في اعتقادي أن مسرحية سر شهرزاد من أفضل مسرحيات علي أحمد باكثير، وفيها معالجة مثيرة وفريدة للقصة الإطار لكتاب ألف ليلة وليلة، وتتركز هذه المعالجة الجديدة في الأزمة التي يعاني منها شهريار، وكانت سببا في قتله زوجته بدور ثم قتله عدة عذارى أخريات.
ويفسر علي باكثير أزمة شهريار في هذه المسرحية بأنه أصيب بالعنة بسبب إسرافه في الجنس رغم أنه لم يزل في مرحلة الشباب، وكان شهريار شديد التعلق بزوجته بدور، ولكنه كان عاجزا عن أن ينالها، فكان يشعر أنها مثل شجرة فاكهة مثمرة، وأنه يتوق لثمارها، ولكنه عاجز عنها.
ولم تع بدور هذه الأزمة عند شهريار، بل إنها قد فسرت إعراضه عنها بأنه صار يملها، وفكرت في حيلة تجتذبه بها، فأمرت عبدا مخصيا بأن يظهر معها في مخدعها، وعرفت أمر هذه الحيلة للقهرمان وزوجته، وأملت من وراء ذلك أن تجعل شهريار يغار عليها، وحرصت على أن تكشف سر هذا العبد لشهريار بعد أن تستثيره.
وعلى الرغم من أن القهرمان قد أخبر شهريار بأمر هذه الحيلة قبل تنفيذها فإنه قتل هذا العبد حينما رآه في مخدع شهرزاد، وقتل شهرزاد نفسها، وكان مبرره في قتلها أن يخفي حقيقة أزمته في عجزه الجنسي التي كان يحاول سترها عنها في حياتها.
ثم إنه أراد أن ينشر بين الناس أخبارا مكذوبة عن سبب قتله بدور، فاتهمها بالخيانة، واتهم كل النساء بذلك، ووجد في هذا مبررا للزواج كل يوم بعذراء؛ حتى يحاول ممارسة الجنس معها، ولا شك أنه كان يفشل في ذلك؛ ولهذا كان يأمر بقتلها في الصباح، ويبرر ذلك القتل بأنها مثل بدور وكل النساء في الخيانة؛ ولهذا استحقت القتل.
واستمر شهريار على ذلك الوضع فترة من الزمن، وسفك خلالها دماء بعض العذارى العفيفات ظلما، حتى تزوج من شهرزاد التي عرفت أمر علته بإصابته بالعنة من طبيبه رضوان الحكيم الذي اتصف بالحكمة أيضا، وكان إلى جانب ذلك مربيا لشهرزاد وأختها دنيازاد، ورتبت شهرزاد مع رضوان الحكيم أمرا لعلها تنجو به من سفك شهريار لها، وأن تخرجه به من أزمته.
وفوجئ شهريار في ليلة عرسه بشهرزاد باصطحابها في حجرة نومها مع شهريار – أختها الصغيرة دنيازاد، وأعجبه غناؤهما ورقصهما، كما شده الحكاية التي حكتها شهرزاد لأختها، وحين لاح لاح الفجر كانت شهرزاد لم تكمل حكايتها، فأمهلها شهريار ليوم آخر؛ ليعرف باقي هذه الحكاية.
واستمرت شهرزاد عدة ليال تحكي فيها حكايات لشهريار، وتعلقه قبل فجر كل يوم بالبدء في حكاية جديدة؛ ليبقي عليها لليوم التالي؛ ليعرف بقية هذه الحكاية.
وكانت شهرزاد خلال هذه الأيام لا تمكن شهريار من نفسها، وفي الوقت نفسه كانت تحاول أن ترقى به من خلال هذه الحكايات وما فيها من معارف وعبر؛ حتى يتجاوز مرحلة التفكير في الجسد للتفكير في أمور أخرى، كالانشغال بالمعرفة والبحث، وهذا ما حدث لشهريار بعد ذلك، فصارت متعة تلقيه هذه الحكايات من شهريار من أكبر متعه في الحياة، وانشغل بها عما كان عليه من التفكير في أزمته في عجزه الجنسي.
وعندما عرفت شهريار من الطبيب والحكبم رصوان أن شهريار قد استرد قدرته الجنسية بسبب العقاقير التي كان يقدمها له – وعدم تركيزه في هذا الأمر في الفترة السابقة – مكنته من نفسها، ونال ما يريد، فشعر بالسعادة عند ذلك، وزاد تمسكه بشهرزاد.
ولكن أزمة شهريار لم تتوقف عند ذلك، فكان ضميره يؤنبه؛ لقتله بدور وغيرها من العذارى اللائي قتلهن ظلما، فكان يقوم من فراشه ليلا، ويمشي وهو نائم، ويدخل حجرة نوم بدور، ويتخيل أنه يراها فيه، فيقتل خيالها الذي يتوهم رؤيته؛ حتى يسكت صوت ضميره الذي يؤنبه على ما فعله فيها.
وتبحث شهرزاد عن علاج لهذه العلة، فتعيد مشهد قتل شهريار لبدور، من خلال أنها تلبس جارية عندها ملابس رجل، وتجعلها تنام معها على فراش النوم، ويرى شهريار هذا الموقف، وقبل أن يعبر عن غضبه تكشف هذه الجارية عن حقيقتها، وعند ذلك يبكي شهريار بكاء شديدا؛ لأنه استبان له أنه لا يستطيع أن يتمادى في الكذب على نفسه في استحقاق بدور للقتل.
ويتدخل الطبيب والحكيم رضوان لعلاج شهريار من أزمته في شعوره بثقل الذنب عليه؛ لقتله بدور وغيرها من العذارى الأخريات ظلما، فيعرفه أن باب التوبة مفتوح دائما، وعليه حتى تقبل توبته أن يدفع دية هؤلاء العذارى لآبائهن، ويزوج غيرهن من العذارى من ماله الخاص، وأن يزداد قربا من الله، ويوافقه شهريار على ذلك، وبهذا تزال أزمته، وتنتهي المسرحية نهاية سعيدة.
ولا شك أن باكثير قد وفق كثيرا في هذا التحطيط الجديد الذي أعده لهذه الحكاية المعروفة عن شهريار وشهرزاد، واستطاع أن يبث فيها التشويق طوال أحداثها حتى نهايتها.
كما يحسب لباكثير فيها أنه وظف علم النفس فيها، وجعل أزمة شهريار مرتبطة بأسباب نفسية، وكان علاجه من هذه الأزمة من خلال مراعاة علاج نفسه المأزومة، كما رأينا ذلك في هذه المسرحية.
ولكن يؤخذ على باكثير في هذه المسرحية أن شفاء شهريار من أزمته النفسية في شعوره بالذنب للنساء اللائي تزوجهن وقتلهن ظلما جاء سريعا فيها، فبمجرد أن دفع ديات هؤلاء النساء اللائي قتلهن وتزوجيه أخريات من ماله، ورغبته في التوبة من هذه الذنوب حصل على الخلاص، وانتهت أزمته، وفي رأيي أننا كنا بحاجة – بالإضافة لتلك النهاية الوعظية فيها – لنهاية أكثر تعبيرا عن العلاج النفسي الذي من خلاله يمكن شفاء شهريار من تلك الأزمة؛ حتى تكون المسرحية أكثر إقناعا، وحتى تكون أيضا مسترشدة بعلم النفس بشكل أكثر إقناعا.
بقلم د. علي خليفة


