
.
أولئك الذين مرّوا على مقعده، تاركين بصماتهم الأخيرة.
يمرّر إصبعه فوق الأسماء المحفورة، كمن يتحسّس ذاكرة ليست ذاكرته.
ينتظر الجرس.
ذلك الصوت الذي سيعلن نهاية يوم واجه فيه الحياة وحده، ويحمل وعدًا صامتًا بالعودة إلى الملاذ الآمن.
تقرع الصافرة.
يحمل حقيبته المثقلة، وينطلق وسط الضجيج وزحام من طال صبرهم، على أرضية حفظت خطواتهم عن ظهر قلب، نحو أبواب لا تُفتح إلا على عجل.
يغادر.
خفّت خطواته شيئًا ما، كأن الأرض تسامحه على شيء.
يدخل الحافلة مسرعًا كما اعتاد، ويجلس قرب النافذة؛ تلك التي تمنحه حق المشاهدة دون مشاركة.
تنساب المشاهد أمامه كشريط قديم:
رجل يغسل سيارته بإصرار هادئ.
امرأة تمشي وحولها أطفال يضحكون.
وشعاع شمس ينزلق عن العشب الأخضر، يوقظ في قلبه بهجة يعرف أنها مؤقتة.
يكاد يصل.
يمسك الحقيبة مجددًا، ويشعر بها تثقل في كل خطوة.
يصل أخيرًا ليجد الباب مفتوحًا كالعادة.. مرحبًا به.
ثم يراها.
ابتسامة أمه، ولهفة الحب في عينيها التي تنبئه أن العالم، رغم تصدعاته، لا يزال قائمًا.
تحتضنه.
تسأله ببساطة كان يفهمها جيدًا:
“كيف كان يومك؟”
يمدّ يده إلى جانبه.
فلا يجد الحقيبة.
يتحسّس المكان الذي كانت تشغله، فيجد فراغًا بحجم يوم كامل.
ينهض مسرعًا نحو المرآة.
يلمس وجهه.
يتساءل:
هل ما يعيشه الآن هو الحقيقة، أم حلم آخر طال أكثر مما يجب؟
مخاوف تلوح له مع كل صباح، وهموم تنتظر بصبر قاس.
أراد أن يشعر بثقل تلك الحقيبة مجددًا.
أن يسمع صوت الصافرة، الذي كان يعني النهاية والبداية معًا.
أغلق عينيه.
لم يطلب شيئًا.
فقط أن يقرع الجرس من جديد.



