وجوه سورية تصنع الثقافة اليوم
مثقفون ومبدعون ينشرون «ثقافة السورنة» ويحملون سوريا إلى المستقبل
« الحلقة الخامسة »
سوريا، بعد كل ما عبر فوقها من انكسارات، لا تزال تُنتج أصواتاً ترفض أن يكون مصيرها مجرد هامش في كتب الآخرين؛ أصواتاً تكتب، وتبحث، وتوثق، وتحلل، وتعيد وصل ما انقطع بين الإنسان وتاريخه، وبين المعرفة والهوية، وبين الوطن وما تبقى منه في الوجدان.
في هذه الحلقة من «وجوه سورية تصنع الثقافة اليوم» لا نبحث عن أسماء تتشابه، بل عن تجارب متعددة ومن زوايا مختلفة: من الذي يكتب المكان؟ من يستعيد الأثر إلى سياقه؟ من يربط السياسة بالمسؤولية العامة؟ ومن يحوّل المعرفة إلى حقيقة غير قابلة للطمس والنسيان؟
- الكاتب نجم الدين السّمان ينتمي إلى الأدباء الذين لا يكتبون المدينة من خارجها، بل يتركونها تتكلم من خلالهم. حمل إدلب ودمشق والمنفى في لغة تجمع حساسية القاص بدقة الصحفي وقلق المسرحي. من «الدومري» إلى «شرفات الشام»، ومن «حرش هابيل» إلى «القناص قابيل» و«العشاء السوري الأخير»، تتكرر في مشروعه ثيمة واحدة: الإنسان العادي وهو يقاوم تحوله إلى رقم، والمكان وهو يحاول النجاة من المحو. في نصوصه لا تمر المدينة كخلفية، بل تتقدم إلى واجهة الحكاية، تتنفس، تتعب، وتبقى.
- الطبيبة فداء الحوراني تحمل سيرة يتشابك فيها الإرث السياسي مع المهنة والاختيار الشخصي. ابنة أكرم الحوراني، لكنها لم تعش في ظل الاسم، بل صنعت حضورها الخاص بين الطب والعمل المدني والسياسة. من تأسيس مشفاها في حماة إلى رئاسة المجلس الوطني لإعلان دمشق، ومن المحاكمة والسجن إلى الخروج من البلاد، تبدو تجربتها وكأنها خط واحد يربط الخدمة العامة بالمواجهة. لم تكن المعارضة عندها شعاراً منفصلاً عن الحياة اليومية، بل امتداداً لفكرة أن الكرامة العامة لا تنفصل عن كرامة الإنسان الفرد.
- الباحث الأثري غسّان القيّم اختار أن يصغي إلى مدينة عمرها آلاف السنين. جعل أوغاريت محور مشروعه العلمي، لا باعتبارها أثراً ساكناً، بل منظومة حضارية يمكن إعادة فتحها أمام الأجيال الجديدة. في عمله الميداني وكتاباته ومحاضراته، استعاد الأبجدية والأسطورة والاقتصاد والحياة اليومية، وحوّل المادة الأثرية من تخصص مغلق إلى معرفة قابلة للتداول. أهم ما في تجربته أنه لا يكتفي بحماية الموقع من التلف، بل يحمي معناه من الانطفاء.
- المفكر عبد الرزاق عيد ذهب إلى المنطقة التي يخاف كثيرون الاقتراب منها: علاقة الثقافة بالسلطة، والحرية بالخوف، من النقد الأدبي إلى الحداثة والعلمانية والديمقراطية، ومن ربيع دمشق إلى إعلان دمشق، ظل يكتب بوعي يعتبر أن الاستبداد لا يسقط فقط بتغيير السلطة، بل أيضاً بتغيير الذهنية التي تنتجه وتبرره. لذلك كانت معركته فكرية بقدر ما كانت سياسية؛ معركة على حق الإنسان في السؤال قبل حقه في الإجابة.
- الباحث سلام كواكبي يتحرك في المسافة بين إرث إصلاحي ثقيل وعلوم سياسية حديثة تحاول فهم الدولة من جديد. من حلب إلى باريس وأمستردام، ومن مراكز البحث إلى المجتمع المدني، انشغل بمفاهيم المواطنة والتعددية والهجرة والإصلاح والديمقراطية. وفي اشتغاله على إرث عبد الرحمن الكواكبي، لا تبدو «طبائع الاستبداد» نصاً قديماً يُستعاد للزينة، بل سؤالاً حياً يعود كل مرة بصيغة جديدة: كيف نمنع السلطة من ابتلاع المجتمع؟ وكيف يتحول المواطن من تابع إلى شريك؟
- الباحثة ابتسام بدر نصرة تخوض بحث من نوع آخر؛ يتجلى بالبحث على اسم القطعة ومكانها وقصتها. تتنقل بين المتاحف الغربية، تبحث عن أثر سوري غادر أرضه وبقي معلّقاً في قاعة بعيدة، ثم تعيد ربطه بسياقه عبر الصورة والبحث والتوثيق. في كتابها ومشروعها «التراث السوري»، لا يصبح المتحف مكاناً محايداً، بل ساحة أسئلة عن الملكيةوحق الشعوب في معرفة تاريخها. بالنسبة إليها، القطعة الأثرية ليست حجراً جميلاً، بل شاهد يحمل اسم مكان، وغياب هذا الاسم شكل آخر من أشكال المحو.
هذه التجارب لا تتشابه، لكنها تكشف شيئاً واحداً بالغ الأهمية: أن الثقافة السورية ليست نشاطاً جانبياً، بل بنية لتجنب الضياع. إنها ما يربط المدينة باسمها، والأثر بأرضه، والسياسة بالأخلاق، والفكر بالحرية، والإنسان بحقه في أن يروي نفسه بنفسه.
فالهاجس الأكبر في مسيرة أي بلد فقدان القدرة على تفسير ذاته ، وعندما تضيع الرواية، يبدأ الآخرون في كتابتها نيابة عنها. ولهذا يصبح المثقف والباحث والفنان والموثق جزءاً من وجود الحاضر والتاريخ ؛ لأن من يملك أرشيفه، وسرده، وأسئلته، ووعيه بتاريخِه، يملك جزءاً أساسياً من مستقبله.
هذه ليست حلقة عن ست شخصيات فقط، بل عن ست طرق لقول الشيء ذاته: أن سوريا لا تزال قادرة على إنتاج المعنى من بين الركام، وعلى تحويل المعرفة إلى قوة، والثقافة إلى مساحة بقاء، والوعي إلى بداية جديدة.
……………………………….
تحرير: حسان سعد
#سوريات_Souriat
رابط المقال في موقع سوريات
https://backend.souriat.com/share/article/1442


