توضيحيّة (غارديان)
يؤكد بروسات أن الطيور ليست مجازًا من الديناصورات، بل ديناصورات حقيقية نجت من كارثة الكويكب التي قضت على معظم المجموعات الأخرى…
يسعى علماء إلى استخدام جماجم الطيور الحديثة لفهم جانب من السلوك والحياة الإدراكية لديناصورات منقرضة، بينها “تي ريكس”، انطلاقًا من حقيقة أن الطيور تُعدّ الفرع الوحيد الباقي من الديناصورات بعد الانقراض الجماعي الذي وقع قبل 66 مليون عام.
ويقول أستاذ علم الأحافير في “جامعة إدنبرة”، ستيف بروسات، إن الباحثين لا يستطيعون إخضاع “تي ريكس” لاختبارات سلوكية، لكنهم يأملون في تحديد سمات دماغية أو تشريحية في الطيور المعاصرة يمكن أن ترتبط بسلوكيات معينة، بما يسمح بتقديم توقعات مدروسة عن قدرات الديناصورات المنقرضة.
وتأتي هذه الفكرة في ضوء دراسات سابقة أظهرت أن بعض الطيور لا تكتفي باستخدام الأدوات، بل تستطيع التخطيط، وإظهار أشكال أولية من التعاطف. كما أشارت اختبارات مخبرية إلى أن طيور الإيمو قد تدرك أن طيورًا أخرى تختبر العالم بطريقة مختلفة عنها.
وفي كتابه الجديد “قصة الطيور”، يشرح بروسات عمله مع فريق دولي لاختبار ما إذا كانت بعض القدرات السلوكية تترك آثارًا يمكن قراءتها في الجمجمة أو الدماغ، إلى جانب البحث عن مؤشرات من سلوكيات مشتركة لدى حيوانات معاصرة.
ويؤكد بروسات أن الطيور ليست مجازًا من الديناصورات، بل ديناصورات حقيقية نجت من كارثة الكويكب التي قضت على معظم المجموعات الأخرى.
ويوضح أن تطور الطيور لم يحدث عبر تحول مباشر من ديناصور ضخم إلى طائر، بل عبر مسار طويل من الانتقاء الطبيعي، بدأ مع أقارب صغار لـ”فيلوسيرابتور” وانتهى بتنوع هائل في الطيور الحالية.
وكانت صفات مثل الريش والأجنحة قد ظهرت قبل الطيران، إذ يُعتقد أن الريش تطور أولًا للمساعدة في حفظ الحرارة، ثم تحوّل لاحقًا إلى بنى للعرض والتواصل، قبل أن تسمح صِغر أجسام بعض الديناصورات واتساع أجنحتها بالحصول على قدر من الرفع والدفع.
ويشير بروسات إلى أن طيورًا مبكرة امتلكت أسنانًا ومخالب وذيولًا طويلة، وأن السماء في زمن “تي ريكس” و”ترايسيراتوبس” كانت تضم تنوعًا واسعًا من الطيور التي كانت تخفق وتنساب فوق الديناصورات، قبل أن تختفي كلها تقريبًا إثر اصطدام الكويكب، باستثناء الطيور ذات السمات الحديثة.
وساعدت صفات محددة هذه الطيور على النجاة؛ فهي كانت قادرة على الطيران بقوة، وتنمو سريعًا من فرخ إلى بالغ، وتعيش على الأرض أو قرب المياه الضحلة. كما منحها المنقار الخالي من الأسنان قدرة على تناول البذور، وهي غذاء بقي متاحًا في التربة بعد انهيار الغابات خلال “شتاء الاصطدام”.
لكن الطيور التي نجت لم تكن كلها كائنات وادعة؛ فقد ظهرت لاحقًا “طيور الرعب” في أميركا الجنوبية، وهي مفترسات ضخمة جابت القارة عشرات ملايين السنين، وبلغ ارتفاع بعضها 10 أقدام، وكانت تملك رأسًا أكبر من جمجمة حصان، ومخالب قوية في القدمين، ومنقارًا حادًا معقوفًا.
ويصفها بروسات بأنها كانت شبيهة بـ”تي ريكس” في هيئة جديدة: مفترسًا قمة، ضخمًا، بذراعين صغيرتين ورأس فتاك.
ولا تدعم الأحافير وحدها صلة الطيور بالديناصورات، إذ تكشف الجينات أيضًا هذا الامتداد التطوري. فجنين السمان في يومه السادس يمتلك حوضًا يشبه حوض ديناصورات الثيروبود مثل “تي ريكس”، كما أظهرت تجارب تعديل جيني على أجنة الدجاج إمكانية تحفيز نمو الأسنان، وإن كان ذلك يؤدي إلى موت الجنين.
ويتناول كتاب بروسات كائنات بارزة في تاريخ الطيور، من “الأركيوبتركس” البالغ عمره 150 مليون عام، وهو أقدم طائر أحفوري معروف وكان مهمًا في ترسيخ نظرية التطور، إلى “بط الشياطين” الضخم في أستراليا، وطائر الدودو المنقرض، وطائر الهواتزين المعاصر في أميركا الجنوبية.
ورغم تحذيره من الأخطار التي تواجه الطيور اليوم، مثل إنفلونزا الطيور وفقدان الموائل والسموم والقطط والمباني الزجاجية، يرى بروسات أن تاريخها يمنح سببًا للتفاؤل، فهي كائنات قادرة على التكيف والتطور السريع.
ويقول إن بعض الطيور قد لا تنجو من كل أزمة، لكن الناجين يستطيعون إعادة الانتشار بسرعة، كما حدث بعد الكويكب الذي أبقى الطيور آخر الديناصورات الحية.
******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت


