يعالج كتاب تفسير تحوّل- تأليف: كلود دوبار، مسألة الهوية بوصفها سيرورة اجتماعية وتاريخية ..

أزمة الهويات: تفسير تحوّل- تأليف: كلود دوبار- ترجمة: رندة بعث يعالج الكتاب مسألة الهوية بوصفها سيرورة اجتماعية وتاريخية تتشكّل عبر علاقات المماثلة بين الفرد والآخر، ينطلق كلود دوبار من فرضية مركزية مفادها أنّ المجتمعات الحديثة تعيش انتقالاً عميقاً من أشكال هوية جماعاتية قائمة على الانتماء الموروث والتحديد الخارجي، إلى أشكال هوية تطويعية تقوم على الاختيار الفردي والمسار الذاتي والتعريف السردي للنفس. هذا الانتقال الطويل والمركّب يولّد أزمات متعددة تمسّ الأسرة والعمل والدين والسياسة والذات الشخصية، وتُفهم بوصفها أزمات في أنماط المماثلة وفي أنظمة التسمية والتعريف التي تنظّم الرابط الاجتماعي.إطار نظري لمفهوم الهويةيقدّم دوبار في المدخل النظري تمييزاً أساسياً بين مقاربتين فلسفيتين للهوية. المقاربة الجوهرانية تنظر إلى الهوية باعتبارها ماهية ثابتة تضمن الاستمرارية عبر الزمن، وترتكز على الانتماء المسبق والجوهر المشترك. في المقابل، تعتمد المقاربة الإسمانية أو الوجودية تصوراً للهوية بوصفها نتاجاً تاريخياً ولغوياً يتبدّل حسب السياقات والعلاقات. ضمن هذا الإطار، يعرّف دوبار الهوية باعتبارها نتيجة عمليتين متلازمتين: التفريق الذي ينتج الفرادة، والتعميم الذي ينتج الانتماء. تتحدد الهوية دائماً في علاقة بغيرية، وتتشكل عبر مماثلات يمنحها الآخرون للفرد ومماثلات يتبناها الفرد لذاته. من هذا التفاعل تنبثق أشكال الهوية بوصفها أنظمة اجتماعية لتسمية الأفراد وتصنيفهم عبر الزمن.الديناميات التاريخية لأشكال الهويةيحلل الفصل الأول التحوّلات الكبرى لأشكال الهوية في التاريخ الحديث من خلال العودة إلى أعمال نوربرت إلياس وماكس فيبر وكارل ماركس. يبيّن دوبار أنّ تشكّل الفرد الحديث يرتبط بسيرورات طويلة مثل تمدّن السلوك، والعقلنة، والتحرّر من البنى التقليدية. في هذا السياق، تتراجع هيمنة هويات نحن – أنا المرتبطة بالجماعة والمكانة الموروثة، وتبرز هويات أنا – نحن التي تمنح الفرد موقعاً مركزياً في تعريف ذاته. يظهر العمل الصناعي، والتقسيم العقلاني للوظائف، والصراع الطبقي، بوصفها عوامل أساسية أعادت تشكيل أنماط الانتماء والوعي بالذات، وأنتجت تنوّعاً متزايداً في المسارات والهويات المهنية.الأسرة وأزمة الهويات الجنسانيةيتناول الفصل الثاني تحوّلات الأسرة والعلاقات بين الجنسين بوصفها مجالاً مركزياً لأزمة الهوية. يعرض دوبار سيرورة انعتاق النساء وتفكك النماذج الأسرية التقليدية، وما رافق ذلك من إعادة تعريف للأدوار الجنسانية. تظهر العلاقة العاطفية الحديثة كفضاء تفاوضي يحمل رهانات هوياتية قوية، حيث لم تعد المكانة تُستمد من الأدوار الثابتة بل من الاعتراف المتبادل والسرد الذاتي. أزمة الهويات المهنيةيركّز الفصل الثالث على تحوّلات العمل في ظل التحديث والعقلنة الاقتصادية. يبيّن دوبار أنّ تراجع الاستقرار المهني، وتكاثر الوظائف العرضية، وتفكك المسارات المهنية الخطية، أدّت إلى أزمة في الهويات الفئوية التقليدية. لم يعد الانتماء المهني كافياً لتأمين تعريف مستقر للذات، وأصبحت الهوية المهنية مرتبطة بالمسار الفردي، وبالقدرة على التكيّف وإعادة بناء المعنى. تكشف النزاعات الاجتماعية والصلات الطبقية الجديدة عن توتّر دائم بين متطلبات السوق وحاجات الاعتراف والاندماج.الدين والسياسة وأزمة الهويات الرمزيةيعالج الفصل الرابع التحوّلات التي أصابت الحقل الديني والسياسي. يبرز دوبار سيرورة خصخصة الديني وتفكك الأطر المؤسسية التقليدية، وما نتج عنها من أزمة في المرجعيات والمعايير. في المجال السياسي، تتجلّى الأزمة في تراجع التمثيل الحزبي وتحوّل أنماط المشاركة، وفي ضعف الروابط الرمزية التي كانت تنظّم الانتماء الجماعي. بناء الهوية الشخصية وأزماتهايخصّص الفصل الخامس لتحليل الهوية الشخصية من منظور سوسيولوجي يأخذ الذاتية على محمل الجد. يقدّم دوبار فينومينولوجيا لأزمات الهوية، ويبيّن كيف يواجه الأفراد لحظات التصدّع عبر الانطواء على الذات أو عبر التحوّل الهوياتي. تتبلور الهوية الشخصية هنا بوصفها مسار تعلّم مستمر، يتشكّل عبر التجارب، والهجرة، وتعدد الانتماءات. يحتل مفهوم الهوية السردية موقعاً مركزياً، حيث يعبّر الأفراد عن ذواتهم من خلال الحكي وإعادة تنظيم الخبرة في قصة ذات معنى.الخلاصة الختاميةيقدّم كتاب أزمة الهويات: تفسير تحوّل تحليلاً سوسيولوجياً معمّقاً لأزمات الحداثة المتأخرة من زاوية الهوية. يبيّن كلود دوبار أنّ هذه الأزمات تعبّر عن تفكك التنسيقات القديمة بين المماثلات للغير والمماثلات للذات، وعن صعوبة بناء توازن جديد في عالم مفتوح ومطالب به. يطرح الكتاب دعوة صريحة إلى تجاوز الاختزال الاقتصادي والاجتماع التقليدي الجبري، وإلى اعتماد مقاربة سيرورية تأويلية تربط بين البنى الاجتماعية والمسارات الفردية والذاتيات. تمثّل الهوية في هذا المنظور رهانا مركزيا لفهم التحوّلات الاجتماعية والأنثروبولوجية المعاصرة.

#سالم يفوت# مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم