هل يورث الذكاء ان انها مجرد أمنية…؟

،،، لو أن الذكاء يُورث لقام البشر بالتلقيح من جميع العلماء الحاصلين على جائزة نوبل ….. تلك العبارة التي تتردد في بعض الأوساط تحمل في طياتها قدراً من السخرية، ولكنها أيضاً تختزل سوء فهم شائعاً حول طبيعة توريث الذكاء. فلو كان الذكاء مجرد صفة تنتقل كالون العينين أو لون الشعر، لتحولت بنوك الحيوانات المنوية إلى أسواق يتبارى فيها الراغبون باقتناء بويضات ملقحة من العباقرة والنوابغ. لكن الحقيقة العلمية التي كشف عنها الباحثون في سلوكيات الوراثة، ومنهم غريغور ماندل في دراساته الرائدة، تشير إلى أن المسألة أكثر تعقيداً وأكثر إنسانية من مجرد عملية تلقيح انتقائي.ما توصلت إليه الدراسات الحديثة في علم الوراثة السلوكية يؤكد أن الذكاء بالفعل يحمل مكوناً وراثياً لا يمكن إنكاره . ففي بدايات القرن العشرين، أظهرت دراسات العالم فيلهلم بيترز أن الأسر التي يتمتع كلا الوالدين فيها بمعدل ذكاء مرتفع (أعلى من 124) أنجب أطفالاً يتمتعون بالمستوى نفسه من الذكاء، ولكن بشرط أساسي وجوهري هو توافر البيئة المناسبة والتعليم الطبيعي . هذا الشرط هو ما يغير المعادلة تماماً.تتجاوز الدراسات المعاصرة هذه الملاحظات الإحصائية إلى فهم أعمق للآليات البيولوجية. فقد كشفت الأبحاث عن وجود جينات محددة تحمل “بصمة” خاصة حسب مصدرها، سواء من الأب أو الأم . تعمل هذه الجينات على تحسين آليات عمل المساحات الوظيفية في الدماغ، فالجينات ذات الأصل الأمومي تلعب دوراً أكثر أهمية في تكوين مناطق مسؤولة عن الوظائف العقلية العليا كاللغة والتفكير المعقد، بينما تؤثر الجينات الأبوية بشكل أكبر على مناطق مرتبطة بالنمو والتغذية والوظائف البيولوجية للجسم .. كما تتحكم هذه الجينات في نسب الهرمونات الدماغية وتوازنها الدقيق.لكن هذا التوازن الهرموني والعصبي الدقيق لا يتحقق في الفراغ. فالبيئة المناسبة هي التي تشبه التربة الخصبة للبذرة الجيدة. عندما اختل هذا التوازن الوراثي في حالات طبية معينة، كما في متلازمة برادر-فيلي أو متلازمة أنجلمان، نتج عن ذلك اضطرابات في النمو الفكري واختلال في الوظائف الدماغية والهرمونية . هذه الحالات تؤكد أن الجينات وحدها، من دون سياقها البيئي المناسب، قد لا تؤتي ثمارها المرجوة.لذإ، فإن الذكاء ليس سلعة تُشترى أو صفة تُحقن، بل هو حصيلة تفاعل معقد بين الموروث والمحيط. يمكن للجينات أن تمنح الدماغ بنية تحتية واعدة، ولكن البيئة المناسبة هي التي تطلق العنان لهذه الأمكانات. إنها شراكة حميمة بين ما نحمله في خلايانا وما يحيط بنا من ظروف وتجارب. فالعبقري الحقيقي هو ابن جيناته وبيئته معاً، وليس ثمرة عملية تلقيح انتقائية في مختبر بارد … # المثقفون السوريون# مجلة ايليت فوتو ارت. كم

أخر المقالات

منكم وإليكم