يحمل عنوان ندوة “نحو موسوعة عربية” التي أقيمت على المسرح الرئيسي في معرض الدوحة الدولي للكتاب مساء أمس الثلاثاء، دلالة لا تخطئها العين: كلمة “نحو” تعني أن الموسوعة لم تتحقق بعد، وأن الثقافة العربية لا تزال في طور السعي إليها. في عام 2026، حين تمتلك كل لغة أوروبية كبرى تقليداً موسوعياً يمتد قروناً إلى الوراء، يبدو هذا العنوان اعترافاً صريحاً بغياب طويل.
لكنه في الوقت نفسه إعلان عن إرادة “نحو” تفترض وجهة واضحة ومساراً بدأ فعلاً، وليست أمنية فحسب.
هنا تحديداً قدّم ثلاثة باحثين من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مشروع “أرابيكا”، الموسوعة العربية الرقمية الأولى من نوعها، التي أطلق المركز الإصدار التجريبي منها في بداية الشهر الماضي، ويُراد لها أن تحوّل هذه الـ”نحو” إلى فعل منجز.
شارك في الندوة طارق حمود منسق مشروع الموسوعة، وزهية جويرو أستاذة الدراسات الإسلامية والمقارنة للأديان والباحثة بالمركز العربي، ورائد السمهوري الباحث والمحرر العلمي بالموسوعة، وأدارها حسام الحافظ الباحث في المركز العربي.
الأرقام التي قدّمها حمود تكشف حجم المشروع. فثمة أكثر من ثلاثين مليون كلمة أُنجزت حتى الآن بمساهمة 1500 مؤلف وأكثر من 200 محرر علمي من أنحاء الوطن العربي، وهو ما يعادل أكثر من 300 كتاب بمقاييس دور النشر على حد قوله.
30 مليون كلمة
ومع ذلك فإن هذا الإنجاز لا يمثل سوى 4% من الخطة العامة للموسوعة النهائية. المرحلة الأولى ستُطلق مطلع 2027 وستمثل 10% من المشروع.
وللمقارنة، فإن موسوعة بريتانيكا تحتوي سبعين مليون كلمة، ما يعني أن أرابيكا قطعت نحو نصف هذا الحجم وهي لا تزال فيما يصفه حمود بـ”المرحلة ما قبل الأولى”، أي مرحلة التأسيس للتقاليد والممارسات وأدبيات العمل الموسوعي.
هذه المرحلة هي التي بدأنا نعاين جانباً منها في الموقع التجريبي الذي لا يمثل شيئاً من الخطة العام لموسوعة نهائية.
المرحلة الأولى ستُطلق مطلع 2027 وستمثل 10% من المشروع
لكن لماذا موسوعة الآن، في زمن الذكاء الاصطناعي وطوفان المعلومات؟ يقلب حمود السؤال مجيباً “هذا بالتحديد هو المحفز الأكبر، ففي ظل الاختلاط والإرباك المعرفي القائم، تصبح موسوعة رصينة معروفة المصادر هي ذاتها مصدراً يُغذّي الذكاء الاصطناعي بدل أن يُنافسها”.
النماذج اللغوية الكبرى اليوم تتغذى على مصادر إنكليزية في الأساس، وغياب محتوى عربي موسوعي موثوق يعني أن أي إنتاج بالعربية عبر هذه النماذج سيظل دون المستوى.
هذا ما أكدته زهية جويرو لما أشارت إلى الفارق الكبير بين ما يقدمه الذكاء الاصطناعي حين يُسأل بلغة أجنبية وما يقدمه حين يُسأل بالعربية.
ووضع السمهوري المسألة في سياق أوسع مبيناً أن المحتوى العربي على الإنترنت لا يتجاوز 0.6% رغم أن العرب نحو 500 مليون نسمة. وإذا كانت آلاف المواقع الإخبارية والمدونات موجودة، فلماذا لا تكون آلاف المواقع المعرفية؟ ثم استعار من لغة المتصوفة “هناك واجب الوقت”، وإذا لم تتحدث المعرفة الآن بالعربية فمتى ستتحدث؟
موقف معرفي
في هوية المشروع، يرسم حمود تمييزاً جوهرياً. فـ”أرابيكا” لا تترجم موسوعات الآخرين. المعرفة العلمية فيها صارمة ومنضبطة، لكن الموقف المعرفي عربي. وهذا يعني انحيازاً واضحاً لا مجاملة فيه في تناول قضايا مثل الاستعمار والقومية والدين، مع التمسك بالحياد والصرامة في الجوانب العلمية البحتة.
أما جويرو فترى في المشروع استئنافاً لنهضة أوقفها الاستعمار في القرن التاسع عشر في لحظة بدايتها، وتقول إن ما تنتجه أرابيكا في مداخل العلوم الطبيعية والطب والرياضيات يُبطل الإشاعة القائلة بأن اللسان العربي عاجز عن إنتاج المعرفة التقنية والعلمية.
انحياز واضح في تناول قضايا مثل الاستعمار والقومية والدين
وتعتبر جويرو أن من رهانات أرابيكا أنها لا تنتج موسوعة فحسب، وإنما تؤسس لصناعة المعرفة الموسوعية ذاتها عبر وضع القواعد المنهجية والمعرفية والتقنية التي تحوّل الكتابة الموسوعية من عمل فردي إلى عمل مؤسسي.
وتستحضر في هذا السياق درساً من التاريخ مفاده أن المشاريع الموسوعية التي صمدت لأكثر من قرنين، مثل بريتانيكا، هي التي تحولت إلى مؤسسات، بينما التأليف الفردي ينتهي بانتهاء أصحابه.
أرابيكا تملك هذا الدعم المؤسسي عبر المركز العربي الذي راكم خبرات في المشاريع العلمية الكبرى، ومنها معجم الدوحة التاريخي للغة العربية الذي تصفه جويرو بأحد أشكال العمل الموسوعي.
وعن البعد الجامع للمشروع، أشارت جويرو إلى أن معظم الأقطار العربية تملك موسوعات وطنية خاصة بها، لكن أرابيكا مشروع مختلف، فهو بؤرة تلتقي فيها جهود الباحثين العرب من مختلف الاختصاصات والأقطار، بحيث يكون لكل بلد عربي شجرة من المداخل متآلفة مع شجرات مداخل بقية الأقطار، على قدم المساواة.
وأكد السمهوري هذا البعد التمثيلي حين تحدث عن الحرص على تمثيل عادل لجميع المكونات المجتمعية في العالم العربي والبعد التام عن الإقصاء.
المسار التحريري
أما عن المسار التحريري، فالمدخل الموسوعي كما يشرحه طارق حمود يمر بسلسلة مراحل صارمة تبدأ بالاستكتاب، ثم يخضع لنظرة أولية من المحرر العلمي الذي يحاكمه محاكمة عامة ليتأكد أنه مدخل موسوعي لا بحث علمي يطرح نظريات ولا مقال صحافي.
بعدها ينتقل إلى تحكيم علمي مغلق لا يعرف فيه المحكّم هوية الكاتب ولا العكس، (شبكة المحكمين بلغت 800 محكّم)، ثم يعود المدخل إلى المؤلف لمعالجة الملاحظات، ويمر بالتدقيق اللغوي فالتحرير الموسوعي الذي يعتني بالجوانب الشكلية والأسلوبية، وصولاً إلى إضافة الوسائط من صور وفيديو وملفات صوتية، ثم التصميم فالنشر.
يقول منسق الموسوعة إن المعايير والصرامة الموجودة في أرابيكا لا توازيها أي موسوعة في العالم، بما فيها بريتانيكا والموسوعة الفرنسية.
واستعاد كلام ابن منظور في مقدمة “لسان العرب” عن معضلة التصانيف: من أحسن وضعه لم يحسن جمعه، ومن أجاد جمعه لم يحسن وضعه.
ويرى أن ثمة اليوم معياراً ثالثاً هو العرض. فلا يكفي أن تجمع المحتوى العلمي وتصنّفه، بل يجب أن تعرضه بطريقة تناسب العصر الرقمي، لأن هذا الحجم الهائل من المعرفة لن يُقرأ مطبوعاً في ظل الثورة الرقمية الراهنة.
وعن جمهور الموسوعة، أوضح حمود أنها ليست موجهة لفئة بعينها، إذ إن من معاييرها تبسيط اللغة من دون الوقوع في التبسيط المخل ولا الذهاب إلى التعقيد الأكاديمي. وهو ما عبّرت عنه جويرو بأن الكتابة الموسوعية تجمع بين الدقة التي يقتضيها البعد الأكاديمي والوضوح الذي يسمح للقارئ المهتم بأن يجد فيها ما يستطيع التفاعل معه.
أما عن انفتاح المشروع على المساهمات الخارجية، فمن بين 1500 مؤلف شاركوا حتى الآن، لا يتجاوز العاملون من داخل المؤسسة 5%. وأشار السمهوري إلى أن الكتابة الموسوعية تحتاج إلى دربة وممارسة، وأن الباحث الشاب المتحمس الذي يحضّر دكتوراه أو ماجستير ويستطيع الكتابة العلمية مرحّب به أكثر من المتخصص الذي لا يلتزم بالشروط.
******
المصادر
العربي الجديد
إيليت فوتو أرت


