، بخطفة خاطفة إلى تلك السنوات الأولى؛ إلى طفل كان يجد في درس الرسم أكثر من حصة عادية، وفي الصلصال والمواد البسيطة عوالم قابلة للتحوّل والتخيّل.

كنت مأخوذًا بفكرة تحويل الأشياء من شكل إلى آخر، وبناء حالات تركيبية تمنح المادة حياةً جديدة. كان الفن يحرّك لديّ عالم المهارة من جهة، وعالم الحكاية من جهة أخرى؛ كأن كل شكل يحمل قصة، وكل مادة تنتظر أن تُنطق بصريًا.

منذ الصف الخامس، ثم في المرحلة الإعدادية والثانوية، شاركت في المعارض المدرسية، وكان الفن يحتل المساحة الأوسع في حياتي. لم يكن الأمر رهاناً عابراً أو قراراً مؤجلاً، بل إحساساً مبكراً بأن هذا الطريق يشبهني. 

ورغم ولعي بالشعر واللغة العربية، ظلّ الفن هو الفضاء الأرحب، والأكثر حضورًا وتأثيراً في داخلي.

وقد تأكد هذا الإحساس حين دخلت كلية الفنون الجميلة؛ هناك لم يعد الفن مجرد شغف أو ممارسة، بل صار طريق حياة. 

كنت أؤمن منذ البداية أنني سأكون فناناً، وكان لتشجيع عائلتي أثر كبير في ترسيخ هذا الإيمان ومنحي الثقة لمتابعة الطريق.

كيف توزّع نفسك بين الرسم والنحت؟ ومتى تختار اللوحة ومتى تختار المنحوتة؟

أقول دائماً إن الفن يُؤخذ برمّته في زمنٍ ما؛ فقد يكون المرء مولعاً بالنقد أو المسرح أو الأدب، ويحتاج في مرحلةٍ معينة إلى أن يكون أميناً وكاملاً في انتمائه إلى هذا المكان، أو إلى هذا المجال من مجالات الإبداع.

حكايتي مع النحت، الذي ملأ عالمي بالشغف، لا تعني التقليل من شأن المجالات الأخرى، غير أنني في النحت أذهب بعيداً؛ فهو يأخذ مني ساعات طويلة من العمل والتفكير، وجهداً نفسياً وفكرياً وجسدياً. 

وعندما أطلب الراحة والاسترخاء، أذهب إلى الرسم، بوصفه وسيلة من وسائل التعبير، كما الأدب والشعر والمسرح والنحت؛ فكل فن قادر على أن يقول ما يريد قوله عن الزهرة، والأمومة، والإنسان، والحياة، لكن لكل مجال طاقته الخاصة وجمهوره المختلف.

في أوقات الشغف باللون والجدار، قد أذهب إلى الرسم أو اللوحة، كما أعود في أوقات أخرى إلى النحت.

 ليس هناك زمن محدد للانتقال بين فن وآخر؛ إنها حالة حسية واختيارية، ورغبة تتبدل من وقت إلى آخر.

لكل فن طاقته التعبيرية التي أحاول أن أعبّر من خلالها. ومع ذلك، لا أجد اختلافاً كبيراً في جوهر ما أريد قوله، سواء عبّرت عنه بالنحت أو بالرسم؛ فالاختلاف الحقيقي يكمن في وسيلة التعبير، لا في الإحساس أو الفكرة.

ـ ما الفكرة أو الهاجس الذي يتكرر في أعمالك مهما اختلفت المواد والأشكال؟

أنزع في مجمل أعمالي نحو الحرية والحب، ونحو تحرّر الإنسان من أغلاله. 

وهي رغبة قديمة، أو لعلّها مجموعة من الصياغات الفكرية والبصرية التي بدأت تتشكّل لديّ منذ مرحلة الدبلوم، بعد الأكاديمية، حين سعيت إلى إعادة صياغة الشكل الواقعي التجريدي في النحت، وإلى مراكمة الدلالات على الجسد الإنساني بما يحمله من أعباء وأثقال.

كتب أحد النقاد عن تجربتي: «إن إياد البلال يحاول أن يطرح أزمات الإنسان المعاصر، وهو جاد في ذلك». وقد رأى في الموضوع بعداً عميقاً؛ فالحب والعلاقات، والحرية والعبودية، والموت، ليست سوى أسئلة كبرى تتصل بأزمات الإنسان عبر التاريخ، وبأزمته الراهنة أيضاً.

لم أكن بعيداً عن هذا الهاجس، فالإنسان هو البداية والنهاية. أحياناً أقترب منه عبر الرمز والدلالة، لكن المحصلة تبقى واحدة: الإنسان : الغاية الحقيقية في الفن كما في الحياة.

أن يخرج الإنسان من قيوده، ومن كل ما يضغط عليه، وأن يكون حراً في تفكيره وحياته؛ أن يكون آمناً، مطمئناً، وجميلاً، تلك غاية أراها جوهرية في الفن والحياة معاً، وهاجساً حقيقياً أعوّل عليه في تجربتي. ففي الفن لا أستطيع أن أفصل أحد أدواره الأساسية عن رفع شأن الإنسان المعاصر والانتصار له.

الفن، في مكان ما، كلمة حق؛ كلمة تنتصر للإنسان.

في مجمل أعمالي أنزع نحو الحرية والحب، ونحو تحرير الإنسان من أغلاله، هذا الهاجس قديم في تجربتي، بدأ يتبلور منذ مرحلة الدبلوم بعد الأكاديمية، حين أخذت أبحث عن صياغة جديدة للشكل الواقعي التجريدي في النحت، وعن إمكانية تحميل الجسد الإنساني دلالات أثقاله، وأعبائه، وانكساراته.

لقد كتب أحد النقاد: «إن إياد البلال يحاول أن يطرح أزمات الإنسان المعاصر، وهو جاد في ذلك». وأرى أن هذه القراءة تلامس جوهر التجربة؛ فالحب، والعلاقات، والحرية، والعبودية، والموت، ليست موضوعات عابرة، بل أسئلة كبرى رافقت الإنسان عبر تاريخه، وما زالت تشكّل أزمته العميقة في الحاضر.

من هنا، لم يكن الإنسان غائباً عن عملي يوماً. إنه المركز والغاية، البداية والنهاية. قد أذهب إليه أحياناً عبر الرمز، أو عبر إشارات ودلالات غير مباشرة، لكن الحصيلة تبقى دائماً واحدة: الإنسان هو الحقيقة الأعمق في الفن والحياة.

أن يتحرر الإنسان من قيوده، من الخوف، من القهر، من كل ما يثقل روحه وجسده؛ أن يكون حراً في فكره وحياته، آمناً، مطمئناً، وجميلاً، هو ما أراه غاية للفن كما أراه غاية للحياة. لذلك لا أستطيع أن أفصل الفن عن دوره الإنساني، ولا أن أراه إلا فعلاً يرفع الإنسان المعاصر، ويدافع عنه، وينتصر له.

فالفن، في جوهره، كلمة حق تقف إلى جانب الإنسان.

كيف غيّرت الغربة رؤيتك للفن ولذاتك؟

ربما اعتدتُ في حياتي أن أسافر شهراً أو شهرين، لكنني الآن أمضيت ما يقارب السنة والنصف خارج سورية.

 ولأن الغربة جاءت متأخرة، بدت أكثر قسوة وعمقاً.

الغربة، في جوهرها، حالة انفصال: انفصال عن المطر، عن الناس، عن الأحبّة، عن الألفة، وعن طقوس المكان بكل تفاصيله؛ سواء كان هذا المكان قريتنا الصغيرة أو سورية كلّها. 

إنها انفصال نفسي وجسدي عن جغرافيا الذاكرة والانتماء.

لقد أثّرت الغربة عميقاً في رؤيتي للفن، وربما صارت أفكاري تنبع من الموضوع ذاته؛ فالغربة إحدى أزمات الإنسان المعاصر، وأحد المفاتيح الأساسية لفهمه.

 ورغم أن العالم بات قرية صغيرة، إلا أننا نظلّ مسكونين بهواجس الأمكنة وتفاصيلها، وبما تتركه في داخلنا من أثر لا يزول.

الغربة تحرّك المشاعر، وتفتح أمام الفنان رؤى تشكيلية جديدة. 

لذلك أراهن في المرحلة المقبلة على الطريقة التي سأرى بها تفاصيل الأمكنة السورية من بعيد، وكيف سأعالجها فنياً عبر عنصر الذاكرة. 

فالمسافة قد تجعل الذاكرة أكثر حضوراً، وربما تشحن اللوحة أو المنحوتة بطاقة إضافية؛ أكثر صدقاً أحياناً، أو محمّلة بحنين مضاعف. وفي كل الأحوال، تمنح العمل أفقاً تشكيلياً آخر، أكثر اتساعاً وعمقاً.

ـ هل تحضر البلاد في أعمالك كحنين مباشر، أم كرموز وذاكرة خفية؟

البلاد، في وجدان العاشق والفنان، وفي ذاكرة المشتغلين بالشأن الثقافي، لا تغيب مهما ابتعدوا عنها؛ فأينما ذهبوا، حتى لو غيّروا الكوكب، تبقى بلادهم حاضرة بتفاصيلها وذاكرتها وروحها. وربما، مع البعد، تزداد حضوراً وعمقاً؛ فقد يصبح لصوت العصافير وقعٌ أعلى، ولمعناه امتدادٌ أبعد.

نحن مسكونون بالأمكنة، ومشكلتنا الجميلة والمؤلمة في آنٍ معاً أن الأمكنة والأشخاص يسكنوننا أيضاً. حتى التفاصيل الصغيرة تعنينا؛ لأنها جزء من تكويننا، ومن ذاكرتنا البصرية والسمعية والشمية. ومهما ابتعدنا عنها، تظل كامنة فينا، تستيقظ على هيئة صورة، أو صوت، أو رائحة، أو إحساس عابر.

وفي النهاية، لا بد لهذه الذاكرة أن تنعكس على العمل الفني. لكن هذا الانعكاس لا يكون بالضرورة مباشراً أو ساذجاً؛ فالفن الحقيقي لا يكتفي بنقل الواقع كما هو، بل يحمل الذاكرة الخفية والرمزية، ويذهب، كما يفعل الأدب، إلى المواربة أحياناً، وإلى التصريح أحياناً أخرى. وقد يعيد الفنان صياغة هذه الذاكرة تشكيلياً، مضمّناً إياها آليات فنية مختلفة تمنحها شكلاً جديداً ومعنى أعمق.

إن الفن ينحو دائماً نحو الأكثر عمقاً. 

ولا أعتقد أن فن النحت، على وجه الخصوص، يمكن أن يكون فناً مباشراً؛ فهو بطبيعته يتجاوز المباشرة إلى الدلالة، ويحوّل المعنى إلى تجربة أعمق وأكثر كثافة.

أخر المقالات

منكم وإليكم