خلّيك معايا كده بهدوء…
مش كل عقوبة في التاريخ اتعملت علشان تقتل الجسد وبس، في عقوبات اتخلقت علشان تمسح الإنسان نفسه من الوجود. واحدة من أبشعهم، وأذكاهم قسوة، كانت عقوبة رومانية اسمها بوينا كوليي – Poena Cullei.
الرومان كانوا شايفين إن قتل الأب أو الأم مش مجرد جريمة، ده كسر لقانون الكون نفسه. جريمة ضد الدم، وضد الطبيعة، وضد فكرة الأسرة اللي الدولة كلها متبنية عليها. علشان كده، العقوبة ما كانتش عادية، وما كانتش شبه أي إعدام تاني، كانت إعلان رسمي إن الشخص ده ما بقاش ينتمي للبشر ولا يستحق حتى يموت زيهم.
المحكوم عليه كان يُخاط حيًّا داخل كيس جلدي سميك، كيس مقفول بإحكام، لا نور، لا هوا، لا حركة. ومعاه جوه الكيس كانوا يحطّوا حيوانات حية: كلب، ديك، قرد، أحيانًا أفعى. مش اختيار عشوائي، كل كائن فيهم كان رمز للفوضى والغرائز والهمجية في المخيال الروماني. وبعد ما الكيس يتقفل، يتشال ويتقذف في نهر أو بحر، من غير محاكمة أخيرة، من غير صلاة، من غير قبر.
الموت هنا ما كانش غرق وبس، كان عزل كامل. الشخص بيتمنع عنه الأرض، والسماء، والهواء، والنور. كأنه بيتشال من دورة الحياة نفسها. لا يُدفن في التراب، ولا يُحرق، ولا يُذكر. الرومان كانوا شايفين إن اللي قتل والديه خان كل عناصر الحياة، فمينفعش يموت وهو لسه لامسها.
اسم العقوبة نفسه، Poena Cullei، معناه الحرفي “عقوبة الكيس”، بس المعنى الحقيقي أعمق بكتير. الكيس هنا مش أداة قتل، ده رحم مظلم، رجوع قسري للعدم، نهاية بلا أثر. موت من غير تاريخ، ومن غير ذكرى، ومن غير فرصة حتى إن الناس تلعنه.
العقوبة دي ذُكرت في أقدم قوانين روما، قانون الألواح الاثني عشر، واتكررت بعد كده في تشريعات لاحقة زي قوانين جستنيان. الأدباء والمؤرخين كانوا دايمًا يشيروا ليها كأقصى درجات العار، لأن الشخص اللي يتنفذ فيه الحكم ده ما كانش بيتعاقب… كان بيتشطب.
بوينا كوليي ما كانتش انتقامًا، كانت رسالة. رسالة بتقول إن في جرائم لو اتعملت، المجتمع نفسه يقفل عليك الكيس ويرميك خارج التاريخ. وعلشان كده فضلت العقوبة دي واحدة من أقسى، وأغرب، وأعمق صور العقاب في تاريخ روما، شاهد مش على وحشية الرومان، لكن على قد إيه كانوا فاهمين إن العقاب أحيانًا بيكون أخطر لما يقتل المعنى… مش الجسد.
🔴 تابِع بهدوء…
الحكاية لسه مكملة 👈🏽 Farouk Mohamed-Kalos


