تتزايد الدعوات بين قادة شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى إلى إبطاء تطوير الأنظمة المتقدمة وتعزيز إجراءات الأمان، في ظل مخاوف من مخاطرها المتصاعدة. لكن المنافسة الشرسة والاستثمارات الضخمة، إلى جانب رفض إدارة ترامب تشديد القيود، تعرقل هذه المبادرات.
يؤكد رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى نيتهم إبطاء وتيرة التطوير السريعة في هذا القطاع، لكن المنافسة المحمومة وتردد الحكومة الأميركية والبُعد الجيوسياسي تجسّد مجتمعةً عوائق أمام هذه المبادرة.
ماذا يقترح رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي؟
دعا الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، داريو أمودي، يوم السبت الماضي إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، لإتاحة فهم أفضل للمخاطر الناجمة عن القدرات الجديدة في هذا المجال.
وأيّد اقتراحه كلّ من إيلون ماسك والرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”، سام ألتمان، ورئيس “غوغل ديب مايند”، ديميس هاسابيس، والرئيس التنفيذي لمجموعة “مايكروسوفت”، ساتيا ناديلا.
لماذا الآن؟
في الأشهر الأخيرة، أعلنت شركتا “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” عن حوادث عدة شهدت خروج أنظمة ذكاء اصطناعي من تلقاء نفسها من بيئاتها التي يفترض أن تكون مضبوطة، وولوجها شبكة الإنترنت لمهاجمة مواقع ومنصات.
وأظهرت هذه الأنظمة قدرة على التنسيق في ما بينها، وإقامة هرمية داخلية، والغش، ومحو آثار أفعالها المؤذية.
كما أن الباحث جايكوب كوكسون الذي انتقل من “أوبن ايه آي” إلى “أنثروبيك”، ثم استقال منها وترك القطاع كليا، اتهم يوم الثلاثاء الماضي الشركتين بالتساهل في مسألة الأمان. وكتب على منصة إكس “لا تتصرف أي من الشركتين بطريقة مسؤولة. إنهما… تلعبان بحياتنا”.
هل تبادر الشركات إلى إبطاء التطوير؟
بلغت المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى حدا يحول دون أن تبادر أي منها من تلقاء نفسها إلى إبطاء وتيرة التطوير منفردة، وخصوصا أنها تستثمر مئات مليارات الدولارات في هذا المجال.
وأعلن داريو أمودي استعداده للتعاون في هذا الشأن مع الشركات المنافسة، باستثناء الصينية منها.
وبحسب موقع “ذي إنفورميشن”، تجري شركات “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” و”غوغل” محادثات منذ تموز/ يوليو بشأن إنشاء هيئة مهنية للإشراف والرقابة.
وحتى الآن، تتمثل الخطوة الفعلية الوحيدة التي أعلنت عنها كل من “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي”، في استقبال مراقبين مستقلين دائمين، سيتولون التحقق داخليا من أعمال هذه الشركات في ما يتعلق بسلامة الذكاء الاصطناعي وأمانه.
هل هذه الدعوات مجرد خطوة دعائية؟
في حين رحب الكثيرون في هذا المجال برسالة داريو أمودي، تساءل آخرون عن الدوافع الكامنة وراءها.
فبالنسبة إلى برايان روميلي، وهو رائد أعمال وشخصية بارزة في قطاع الذكاء الاصطناعي، فإن الأمر لا يعدو كونه حجة تسويقية قدّمت قبل أسابيع قليلة من الطرح المحتمل لشركة “أنثروبيك” في البورصة.
وأوضح أمودي وجهة نظره عبر منصة “إكس”، قائلا “نحن الشركة المسؤولة (بين عمالقة الذكاء الاصطناعي)، ونحن الحل، لذا اشتروا” منتجات الشركة أو أسهمها، فهي التي تقدم لكم ’ميزة الأمان’”.
كما اتهمت شخصيات عدة في مجال الاستثمار الخاص بقطاع التكنولوجيا شركة “أنثروبيك” بممارسة ما يُعرف بـ “الاستحواذ التنظيمي” (regulatory capture)، أي السعي لدفع السلطات العامة إلى تثبيت تراتبية تتربع الشركة الناشئة على قمتها من خلال تشريعات وقواعد محددة.
وعلّق مستشار دونالد ترامب السابق لشؤون الذكاء الاصطناعي والذي لا يزال يتمتع بنفوذ في البيت الأبيض، ديفيد ساكس، “توقفوا عن التظاهر بأن دوافعكم محض إنسانية”.
وأضاف “ستتحملون مسؤولية قانونية هائلة إذا سمحت منتجاتكم بشن هجوم سيبراني مدمر”.
هل يمكن إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي بلا دعم من حكومة ترامب؟
وصف دونالد ترامب أمس، الأحد، الدعوات التي يطلقها قادة قطاع الذكاء الاصطناعي بأنها تمثل “قوى سلبية”.
وأعربت شخصيات جمهورية عديدة عن تحفظها إزاء التنظيم النشط لهذه التكنولوجيا، وذلك خشية “خنق” الابتكار والمخاطرة بأن تكسب الصين معركة الذكاء الاصطناعي، وفق ما ذكر رئيس مجلس النواب الأميركي، مايك جونسون.
وجدّد داريو أمودي التأكيد على ضرورة وضع السلطات العامة أطرا تنظيمية للذكاء الاصطناعي، معتبرا أن أي قواعد يضعها القطاع نفسه لن تكون كافية، ووافقه على ذلك سام ألتمان وديميس هاسابيس.
هل يمكن إبطاء الوتيرة من دون الصين؟
يقترح داريو أمودي تنسيقا يقتصر على “الدول الديموقراطية”، مع استبعاد الصين.
غير أن سباق الذكاء الاصطناعي والتقدم الصيني في هذا المجال يفرضان “أصعب معضلة” بشأن ما إذا كان ينبغي إبطاء الوتيرة أم لا، على ما أوضح في مقابلة بثتها شبكة “سي بي إس” أمس الأحد.
وتعتزم الولايات المتحدة مناقشة مسألة أمن الذكاء الاصطناعي على هامش زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى واشنطن في أواخر أيلول/ سبتمبر، إلا أن الصين تبدي حذرا إزاء أي محاولة أميركية لفرض تصنيفاتها ومعاييرها الخاصة، بحسب وسائل إعلام عدة.
وتزداد حدة هذا التباين نظرا إلى أن الصين تشجع ظهور ما يُعرف بأنظمة الذكاء الاصطناعي “المفتوحة”، أي تلك المتاحة مجانا والقابلة للتعديل، على النقيض من النماذج “المغلقة” التي تتبناها كبرى الشركات الأميركية.
وبحكم طبيعتها، تُعد أنظمة الذكاء الاصطناعي المفتوحة أكثر صعوبة من حيث الرقابة والتحكم، إذ يمكن للمستخدمين تعديل إعداداتها، ولا سيما لأغراض سلبية.
ولإتاحة المجال أمام الشركات غير الصينية الرائدة لتخفيف الوتيرة، يدعو داريو أمودي إلى تشديد القيود المفروضة على تصدير أكثر الرقائق الأميركية تطورا إلى الصين، وإلى تعزيز الحماية ضد استيلاء المختبرات الصينية على تقنيات الذكاء الاصطناعي الغربية.
******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت


