لاقت اعمال الاديب والمفكر الفرنسي المعروف ألبير كامو (1913 ــ 1960) هوى منقطع النظير في نفوس القراء العراقيين والعرب خلال اعوام ستينيات النكسة الحزيرانية واعوام الثراء النفطي العربي والاقليمي في السبعينيات، على الرغم من محدودية نتاجه العام في الشعر والرواية والمسرح والفلسفة. ولعل جردة حساب بسيطة لما ترجم لهذا الاديب الفرنسي المفكر الى العربية قد تكشف لنا مدى الشحة والندرة لاعماله التي توافرت عليها المطابع العربية وقتذاك.
قد يعود السبب في تقديري الى عمر كامو القصير، بعد ان وافته المنية بعمر (47) سنة، حينما كان يقود سيارته في طريقه الى باريس عائدا من الريف في 4 نيسان 1960 اذ حاول ان يتفادى عربة، ولكن سيارته اصطدمت بشجرة فمات على الفور..للبير كامو رواية شهيرة في مجمل العالم بأسم (الغريب) التي افلمت سينمائيا في اوربا وامريكا للعديد من المرات، كما انها اعدت مسرحيا في الكثير من المنصات العالمية، كما ان له رواية اخرى تسمى (الطاعون) لم تنل حظوتها كما نالت روايته الاولى وله في النثر كراريس صغيرة تتحدث عن مولده ونشأته الاولى وصباه وردحا من شبابه في الجزائر، ومنها (اعراس) و(اعاصير) و(التمرد) وله ايضا كتاب فلسفي مشهور حمل عنوان (اسطورة سيزيف) وفيه يتحدث وبلغة شاعرية آسرة عن فلسفته في الحياة، التي يحصرها على الدوام بحالات التمرد والعبث والانتحار. واخيرا فنحن لم نقرأ له في العربية سوى مسرحيات ثلاث، وهي (كاليغولا) التي لم يجرؤ في حدود علمي ــ اي مخرج عربي في تقديمها على المنصات المحلية والاقليمية حتى الآن لرسالتها المباشرة في ادانة الحاكم الاوحد ولخطابها المعلن في التنديد المباشر لاي زعيم في العالم، حينما يوقن بلا عقلانية العالم وعبثيته، فيتصرف تصرفات مجنونة او غير معقولة فيجازي المحسنين بسوء العذاب ويكافى المسيئين باحلى الثواب.. مع العلم ان هذه المسرحية قد تناولتها السينما العالمية بأكثر من فيلم. وعليء ان اعترف شخصيا بانني شاهدت ثلاث نسخ سينمائية لـ(كاليغولا) احداها في سينما (النجوم) البغدادية ضمن معالجة فرنسية (ايروتيكية) في منتصف تسعينيات القرن الماضي، والاخرى في احدى القنوات الفضائية العربية ضمن معالجة هوليودية (تاريخية) قبل اسابيع معدودات.
اما النسخة الاخيرة فقدت شاهدتها عن طريق (اليوتيوب) وبمعالجة رومانية (سريالية) معاصرة كأنها تسخر من نظام (شاوشيسكو) الدكتاتوري المقيت في رومانيا.اما مسرحية كامو الثانية فهي (سوء تفاهم) التي تتناول حياة سيدة وابنتها في الاشراف على نزل او فندق في قاع باريس اثناء الاحتلال النازي لفرنسا، ومحاولتهما معا لقتل اي نزيل او مستطرق اجنبي يفد هذا المكان ومن ثم القائه في نهر (السين) حيث لاعين رأت ولا اذن سمعت، فهي تؤكد ايضا العبث واللامعقول وحالات التمرد التي تنهض بها فلسفة البير كامو. وقد جلبت الاخبار، ان المخرج العراقي الراحل د. عوني كرومي قد أعد هذه المسرحية في العاصمة الاردنية (عمان) بروح عراقية، مستثمرأ (نصب الحرية) لجواد سليم في تقديمها ضمن فصولها ومشاهدها المتعددة ومن خلال ديكورات وسينوغرافيا منفصلة.اما مسرحيته الثالثة (العادلون) التي تعد في تقديري وتقدير العالم كله، هي من انضج اعمال كامو واكثرها تماسكا في المضمون او الرؤية لمصير العالم او الانسانية جمعاء، فهي الايقونة البصرية الكبرى في حياة هذا الكاتب، وقد مثلت في كافة المنصات المسرحية في العالم وحملت الثناء والشهرة له، وقد حازت هذه المسرحية على جائزة نوبل للآداب عام 1957.
وتلقى كامو الجائزة معلنا انه فرنسي من اصل جزائري. والطريف ان يخرج هذه المسرحية الفنان الرائد (جاسم العبودي) في سنوات السيتينيات الماضية لفرقته الاهلية وان يكون بطلها الاول الفنان القدير الراحل قاسم محمد، وهذه حقيقة تاريخية قد لا يدركها الكثير من المسرحيين العراقيين.. عن ماذا تتحدث هذه المسرحية؟ من هم ابطالها؟؟ وما هو مضمونها الفكري العام؟ ترى، اية رؤية اختطها ألبير كامو ليصنع تلك القطعة الادبية الرائعة التي تجلت في عموم مسارح العالم، حينما طفت روح كامو وتسربلت بروح الانسان الشاعر الذي ينصر انسانية الانسان، والذي يفلسف الثورة والعنف، ثم يدمغهما بشروط انسانية ولغايات انسانية على العكس من مفاهيمه السابقة حول العبث والتمرد والانتحار.
تدور حوادث هذه المسرحية التي ترجمت من قبل الاستاذ اميل شويري ضمن سلسلة المسرح العالمي المصرية منذ اكثر من خمسة عقود خلت في روسيا القيصرية، حيث تجتمع منظمة من الفوضويين الثوريين تريد ان تقتل القيصر لتخلص البلاد من ظلمه. وينبثق الرأي في ان يلقي (كاليايف) القنبلة الاولى على موكب القيصر. ولكن عربة القيصر تمر، ولا يلقي (كاليايف) قنبلته عليها، لانه ابصر ثمة طفلين غريرين الى جانبه في ذات العربة. ثم يعود (ستيبان) احد افراد المنظمة تطرفا وغضبا، ليكيل الشتائم والزمجرة بوجه (كاليايف) متهما اياه بالجبن والخيانة.
وفي حوارية مسرحية أسرة تتصدى (دورا) الفتاة الوحيدة في هذه المنظمة لـ(ستبيان) والعاشقة لـ(كاليايف) لحماقة (ستيبان) المتطرف العنيد في قتل الشعب بالشكل المجاني، متهمة اياه بالعار والضحالة والثرثرة والتطرف.قد يكون مسار البير كامو في حياته القصيرة اشكالية لا مشكلة في الفكر الانساني المعاصر. ولكنه آثر في حياته شيئين: موطن الرأس الفقير في الجزائر حيث الفقر والشمس، وقضايا الانسان ومعتقداته التي لم تحظ بعد بالاجابة.. فخاض معترك الادب والجمال والمعرفة باحثا باحساس الفنان العجيب عن حل مشكلات الانسان المعاصر وهذه هي سريرته في الخلود.
المصدر صفحة المسرح العالمي


