يا حنَّة يا قطر الندى

سلمى مندور

يا حنة يا حنة يا قطر الندى

كلمات من أغنية تغنت بها شادية، كتبها مرسى جميل عزيز ولحنها بليغ حمدي، ورددتها الفتيات والنساء ولكن الذي لا يعرفه الكثيرون أن قطر الندى شخصية حقيقية؛ فهي أميرة طولونية، وكانت مثل باقي الفتيات تم إعداد جهازها كعروس، لكن الاختلاف هنا أن جهازها استقطع من جزء كبير من خزانة مصر ليظل يحكي عن قافلة العروس التي خرجت من مصر إلى بغداد، ليصبح جهازها أغلى ما تم إعداده لعروس في التاريخ، وتبقى الأغنية شاهدة على سيرتها.

لنتعرف على الأميرة الطولونية وإعداد جهازها الذي أرهق خزانة مصر

● ماهية قطر الندى

هى أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، أمير مصر فى الخلافة العباسية، الذي لم يكن الأمير يحب أن تناديه ابنته المفضلة مولاي كما يناديه غيرها.

●الرؤيا

بدأ أمر زواج قطر الندى برؤيا لمرضعتها التي أسرّت بها لأبيها خمارويه، وكانت كالآتي “رأيتني في قصر كأنه الجنة، وسألت لمن هذا القصر؟ فقيل إنه لملك المشرق، واليوم تزف له ابنة ملك المغرب، وحدق في وجهي محدق، وقال افسحوا لأم العروس، فانفلق الصفان كيوم موسى والبحر، ورأيتني أمشي في طريق قد فرش بالذهب، ونثرت عليه حبات الجوهر، وبين يدي وصائف كأنهن حور الجنة، وكانت قطر الندى هي العروس الجالسة على سريرها في غرفة تطل من اليمين على نهر النيل، وعلى يسارها نهر دجلة”.

● صراع العباسيين والطولونيين

في وقت جاءت تلك الرؤيا كانت قطر الندى لا تزال صغيرة، ولكن عندما بدأت علامات شبابها في الظهور، ولم تكن تعتقد أن تلك البشارة سيكون تأويلها زواجها زواجًا سياسيًا، وفي ذلك الوقت كانت الخلافة العباسية تخوض معارك طويلة مع الدولة الطولونية في مصر، حتى تقبّل الخليفة الموفق بالله أن يستقر أحمد بن طولون في حكم مصر ومن بعده ولده خمارويه، على أن يدفع خراج مصر كل عام بلا نقصان، لكن ذلك لم يرضي المعتضد ابنه، ولكنه لم يكن ليخالف أباه، الذي بعد وفاته وتوليه الخلافة، عاد لحروبه ضد خمارويه ليسترد مصر، لكن جيش مصر كان أقوى، وثبت حكم الطولونيين، وعاد المعتضد لمركز الخلافة.

● زواج سياسي

في عام 279 هـ/ 893 م أراد خمارويه استرضاء الخليفة، وأرسل مبعوثه ابن الجصاص الهدايا والأموال، ووفقًا للمقريزي أن هذه الهدايا كانت عشرين حملاً من البغال محملة بالمال، وعشرة خدم بدوابهم، وثياب فاخرة، وعشرين فارسًا ومعهم خيولهم، المسرجة بالفضة، و17 دابة، سروجها من الذهب والفضة، وغيرها، كما بعث له خطاب خاص يطلب فيه تزويج ابنته قطر الندى إلى ابنه المكتفي، وقبل الخليفة الهدايا، ولكنه خطب قطر الندى لنفسه، وكان مهر الخليفة المعتضد لعروسه قطر الندى، بلغ مليون درهم، وعطر وطيب من الصين والهند، قيل أنه كان عمر قطر الندى فى ذلك الوقت عشر سنوات، وأنه قام بتأجيل العرس حتى تبلغ الفتاة 12 عامًا.

لم تفرح قطر الندى بتلك الزيجة، فقد كانت سعيدة بأن تكون عروسًا لولده الشاب بدلاً من ملكًا عجوز؛ فوعدها أبوها بزفاف لم ترَ دولة الخلافة مثله، وأن يكون موكبها من مصر إلى بغداد، سيرة لا تنقطع، وصدق خمارويه وعده، فأفلست خزانة مصر العامرة التي كان يحسده عليها المعتضد وأبوه، فلم تعد كذلك بعد الزفاف الأسطوري.

● جهاز العروس

يقول المقريزي أن خمارويه أخذ في تجهيز ابنته جهازًا كان يضاهي به نعم الخلافة، رغم أن المهر الذي قدمه المعتضد لم يكن يليق بزواج الخليفة، لكن خمارويه لم يبق طرفة من كل لون وجنس إلا وحمله مع ابنته.

وشمل الجهاز ثيابًا فاخرة، بالإضافة إلى عشرة صناديق كبيرة مملوءة بحلى قطر الندى، بها 4 آلاف حزام مجوهر، وألف إناء من الذهب الإبريز، لوضع العطور، ودكة تتكون من أربع قطع من الذهب، عليها قبة من ذهب، مشبك في كل عين من التشبيك قرط في كل قرط جوهرة لا تقدر بثمن، ويقول المقريزي إن ابن الجصاص بعدما أكمل الجهاز تبقى معه أربعمائة ألف دينار، فمنحها له خمارويه، كما أعطى خمارويه لابنته مائة ألف دينار، لتشتري ما تريده من بغداد، ويقال إن جملة ما أنفقه خمارويه على زواج ابنته مليون دينار، وعوضه الخليفة عن ذلك، بأن أعاد إليه السيادة من الفرات إلى برقة في ليبيا، وخفض عنه الجزية.

● الموكب

خرج موكب قطر الندى، الذى سار من مصر إلى بغداد، ورافقها والدتها وجدتها وعمها شيبان، ومعهم ابن الجصاص والجند والأعيان والأمراء على جيادهم، وهى على الهودج الفخيم، ومعها ماشطتها، وكانت الرحلة من الفسطاط في مصر عبر الشام إلى قصر صاعد في بغداد حيث استقرت قطر الندى، واعتبرت أطولَ رحلة عرفتها مواكب الأعراس، ففي كل استراحة بين القاهرة وبغداد، بنى خمارويه قصرًا لاستقبال موكب الأميرة في فترة الراحة.

في عام 282هـ/ 895م دخلت قطر الندى بغداد، وخرج أهل المدينة ليروا الموكب المصري، وفي مقدمة الموكب سارت زرافة تتهادى في زهو وخيلاء، ووراءها بغل أشهب قد حُمل على ظهره صندوقان طُليا بالذهب، ويتبع البغل عشرون فرسًا عليها سروج محلاة بالذهب والجواهر، وعليها رجال قد لبسوا الديباج و تمنطقوا بالأحزمة المذهبة، بأيديهم حراب من فضة، ووراءهم عشرون بغلاً تحمل من المتاع والحرائر والطيب ما لا يعرفه أهل بغداد، ولم يجربه أهل مصر، وما لم تبح به بلاد الهند والسند.

● وفاتها

عندما رآها الخليفة للمرة الأولى، أسرت قلبه وهام بها عشقًا، وأولاها رعاية واهتماما لم يكونا لامرأة قبلها، ظلت هكذا الحياة لسنوات، حتى مقتل خمارويه، ورغم انتظار المعتضد لهذا الخبر سابقًا، لكنه لم يفرح لما لحزن قطر الندى ،التي لم تعد أبدًا كما كانت، حى لحقت بأبيها عام 287هـ / 900م، وهي في الثانية والعشرين من عمرها، وقيل إنها توفيت أثناء حياة أبيها، فدفنها المعتضد في قصر الرصافة بجوار أبيه الموفق.

******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم