آخر الأصوات ( مهران يوسف ) في زمن الهيبة الإعلامية السورية.

مهران يوسف آخر الأصوات في زمن الهيبة الإعلامية

بعض الإعلاميين يمرّون عبر الشاشة كما تمرّ الأسماء في أرشيف الزمن، وآخرون يتحولون إلى جزءٍ من الذاكرة العامة، كأن أصواتهم خُلقت لترافق المدن والناس والبيوت في تفاصيل أعمارهم. كان مهران يوسف واحداً من تلك الأصوات النادرة التي لم تُسمع فقط، بل عاشت في الوجدان السوري كعلامة من علامات زمنٍ امتلك فيه الإعلام هيبته ودفءَه وصدقه. لم يكن نجماً صنعته الكاميرا، بل إنساناً صنعتْه التجربة واللغة والتعب الطويل، حتى بدا حضوره وكأنه امتداد طبيعي لدمشق نفسها؛ هادئاً، عريقاً، وقادراً على الوصول إلى القلوب دون استئذان.
وُلد عام 1936 لعائلة أرمنية حملت تعب التهجير من لواء اسكندرون إلى دمشق، وهناك تشكّلت شخصيته بين البساطة والكفاح المبكر بعد وفاة والده وهو طفل. كان يحلم بالطيران، لكن الحياة اختارت له قمرةً أخرى؛ ميكروفوناً يطلّ منه على وطنٍ كامل. أحب الإذاعة كما يُحب العاشق نافذته الأولى على العالم، فتعلّق بأصوات الرواد الكبار قبل أن يصبح هو نفسه واحداً من الأصوات التي تربّت عليها أجيال كاملة. وحين نجح في مسابقة المذيعين عام 1962، لم يدخل المجال الإعلامي بوصفه موظفاً، بل دخله كمن يدخل قدره الشخصي.
تميّز مهران يوسف بقدرته الفريدة على تحويل اللغة إلى حالة شعورية؛ كان يتحدث بثقة دون تكلف، وبقربٍ جعل الناس يشعرون أنه واحد منهم لا مجرد مذيع يجلس خلف الكاميرا. وفي برامجه الشهيرة مثل “الحظ وشيء آخر” و”سؤال على الطريق”، لم يكن يبحث عن الاستعراض بقدر ما كان يصنع جسراً خفيفاً بين الإعلام والحياة اليومية للسوريين. أما في نشرات الأخبار، فقد امتلك حضوراً حاداً وذكاءً سريعاً وصوتاً يحمل نبرة رجل يعرف جيداً ما يقول.
ورغم أبواب الشهرة العربية التي فُتحت أمامه، بقي وفيّاً لسوريا بصورة نادرة، رافضاً مغادرتها إلى فضائيات عربية كانت تبحث عن اسمه وخبرته، لأنه كان يرى أن الانتماء ليس شعاراً يُقال بل موقفاً يُعاش. وحتى في ذروة نجاحه، لم يتوقف عن تطوير نفسه، فعاد إلى الدراسة الجامعية بإصرار استثنائي حتى نال إجازة في الأدب العربي، مؤمناً أن الثقافة هي العمود الفقري لأي إعلام حقيقي. رحل مهران يوسف عام 2013، لكن رحيله بدا كأنه غياب صوتٍ كانت البلاد قد اعتادت أن تسمعه بثقة وطمأنينة، تاركاً وراءه سيرةً تشبه زمن الإعلام الجميل؛ زمنٍ كان فيه الصوت قيمة، والكلمة مسؤولية، والحضور احتراماً لا يُصطنع.
………………………..
المصادر :
ـ مدونة الدكتور جوزيف زيتون
ـ مدونة الشاعر : سام شفيق الموعي
ـ أرشيف الاذاعة والتلفزيون
تحرير #سوريات_Souriat

أخر المقالات

منكم وإليكم